الأربعاء، 12 مايو 2021

التكبير لعيد الفطر.

     الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فالتكبير لعيد الفطر مستحب عن الجمهور، لقوله: (وَلِتُكۡمِلُوا۟ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ).

- وهو آكد من تكبير الأضحى، نقل عبد الله بن أحمد عن أبيه في مسائله ﻗﺎﻝ: "ﻳﻮﻡ اﻟﻔﻄﺮ أﺷﺪّ، ﻟﻘﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ {ﻭﻟﺘﻜﻤﻠﻮا اﻟﻌﺪﺓ ﻭﻟﺘﻜﺒﺮﻭا اﻟﻠﻪ}، ولذا بلغ أن أوجبه أهل الظاهر.

- وكان النبي ﷺ يأمر به حتى أمر به العواتق والنساء، ففي الصحيحين: قالت أم عطية: "كنّا نؤمر بالخروجِ في العيدين، قالت: الحُيَّض يخرجن فيَكُنّ خلف الناس، يكبرن مع الناس".

وهو مأثور عن الصحابة، فقد روى الدارقطني عن ابن عمر أنه كان يخرج للمصلى فيجهر بالتكبير حتى يخرج الإمام.

ونقله أحمد عن أبي قتادة رضي الله عنه، وكان رحمه ﷲ يفعله عند غدوّه للمسجد.

- ويبدأ من رؤية هلال شوال، عند كثير من السلف، كابن عباس وزيد بن أسلم.

ودلّت الآية على أن التكبير عقب إكمال العدة، وهي عدة الصوم، نصّ عليه أئمة كالشافعي.

- وينقضي بخروج الإمام لصلاة العيد.

- ويجهر بالتكبير عند أكثر أهل العلم، ﻗﺎﻝ اﻟﺸﺎﻓﻌﻲ: "ﻭﺃﺣﺐ ﺇﻇﻬﺎﺭ اﻟﺘﻜﺒﻴﺮ ﺟﻤﺎﻋﺔ ﻭﻓﺮاﺩﻯ"، وروى في الأم عن اﺑﻦ اﻟﻤﺴﻴﺐ ﻭﻋﺮﻭﺓ ﺑﻦ اﻟﺰﺑﻴﺮ ﻭﺃبي ﺳﻠﻤﺔ ﻭﺃبي ﺑﻜﺮ ﺑﻦ ﻋﺒﺪ اﻟﺮﺣﻤﻦ الجهر بالتكبير ﻟﻴﻠﺔ اﻟﻔﻄﺮ ﻓﻲ اﻟﻤﺴﺠﺪ.

ﻭاﺳﺘﺤﺐ الجهر ﻟﻤﺎ ﻓﻴﻪ ﻣﻦ ﺇﻇﻬﺎﺭ ﺷﻌﺎﺋﺮ اﻹﺳﻼﻡ، ﻭﺗﺬﻛﻴﺮ غيره من المؤمنين.

- ويكبر على نحو ما نقله ابن المنذر عن (عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، أنهما كانا يكبران من صلاة الغداة يوم عرفة إلى الصلاة من آخر أيام التشريق، يقولان: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد"، وقال بهذه الصيغة كثير من السلف، كما جاء عن النخعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق.

- وبأي صيغة كبّر المكبّر صح، فإن الأمر جاء في الآية مطلقًا، وقد تعددت صيغ تكبير الصحابة فدلّ على التوسعة، قال أبو داود في مسائله لأحمد: "سمعت أحمد سئل: كيف التكبير يوم الفطر؟ قال: الله أكبر، الله أكبر، قيل لأحمد: ابن المبارك يقول في الفطر، يعني مع التكبير: الحمد لله على ما هدانا، قال: هذا واسع".

وقال ابن تيمية: "صفة التكبير المنقول عند أكثر الصحابة، قد روي مرفوعًا إلى النبي ﷺ: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد، وإن قال: الله أكبر ثلاثًا جاز. ومن الفقهاء من يكبر ثلاثًا فقط".

