الجمعة، 16 أبريل 2021

علمتنا سورة الكهف

 الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول ﷲ، أما بعد:

- تعلمنا سورة الكهف؛ أن البلاء إذا اشتد، والكرب إذا اسود، وزادت المحن، فالمسلم يحتاج إلى أن يأوي إلى عاصم يعصمه من ذلك، كما أوى الفتية إلى الكهف.

- وتعلمنا سورة الكهف؛ أن الفتن إذا توحشت، وبلغت أعالي الجبال؛ فالمسلم محتاج أن يقرأ أولها، كما ثبت في مسلم، 

- وتعلمنا سورة الكهف؛ أن الطريق إذا أظلم بالشبهات والشهوات فالمسلم يحتاج إلى نور، كما في حديث أبي سعيد.

نزلت سورة الكهف بمكّة، وقد اشتدّ على النبي ﷺ الأذى، وزاد على صحابته البلاء.

- تعلمنا سورة الكهف كما علمتنا سورة يوسف؛ ما للقصص من أثر في التربية الإيمانية، ولذا كانت أكثر مواضيع سورة الكهف قصصا، قصة أهل الكهف، ثم صاحب الجنتين، ثم قصة موسى والخضر، ثم قصة ذي القرنين.

- تعلمنا سورة الكهف؛ أن القرآن نعمة من أعظم النعم تستوجب شكرًا، قال سبحانه في أوّل السورة: {ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِیۤ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَـٰبَ}، فالقرآن هو النور الذي يحمي من الفتن.

- تعلمنا سورة الكهف أن القرآن ميزان يقيم به كل شيء، توزن به الأفكار والمعتقدات والأفعال والأخلاق، قال سبحانه: {وَلَمۡ یَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَا قَیِّمࣰا}.

- تعلمنا سورة الكهف؛ ألا نحزن ولا نأسى على صاحب الضلالة، قال سبحانه: (فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعࣱ نَّفۡسَكَ عَلَىٰۤ ءَاثَـٰرِهِمۡ إِن لَّمۡ یُؤۡمِنُوا۟ بِهَـٰذَا ٱلۡحَدِیثِ أَسَفًا)، فالله قد جعل الحياة فتنة.

- ولذا تعلمنا سورة الكهف، (ﺇﻥ اﻟﺪﻧﻴﺎ ﺣﻠﻮﺓ ﺧﻀﺮﺓ، ﻭﺇﻥ اﻟﻠﻪ ﻣﺴﺘﺨﻠﻔﻜﻢ ﻓﻴﻬﺎ، ﻓﻴﻨﻈﺮ ﻛﻴﻒ ﺗﻌﻤﻠﻮﻥ، ﻓﺎﺗﻘﻮا اﻟﺪﻧﻴﺎ ﻭاﺗﻘﻮا اﻟﻨﺴﺎء)، قال ﷻ (إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِینَةࣰ لَّهَا لِنَبۡلُوَهُمۡ أَیُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلࣰا).

ما الحكمة من هذه الزينة، والفتنة، والصراع بين الحق والباطل.

- وتعلّمنا سورة الكهف أنَّ المؤمن يبتلى ليمتحن صبره، وشكره:

• فقصة أهل الكهف ابتلوا ابتلاء الصبر.

• وقصة صاحب الجنتين ابتلي ابتلاء الشكر.

• وقصة موسى مع الخضر كانت قصة من قصص ابتلاء الصبر.

• وقصة ذي القرنين، كانت قصة من قصص ابتلاء الشكر.

- تعلمنا سورة الكهف أنه ليس شيء عجيب في خلق ﷲ بالنسبة إلى قدرة ﷲ العظيم: (أَمۡ حَسِبۡتَ أَنَّ أَصۡحَـٰبَ ٱلۡكَهۡفِ وَٱلرَّقِیمِ كَانُوا۟ مِنۡ ءَایَـٰتِنَا عَجَبًا)، والإنسان يعجب من كل ما لم يعتد عليه، ولم يجر على ما عهده، وإلّا فإنَّ خلق السموات والأرض، وزينة الدنيا، ثم جعلها جرزا، أمر عجيب، فليست ﻗﺼﺔ ﺃﻫﻞ اﻟﻜﻬﻒ ﻣﻨﻔﺮﺩﺓ ﺑﺎﻟﻌﺠﺐ ﻣﻦ ﺑﻴﻦ اﻵﻳﺎﺕ اﻷﺧﺮﻯ.

- علمتنا سورة الكهف أنَّ الصراع بين الحق والباطل صراع تاريخي، فلقد كان الفتية في مجتمع جاهلي شركي، كمجتمع مكة.

وأول ما يدفع به المؤمن الفتن والبلاء؛ أن يلجأ إلى ﷲ بالدعاء: 

(فَقَالُوا۟ رَبَّنَاۤ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةࣰ وَهَیِّئۡ لَنَا مِنۡ أَمۡرِنَا رَشَدࣰا).

- وتعلمنا سورة الكهف: أن من أقبل على ﷲ أقبل ﷲ عليه، (نَّحۡنُ نَقُصُّ عَلَیۡكَ نَبَأَهُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّهُمۡ فِتۡیَةٌ ءَامَنُوا۟ بِرَبِّهِمۡ وَزِدۡنَـٰهُمۡ هُدࣰى)، فمن أدار ظهره للدنيا وفتنتها وأقبل على ﷲ آتاه الله كل خير.

- وتعلمنا سورة الكهف: أن المؤمن في معركته مع الباطل، ومواجهته للشرك، محتاج مع الهداية إلى سكينة القلب، يعوزها سكينة القلب، وطمأنينة الفؤاد، وشجاعته، ولذا قال ﷲ عن نبيه ﷺ: (إِذۡ هُمَا فِی ٱلۡغَارِ إِذۡ یَقُولُ لِصَـٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِینَتَهُۥ عَلَیۡهِ وَأَیَّدَهُۥ بِجُنُودࣲ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِیَ ٱلۡعُلۡیَاۗ وَٱللَّهُ عَزِیزٌ حَكِیمٌ).

- وتعلّمنا سورة الكهف حقيقة الدنيا، وحقيقة فتنتها، فمن قوله تعالى: (إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِینَةࣰ لَّهَا لِنَبۡلُوَهُمۡ أَیُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلࣰا ۝)، ينتقل السياق إلى قوله: (وَإِنَّا لَجَـٰعِلُونَ مَا عَلَیۡهَا صَعِیدࣰا جُرُزًا)، ومن أوتي هذه البصيرة في الدنيا لم يفتن بها، وكان في عصمة من فتنة الدجال، وهذا هو الذي جرى مع فتية الكهف، الذين لم تغرهم الدنيا بزينتها، فجافوها في ذات ﷲ.

وإذا تأملت السورة ستجد أن كلمة الزينة جاءت في ثلاثة مواطن فيها، وكلمة الرشد جاءت في أربعة مواطن.

- تعلمنا سورة الكهف، أن المؤمن يجب ألا يخضع لظروفه، ولكن لينطلق ليبحث عن الحلول.

- وتعلمنا سورة الكهف أن الرفقة الصالحة، وكتاب الهدى، مما يعين على اعتزال الباطل وأهله، (أَمۡ حَسِبۡتَ أَنَّ أَصۡحَـٰبَ ٱلۡكَهۡفِ وَٱلرَّقِیمِ كَانُوا۟ مِنۡ ءَایَـٰتِنَا عَجَبًا).

- وتعلمنا سورة الكهف أن من أوى إلى ﷲ فلا خوف عليه ولا حزن، تأمل أن أول كلمة في سياق القصة: (إِذۡ أَوَى ٱلۡفِتۡیَةُ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ فَقَالُوا۟ رَبَّنَاۤ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةࣰ وَهَیِّئۡ لَنَا مِنۡ أَمۡرِنَا رَشَدࣰا).

هناك ظلم واضطهاد ووحشة وترك للوطن والأهل والراحة وكهف وخوف، ولكن يصف ﷲ الانطلاقة الإيمانية لتلك الرفقة بقوله ﷻ: (إِذۡ أَوَى ٱلۡفِتۡیَةُ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ)، الإيواء إلى ﷲ هو أهم أمر في السياق، هو النقطة البارزة في القصة، هو لب الحكاية.

- إن مختصر القصة: فتية هربوا إلى ﷲ ودعوا ربهم!

هكذا هي الحكاية.

وهكذا بدأت القصة، ليكون الأمر الذي ينطبع في الذهن هو صورة الإيواء إلى ﷲ والدعاء والالتجاء إليه.