- ولا يكبرون جماعة، ولا يكبر واحد منهم والبقية يستمعون، قال الحطاب: "ﺑﺨﻼﻑ ﻣﺎ ﻳﻔﻌﻠﻪ ﺑﻌﺾ اﻟﻨﺎﺱ اﻟﻴﻮﻡ، ﻓﻜﺄﻥ اﻟﺘﻜﺒﻴﺮ ﺇﻧﻤﺎ ﺷﺮﻉ ﻓﻲ ﺣﻖ اﻟﻤﺆﺫﻥ، ﻓﺘﺠﺪ اﻟﻤﺆﺫﻧﻴﻦ ﻳﺮﻓﻌﻮﻥ ﺃﺻﻮاﺗﻬﻢ باﻟﺘﻜﺒﻴﺮ ﻛﻤﺎ ﺗﻘﺪﻡ، ﻭﺃﻛﺜﺮ اﻟﻨﺎﺱ ﻳﺴﺘﻤﻌﻮﻥ ﻟﻬﻢ، ﻭﻻ ﻳﻜﺒﺮﻭﻥ ﻭﻳﻨﻈﺮﻭﻥ ﺇﻟﻴﻬﻢ، ﻛﺄﻥ اﻟﺘﻜﺒﻴﺮ ﺇﻧﻤﺎ ﺷﺮﻉ ﻟﻬﻢ، ﻭﻫﺬﻩ ﺑﺪﻋﺔ ﻣﺤﺪﺛﺔ، ﺛﻢ ﺇﻧﻬﻢ ﻳﻤﺸﻮﻥ ﻋﻠﻰ ﺻﻮﺕ ﻭاﺣﺪ ﻭﺫﻟﻚ ﺑﺪﻋﺔ؛ ﻷﻥ اﻟﻤﺸﺮﻭﻉ ﺃﻥ ﻳﻜﺒّﺮ ﻛﻞ ﺇﻧﺴﺎﻥ ﻟﻨﻔﺴﻪ ﻭﻻ ﻳﻤﺸﻲ ﻋﻠﻰ ﺻﻮﺕ ﻏﻴﺮﻩ"، ونص على بدعية هذا غيره كالعدوي في حاشيته، والشاطبي في الاعتصام.

والعلم عند ﷲ.

الثلاثاء، 4 مايو 2021

ليلة الجهني

      الحمد لله والصلاة والسلام على رسول ﷲ، أما بعد:

     فمن ليالي الوتر التي ترجى فيها ليلة القدر، وكان يخصها جمع من السلف بمزيد عناية ليلة ثلاث وعشرين.

- فهي إحدى الليالي التي قامها النبي ﷺ بصحابته وأطال القيام، كما في حديث أبي ذر رضي الله عنه عند الترمذي وأبي داود. 

- وكان ينزلها عبد الله بن أنيس رضي الله عنه من باديته، كما في الموطأ، والمسند، وأبي داود.

- وكانت عائشة رضي الله عنها توقظ شباب التابعين في هذه الليلة، رواه عبد الرزاق.

- وكان بلال رضي الله عنها يراها ليلة ثلاث وعشرين، رواه ابن أبي شيبة.

- وفي مصنف عبد الرزاق وابن أبي شيبة: أن اﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ رضي الله عنهما كان ﻳﻨﻀﺢ ﻋﻠﻰ ﺃﻫﻠﻪ اﻟﻤﺎء ﻟﻴﻠﺔ ﺛﻼﺙ ﻭﻋﺸﺮﻳﻦ.

- وكان قد رأى ابن عباس رضي الله عنهما فيها رؤيا، رواه أحمد.

- وفي مصنف عبد الرزاق أن ﺃﻳﻮﺏ السختياني رحمه الله كان ﻳﻐﺘﺴﻞ ﻓﻲ ﻟﻴﻠﺔ ﺛﻼﺙ ﻭﻋﺸﺮﻳﻦ، ﻭﻳﻤﺲ ﻃﻴﺒًﺎ.

ولا تنس أن أيوب السختياني رحمه ﷲ هو راوي حديث اﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ ﺭﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻬﻤﺎ: ﺃﻥ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ، ﻗﺎﻝ: «اﻟﺘﻤﺴﻮﻫﺎ ﻓﻲ اﻟﻌﺸﺮ اﻷﻭاﺧﺮ ﻣﻦ ﺭﻣﻀﺎﻥ ﻟﻴﻠﺔ اﻟﻘﺪﺭ، ﻓﻲ ﺗﺎﺳﻌﺔ ﺗﺒﻘﻰ، ﻓﻲ ﺳﺎﺑﻌﺔ ﺗﺒﻘﻰ، ﻓﻲ ﺧﺎﻣﺴﺔ ﺗﺒﻘﻰ»، عند البخاري عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما.