- تعلمنا سورة الكهف أن عقولنا لا تدرك قدرة الله، فالفرج والفتح للمؤمنين والرحمة بأولياء ﷲ قد تكون بأمر لا يتصورونه، فكثير من الناس يظن أن النصر قد يكون بزلزال يضرب مدينة الملك الكافر، أو عاصفة تدمر حرسه، أو مرض أو موت، كلا! لقد كانت الاستجابة: (فَضَرَبۡنَا عَلَىٰۤ ءَاذَانِهِمۡ فِی ٱلۡكَهۡفِ سِنِینَ عَدَدࣰا)!

أتذكر قصة أم موسى! وولهها، وحزنها حين ألقت بابنها في اليم، كيف كان تحقيق وعد ﷲ لها: (إنا رادوه إليك)، هل نزلت ملائكة من السماء فانتزعت الغلام من بين يدي الجنود؟ هل حملته الريح؟ كلا، لقد بدأ الفرج من قوله: (وحرّمنا عليه المراضع).

لقد حفظهم ﷲ بالنوم! نعم بالنوم عصمهم ﷲ من القوم الظالمين!

أنت لا تدري كيف سيكون النصر الباسم، وكيف يدبر ﷲ أمره، إنه يعلم وأنتم لا تعلمون.

- ثم تأمل قوله بعد ذلك: (ثُمَّ بَعَثۡنَـٰهُمۡ لِنَعۡلَمَ أَیُّ ٱلۡحِزۡبَیۡنِ أَحۡصَىٰ لِمَا لَبِثُوۤا۟ أَمَدࣰا)

ليتبين لك نهاية مختصر القصة، قوم آووا إلى ﷲ ودعوه فأنامهم ﷻ ثم أيقضهم ليكونوا آية له في الناس.

- وتعلّمنا سورة الكهف أن الناس لايزالون مختلفين في الحوادث والمواقف، فلا تثق كثيرا في رأيهم، ولا في ضبطهم، (لِنَعۡلَمَ أَیُّ ٱلۡحِزۡبَیۡنِ أَحۡصَىٰ لِمَا لَبِثُوۤا۟ أَمَدࣰا)

أنت وأنا قد تحدث لنا أحداث ومواقف ولا ندرك قدر ما فيها من حكمة ﷲ وقدرته.

فهناك أحداث نراها، ولكننا لا ندرك ما وراءها من القصص والمواقف والأحداث.

- وتعلمنا سورة الكهف أن الإيمان هو وراء كل تلك الأعاجيب، لماذا ضحوا؟ لماذا بذلوا؟ كيف قاموا أمام الملك؟ كيف استعلنوا بمبدئهم؟ لماذا هاجروا؟ لماذا أكرمهم ﷲ بتلك الآية؟ إنه الإيمان! تأمل قوله: (نَّحۡنُ نَقُصُّ عَلَیۡكَ نَبَأَهُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّهُمۡ فِتۡیَةٌ ءَامَنُوا۟ بِرَبِّهِمۡ وَزِدۡنَـٰهُمۡ هُدࣰى)

- وتعلمنا سورة الكهف أن البداية لابد أن تكون من الإنسان، وأن الله شكور لمن أقبل عليه، تأمل:

(ءَامَنُوا۟ بِرَبِّهِمۡ وَزِدۡنَـٰهُمۡ هُدࣰى* وَرَبَطۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ) متى (إِذۡ قَامُوا۟ فَقَالُوا۟ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَا۟ مِن دُونِهِۦۤ إِلَـٰهࣰاۖ لَّقَدۡ قُلۡنَاۤ إِذࣰا شَطَطًا)

فالإيمان الأولي كان منهم، والقيام كان منهم، والإقبال كان منهم.

• وعلمتنا سورة الكهف أن المؤمن إذا أيقن بربوبية ﷲ وعظمه هان عليه الباطل، فقولهم: (إِذۡ قَامُوا۟ فَقَالُوا۟ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَا۟ مِن دُونِهِۦۤ إِلَـٰهࣰاۖ)، رب السموات والأرض لن يضيعنا، ولن يتركنا.

• وعلمتنا سورة الكهف أن الوعي بالباطل، واستنكاره، ورؤيته على ما هو عليه من القبح من أعظم نعم الله على العبد، قال تعالى عن أهل الكهف: (إِذۡ قَامُوا۟ فَقَالُوا۟ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَا۟ مِن دُونِهِۦۤ إِلَـٰهࣰاۖ لَّقَدۡ قُلۡنَاۤ إِذࣰا شَطَطًا)، فرأوا الباطل شططا.

هناك من لا يرى مشكلة في الشرك، ولا يرى مصيبة سب ﷲ، فالذي يشغله هو شأن دنياه.

- وتأمل كلمات فتية الكهف -وكلامهم قليل-: (رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ)، وقبل ذلك قالوا: (رَبَّنَاۤ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةࣰ وَهَیِّئۡ لَنَا مِنۡ أَمۡرِنَا رَشَدࣰا)، وقالوا بعد ذلك: (قَالَ قَاۤىِٕلࣱ مِّنۡهُمۡ كَمۡ لَبِثۡتُمۡۖ قَالُوا۟ لَبِثۡنَا یَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ یَوۡمࣲۚ قَالُوا۟ رَبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثۡتُمۡ): فكلامهم كله مبدوء بوصف الربوبية، ففي أول أمرهم:

- دعاء.

- ثم حين دعوتهم لقومهم واعتراضهم عليهم قالوه.

- ثم حين التسليم لله.

 • علمتنا سورة الكهف أن المؤمن يجب أن يطلب الحجة والدليل على كل قضية، قال ﷻ:(هَـٰۤؤُلَاۤءِ قَوۡمُنَا ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦۤ ءَالِهَةࣰۖ لَّوۡلَا یَأۡتُونَ عَلَیۡهِم بِسُلۡطَـٰنِۭ بَیِّنࣲۖ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبࣰا).

• وتعلمنا سورة الكهف: أن الإيمان لا يمنع نزول الابتلاء، ولا وقوع المحنة، ولكن المؤمن إذا أقبل على ﷲ أنزل عليه الرحمة.

قد تجد من يقول: نحن مؤمنون، ومع ذلك ينزل ﷲ رحمته وفضله وسكينته، (وَإِذِ ٱعۡتَزَلۡتُمُوهُمۡ وَمَا یَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ فَأۡوُۥۤا۟ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ یَنشُرۡ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَیُهَیِّئۡ لَكُم مِّنۡ أَمۡرِكُم مِّرۡفَقࣰا).

• وتعلمنا سورة الكهف أن أهل الإيمان أهل يقين برحمة الله وفضله، تأمل كلامهم: (یَنشُرۡ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَیُهَیِّئۡ لَكُم مِّنۡ أَمۡرِكُم مِّرۡفَقࣰا).

بل تأمل قولهم: (یَنشُرۡ) لترى عظيم ثقتهم في ﷲ.

• وتعلّمنا السورة ألا ينشغل الإنسان بالنقاش والجدل فيما ليس وراءه هدى: (وَكَذَ ٰ⁠لِكَ بَعَثۡنَـٰهُمۡ لِیَتَسَاۤءَلُوا۟ بَیۡنَهُمۡۚ قَالَ قَاۤىِٕلࣱ مِّنۡهُمۡ كَمۡ لَبِثۡتُمۡۖ قَالُوا۟ لَبِثۡنَا یَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ یَوۡمࣲۚ قَالُوا۟ رَبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثۡتُمۡ).

• وتعلمنا هذه السورة الكريمة، أن المؤمن يجب ألا يشغله البلاء عن طلب الرزق الحلال، (فَٱبۡعَثُوۤا۟ أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمۡ هَـٰذِهِۦۤ إِلَى ٱلۡمَدِینَةِ فَلۡیَنظُرۡ أَیُّهَاۤ أَزۡكَىٰ طَعَامࣰا فَلۡیَأۡتِكُم بِرِزۡقࣲ مِّنۡهُ).

• وتعلمنا السورة أن المؤمن يجب أن يكون حكيما في المواقف، ذا فقه في التصرف،  (وَلۡیَتَلَطَّفۡ وَلَا یُشۡعِرَنَّ بِكُمۡ أَحَدًا).

• تعلمنا سورة الكهف أن الأمر لله، وهو عالم الغيب، يعلم كل ما يحدث في هذا الكون، هناك حين اضطهد هؤلاء المؤمنون، وأوذوا، وابتلوا، فالله عليم بهم.

 (قُلِ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثُوا۟ۖ لَهُۥ غَیۡبُ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِۖ أَبۡصِرۡ بِهِۦ وَأَسۡمِعۡۚ مَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِیࣲّ وَلَا یُشۡرِكُ فِی حُكۡمِهِۦۤ أَحَدࣰا)


مع سورة الماعون

    الحمد لله، أما بعد:

    ألست تعجب من ذلك الاستهلال لسورة الماعون؟ (أرأيت الذي يكذب بالدين)؟ أرأيت يا محمد، ذاك المكذب بالدين والحساب والعقاب؟

     ربما لو قرأ السورة من لم يكن حافظا لها، واستمع صدر السورة لأول مرة، لتخايل على البداهة أن قوله ﷻ: (أرأيت الذي يكذب بالدين) سيعقب بحديث قاصف عن طغاة قريش، وأكابر مجرمي مكة، وربما ظن على الارتجال أن ذلك المكذب بالدين الذي ستتحدث عنه هذه السورة هو فرعون أو هامان أو طاغية من جنسهم، لكن الأمر لم يكن كذلك! وكل ذلك لم يكن!