وهو راوي حديث اﺑﻦ ﻋﻤﺮ رضي الله عنهما أن رجلًا جاء ﺇﻟﻰ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ ﻓﻘﺎﻝ: ﻳﺎ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﺇﻧﻲ ﺭﺃﻳﺖ ﻓﻲ اﻟﻨﻮﻡ ﻟﻴﻠﺔ اﻟﻘﺪﺭ ﻛﺄﻧﻬﺎ ﻟﻴﻠﺔ ﺳﺎﺑﻌﺔ، ﻓﻘﺎﻝ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ: «ﺃﺭﻯ ﺭﺅﻳﺎﻛﻢ ﻗﺪ ﺗﻮاﻃﺄﺕ ﻓﻲ ﻟﻴﻠﺔ ﺳﺎﺑﻌﺔ، ﻓﻤﻦ ﻛﺎﻥ ﻣﺘﺤﺮﻳﻬﺎ ﻣﻨﻜﻢ، ﻓﻠﻴﺘﺤﺮﻫﺎ ﻓﻲ ﻟﻴﻠﺔ ﺳﺎﺑﻌﺔ»، رواه عن نافع عن ابن عمر، عند عبد الرزاق.

وهو راوي حديث ليلة الجهني رضي الله عنه، وأن النبي ﷺ سارّه بها، فلا ﻳﺪﺭﻱ ﺃﺣﺪ ﻣﺎ ﺃﻣﺮﻩ، ﻓﻘﺎﻝ اﻟﻨﺎﺱ: اﻧﻈﺮﻭا اﻟﻠﻴﻠﺔ اﻟﺘﻲ ﻳﻘﻮﻡ ﻓﻴﻬﺎ اﻟﺠﻬﻨﻲ ﻓﻜﺎﻥ ﺇﺫا ﻛﺎﻥ ﻟﻴﻠﺔ ﺛﻼﺙ ﻭﻋﺸﺮﻳﻦ ﻧﺰﻝ ﺑﺄﻫﻠﻪ، ﻭﻗﺎﻡ ﺗﻠﻚ اﻟﻠﻴﻠﺔ»، وهو عند عبد الرزاق وفيه جهالة.

- وكان يتحراها من الصحابة كذلك علي وابن مسعود ومعاوية، رضي الله عنهم.

- وكان الحسن البصري رحمه ﷲ يراها هذه الليلة بعلاماتها، عبد الرزاق.

- وكان مكحول رحمه ﷲ يراها ليلة ثلاث وعشرين، رواه عبد الرزاق.

- وكان زيد بن ثابت رضي الله عنه يخص ليلة ثلاث وعشرين وسبع وعشرين فلا يحيي ليلة كإحيائهما، ذكره المروزي في قيام الليل.

- وكان بعض علماء وعباد المدينة يخص هذه الليلة بمزيد: فكان عمر بن الحسين لا يصلي التراويح مع الناس ثم يصلي معهم هذه الليلة، ذكره المروزي.

وكان ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ ﺇﺑﺮاﻫﻴﻢ ﻳﺠﺘﻬﺪ ﺗﻠﻚ اﻟﻠﻴﻠﺔ، رواه البيهقي.

والعلم عند الله.

الأحد، 2 مايو 2021

ليلة القدر، بعض أحكامها.


             ليلة القدر -تعيينها، وبعض أحكامها-

     الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول ﷲ وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد:


• فالذي يدل عليه اختلاف تعيين الأحاديث النبوية لليلة القدر في عهده ﷺ؛ أن ليلة القدر ليست معينة في ليلة لا تتحول كل رمضان، بل هي ليلة متنقلة تكون سنة في ليلة، وسنة أخرى في ليلة، ففي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «رأيت أني ﺃﺳﺠﺪ ﻓﻲ ﻣﺎء ﻭﻃﻴﻦ»، ﻗﺎﻝ ﺃﺑﻮ ﺳﻌﻴﺪ اﻟﺨﺪﺭﻱ: ﻣﻄﺮﻧﺎ ﻟﻴﻠﺔ ﺇﺣﺪﻯ ﻭﻋﺸﺮﻳﻦ، ﻓﻮﻛﻒ اﻟﻤﺴﺠﺪ ﻓﻲ ﻣﺼﻠﻰ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ، ﻓﻨﻈﺮﺕ ﺇﻟﻴﻪ ﻭﻗﺪ اﻧﺼﺮﻑ ﻣﻦ ﺻﻼﺓ اﻟﺼﺒﺢ، ﻭﻭﺟﻬﻪ ﻣﺒﺘﻞ ﻃﻴﻨﺎ ﻭﻣﺎء".

وفي مسلم أنه ﷺ أري علامتها ليلة ثلاث وعشرين.

وفي مسلم أنه ﷺ ذكر أنها ليلة سبع وعشرين، فدل اختلاف هذه الوقائع على أنها تتحول كل ليلة.

 وهذا قول بعض التابعين كأبي قلابة، ومذهب أبي حنيفة، ومالك وهو قول المزني من أصحاب الشافعي، واختاره ابن خزيمة وقول كثير من فقهاء الأمصار، كابن هبيرة والنووي وابن قدامة والعراقي وابن حجر، وقال المرداوي: ﻭﻫﻮ اﻟﺼﻮاﺏ اﻟﺬﻱ ﻻ ﺷﻚ ﻓﻴﻪ.

- فإن قيل: فكيف يلتئم ذلك، وقد دلت الآيات على أن القرآن نزل في ليلة القدر، فهذه فضيلة لليلة ثابتة، فكيف تتحول؟

فيقال: إن نزول القرآن كان في ليلة القدر تلك السنة، وليس في ذلك إحالة أن تتغير في سنة أخرى، فإن فضيلة ليلة القدر ليس بسبب نزول القرآن فيها فقط، ولكن لما لها من فضل نزل القرآن فيها، وليس أنه نزل فيها فاكتسبت الفضيلة.

• ولا يصح أن من علامات ليلة القدر أنها ليلة هادئة، معتدلة، لا حر ولا برد.

• ولا يصح أن من علاماتها أنها لا تنبح فيها الكلاب.

• ولا يصحّ أن من علاماتها أنه لا يرمى فيها بشهاب.

• وأصحّ ما جاء في علاماتها حديث زرّ بن حبيش عن أبي بن كعب: أنها تطلع يومئذ لا شعاع لها، رواه مسلم.

ورواه بعضهم فلم يذكر هذه العلامة، كما في مسلم عن شعبة عن عبدة عن زر عن أبي.

ولكن قد ثبت في مسلم عن أبي هريرة ﺗﺬاﻛﺮﻧﺎ ﻟﻴﻠﺔ القدر ﻋﻨﺪ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﻓﻘﺎﻝ: «ﺃﻳﻜﻢ ﻳﺬﻛﺮ ﺣﻴﻦ ﻃﻠﻊ اﻟﻘﻤﺮ، ﻭﻫﻮ ﻣﺜﻞ ﺷﻖ ﺟﻔﻨﺔ؟».

وقد جاء ذكر هذه العلامة عند ابن أبي شيبة عن ابن مسعود موقوفًا عليه. 

ولا يزال أهل العلم من المفسرين وشرّاح الآثار والفقهاء يذكرون هذه العلامة في مصنفاتهم، ولا يستنكرونها، وينوّهون بها لا يدفعون في صدرها، ورواها إمام الصناعة الإمام مسلم، بل صدّر بها قبل الرواية التي لم تذكرها، وهو ينبي عن تأكيده عليها، فكل ذلك مما يجبّن عن القول بضعفها.

فهذا من جهة الرواية، وقد بقي سؤال من جهة الدراية:

فهل هذه العلامة علامة دائمة راتبة لليلة القدر، أم أنها خاصة بليلة سبع وعشرين تلك السنة التي أخبرهم بها النبي ﷺ؟

قولان لأهل العلم.

ولما لم ينقل الصحابي لفظ النبي ﷺ في روايته الحديث، فيتعذّر على المتفقه معرفة دلائل اللفظ وعمومه ومفهومه.

• ويظهر أنَّ سائر الأعمال فيها خير من عمل ألف شهر، وهو مقتضى إطلاق النصوص، وروى الطبري ﻋﻦ ﻣﺠﺎﻫﺪ في قوله ﷻ: (ﻟﻴﻠﺔ اﻟﻘﺪﺭ ﺧﻴﺮ ﻣﻦ ﺃﻟﻒ ﺷﻬﺮ) ﻗﺎﻝ: ﻋﻤﻠﻬﺎ ﻭﺻﻴﺎﻣﻬﺎ ﻭﻗﻴﺎﻣﻬﺎ ﺧﻴﺮ ﻣﻦ ﺃﻟﻒ ﺷﻬﺮ.

- ونصّ على أن ذلك الفضل لسائر الأعمال كثير من العلماء كابن بطال والعز بن عبد السلام والقرافي.

- وأرجى الأعمال فيها التهجد وقراءة القرآن والدعاء.

وذهب بعض كبار الأمة كالثوري إلى أن الدعاء خير الأعمال فيها، وقد جاء في دعاء ليلة القدر ما روى عبد الله بن بريدة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله: أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال ﷺ: قولي: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني».