     لقد جاءت الآية الثانية: (فذلك الذي يدعّ اليتيم)! يدعّ اليتيم! والدع هو الدفع بزجر من الخلف! فهو يدفعه عن حقه، ويقهره! لقد كانت أول صفة وصف بها هذا المكذب للدين هو قسوته على الضعفاء والأيتام!

     ثم قال سبحانه: (ولا يحضّ على طعام المسكين)! فذمته الآية لقصوره عن الفاعلية الإيجابية في مجتمعه! فهو لا يدعو ولا يدعم ولا يحث ولا يحض على إطعام المساكين! فذمه ﷲ لعدم قيامه برتبة التأثير البناء، وذلك ذم لتارك إطعام المسكين بطريق الأولى! فما أجل هذا المعنى

     أرأيت يا محمد الذي يكذّب بالدين! إن من صفاته تلك القسوة على الضعفاء، والجفوة عن مسح آلامهم، وتخفيف أحزانهم! فهو لا يحنو على اليتيم ولا يمسح دمعته، ولا يربت على كتف المستضام، ولا يدري عن آلام الناس وأحزانهم ومصابهم!

     ونحن نعلم أن التفريط في حق اليتيم وعدم الحث والحض على إطعام المساكين ليس مكفرا مخرجا من الملة، ولكنه كمال هذه الشريعة التي أتت بحفظ حق ﷲ وحق البشر! فالكمال الإيماني يكون بالقيام بالحقين!

     ثم رجع السياق القرآني: (فويل للمصلين، الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم يراؤون)، لقد رجع السياق يتحدث عن التفريط في حق ﷲ! فإذا الذكر الحكيم في السورة يتناوب بين هذين الحقين!

     إياك أن تظن أن الدين صلاة في المسجد فقط، أو تلبية في المشاعر فحسب! كلا، فالأمر ليس كذلك!

     (عن صلاتهم ساهون): فهو لاهٍ عن صلاته، منشغل عنها، فيؤخرها عن وقتها، ويتشاغل عنها، ويصليها بتثاقل،فالصلاة ليست قضية مركزية في حياته!

     ثم عادت السورة في ختامها تتحدث عن حق الخلق مرة أخرى: (ويمنعون الماعون) فليس من أهل الإعانة للخلق، بل يمنع ما فيه معونة للناس! ليس إيجابيا متعاونا، بل تراه منجمعا على نفع نفسه، لا يعطي الناس ما يطلبونه مما لا يضره، ولا يشاركهم ما يحتاجونه، ولا يحسن بجاهه، ولا يعير عارية، ولا يعطي ولا يبذل، فيمنع ما يتعاونه الناس بينهم!

     ﺇﻥ ﻫﺬﻩ اﻟﺴﻮﺭﺓ (قليلة الآيات) تبين أن المؤمن الصادق لابد أن يندفع إلى البر بالخَلق، وتؤكد أن القيام بحق الخالق يدعو للقيام بحق الخلق!

     إنها تبين حقيقة هذا الدين، الذي تتكامل فيه العبادة المحضة بالعبادات الاجتماعية.

- تأمل هذا العطف بين أفعال المعرضين، (عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون)، فمن أضاع الصلاة أضاع حقوق الخلق، من أضاع حي على الصلاة، أضاع كل حق وفضيلة.

- (فويل للمصلين)! إنها صلاة أهل التقصير، والسهو، صلاة من لا يقيمها فلا تزكو نفسه، ولا ترقى لنفع الناس والإحسان إليهم.

     من صلى صلاة لا روح فيها كانت حياته ﺣﻴﺎﺓ لا روح فيها، وأصبحت حياة لا تقوم على شعور التكافل والكرم والفزعة وطهارة السلوك.

     وهكذا كانت سورة الماعون، تتحدث عن القيام بالحقّين، حقّ الخالق وحقّ الخلق، بمثل هذا التناوب العذب، والحديث الآسر.