وهذا حديث رواه الخمسة، غير أبي داود، وصححه الترمذي، وأعله آخرون، لأن عبد الله بن بريدة لم يسمع من عائشة، ولكن لفظ الدعاء تلوح عليه أنوار الحكمة، وحري أن يكون خارجًا من مشكاة الوحي.

• وفي هذا الدعاء من الأدب الإيماني:

- أن المؤمن ينبغي أن يدعو ربه دعاء ثناء، قبل دعاء المسألة، فقد أثنى ﷺ على ﷲ في أول الدعاء: «إنك عفو».

- الثاني: أن يُسأل ﷲ بأفعاله كما يُسأل بأسمائه؛ فقد دعا ﷺ بقوله: «تحب العفو»، فسأل ربه بمحابّه ﷻ.

- وفيه: أن المسلم إذا اجتهد في الطاعة وزاد في العبادة؛ فعليه أن يعتصم بسؤال المغفرة والعفو، وألا يشمخ أو يفخر؛ فإن عائشة سألت النبي ﷺ عن حال ستقوم فيه ليلة القدر، وستعمرها بالطاعة، ومع ذلك أمرها ﷺ أن تسأل العفو، فإن العبد كلما زاد تنسكه زاد إخباته وتواضعه، وكان ألظّ ما يكون بسؤال ربه المغفرة.

 • وهي ليلة مباركة، والمؤمن مأمور بتحري بركتها، وقد روى أحمد ﻋﻦ ﺃﺑﻲ ﻫﺮﻳﺮﺓ قاﻝ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ: «ﺧﺮﺟﺖ ﺇﻟﻴﻜﻢ ﻭﻗﺪ ﺑﻴﻨﺖ ﻟﻲ ﻟﻴﻠﺔ اﻟﻘﺪﺭ ﻭﻣﺴﻴﺢ اﻟﻀﻼﻟﺔ، ﻓﻜﺎﻥ ﺗﻼﺡ ﺑﻴﻦ ﺭﺟﻠﻴﻦ ﺑﺴﺪّﺓ اﻟﻤﺴﺠﺪ، ﻓﺄﺗﻴﺘﻬﻤﺎ ﻷﺣﺠﺰ ﺑﻴﻨﻬﻤﺎ ﻓﺄﻧﺴﻴﺘﻬﻤﺎ، ﻭﺳﺄﺷﺪﻭ ﻟﻜﻢ ﻣﻨﻬﻤﺎ ﺷﺪﻭًا: ﺃﻣﺎ ﻟﻴﻠﺔ اﻟﻘﺪﺭ؛ ﻓﺎﻟﺘﻤﺴﻮﻫﺎ ﻓﻲ اﻟﻌﺸﺮ اﻷﻭاﺧﺮ ﻭﺗﺮًا، ﻭﺃﻣﺎ ﻣﺴﻴﺢ اﻟﻀﻼﻟﺔ؛ ﻓﺈﻧﻪ ﺃﻋﻮﺭ اﻟﻌﻴﻦ، ﺃﺟﻠﻰ اﻟﺠﺒﻬﺔ، ﻋﺮﻳﺾاﻟﻨﺤﺮ، ﻓﻴﻪ ﺩﻓﺄ».

- ومن لطيف الاستدلالات من هذا الحديث: أن هناك علاقة بين الاختلاف ونقص البركة، ولذا دلت الأدلة أن الدجال يخرج في زمن اختلاف وفرقة وفساد ذات البين.

وفي البخاري عن ﺃﻧﺲ ﺑﻦ ﻣﺎﻟﻚ، ﻗﺎﻝ: ﺃﺧﺒﺮﻧﻲ ﻋﺒﺎﺩﺓ ﺑﻦ اﻟﺼﺎﻣﺖ، ﺃﻥ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﺧﺮﺝ ﻳﺨﺒﺮ ﺑﻠﻴﻠﺔ اﻟﻘﺪﺭ، فتلاحى ﺭﺟﻼﻥ ﻣﻦ اﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ ﻓﻘﺎﻝ ﷺ: «ﺇﻧﻲ ﺧﺮﺟﺖ ﻷﺧﺒﺮﻛﻢ ﺑﻠﻴﻠﺔ اﻟﻘﺪﺭ، ﻭﺇنه تلاحى ﻓﻼﻥ ﻭﻓﻼﻥ، ﻓﺮﻓﻌﺖ، ﻭﻋﺴﻰ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺧﻴﺮا ﻟﻜﻢ، اﻟﺘﻤﺴﻮﻫﺎ ﻓﻲ اﻟﺴﺒﻊ ﻭاﻟﺘﺴﻊ ﻭاﻟﺨﻤﺲ».

     وبركة ليلة القدر تقابل شؤم الدجال وفتنته، فالفرقة والاختلاف في مثل هذه الليالي ينقص من بركتها، ولذا ففي قوله ﷻ: (سلام هي حتى مطلع الفحر)، ﻳﺠﻮﺯ ﺃﻥ ﻳﺮاﺩ ﺑﺎﻟﻤﺼﺪﺭ (سلام) اﻷﻣﺮ، ﻭاﻟﺘﻘﺪﻳﺮ: ﺳﻠﻤﻮا ﺳﻼﻣًﺎ، ﻭاﻟﻤﻌﻨﻰ: اﺟﻌﻠﻮﻫﺎ ﺳﻼﻣًﺎ ﺑﻴﻨﻜﻢ، ﺃﻱ ﻻ ﻧﺰاﻉ فيها ﻭﻻ ﺧﺼﺎﻡ.


والعلم عند الله.

السبت، 1 مايو 2021

شفع الوتر خلف الإمام

      الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول ﷲ، أما بعد:

     فمن صلى مع إمامه الوتر، وأراد أن يتنفل بعدُ، فالأفضل له أن يقوم فيشفع بركعة، ثم يصلي ما يسره ﷲ له ثم يوتر آخر صلاته، وهذا رواية عن الإمام أحمد.

• وهذه الصورة، فيها تحصيل لأجر من صلى مع الإمام حتى ينصرف، كما جاء في المسند والترمذي ﻋﻦ ﺃﺑﻲ ﺫﺭ ﻗﺎﻝ: ﺻﻤﻨﺎ ﻣﻊ ﺭﺳﻮﻝ الله ﷺ ﻓﻠﻢ ﻳﺼﻞ ﺑﻨﺎ، ﺣﺘﻰ ﺑﻘﻲ ﺳﺒﻊ ﻣﻦ اﻟﺸﻬﺮ، ﻓﻘﺎﻡ ﺑﻨﺎ ﺣﺘﻰ ﺫﻫﺐ ﺛﻠﺚ اﻟﻠﻴﻞ، ﺛﻢ ﻟﻢ ﻳﻘﻢ ﺑﻨﺎ ﻓﻲ اﻟﺴﺎﺩﺳﺔ، ﻭﻗﺎﻡ ﺑﻨﺎ ﻓﻲ اﻟﺨﺎﻣﺴﺔ، ﺣﺘﻰ ﺫﻫﺐ ﺷﻄﺮ اﻟﻠﻴﻞ، ﻓﻘﻠﻨﺎ ﻟﻪ: ﻳﺎ ﺭﺳﻮﻝ الله ﻟﻮ ﻧﻔﻠﺘﻨﺎ ﺑﻘﻴﺔ ﻟﻴﻠﺘﻨﺎ ﻫﺬﻩ؟ ﻓﻘﺎﻝ: «ﺇﻧﻪ ﻣﻦ ﻗﺎﻡ ﻣﻊ اﻹﻣﺎﻡ ﺣﺘﻰ ﻳﻨﺼﺮﻑ ﻛﺘﺐ ﻟﻪ ﻗﻴﺎﻡ ﻟﻴﻠﺔ»، ﺛﻢ ﻟﻢ ﻳﺼﻞ ﺑﻨﺎ ﺣﺘﻰ ﺑﻘﻲ ﺛﻼﺙ ﻣﻦ اﻟﺸﻬﺮ، ﻭﺻﻠﻰ ﺑﻨﺎ ﻓﻲ اﻟﺜﺎﻟﺜﺔ، ﻭﺩﻋﺎ ﺃﻩﻟﻪ ﻭﻧﺴﺎءﻩ، ﻓﻘﺎﻡ ﺑﻨﺎ ﺣﺘﻰ ﺗﺨﻮﻓﻨﺎ اﻟﻔﻼﺡ، ﻗﻠﺖ ﻟﻪ: ﻭﻣﺎ اﻟﻔﻼﺡ، ﻗﺎﻝ: اﻟﺴﺤﻮﺭ.

• وفيها أخذ بسنة ختم الصلاة الليلية بالوتر لما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر قال ﷺ: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا».

• وفيها اتقاء لنهي النبي ﷺ من تكرار الوتر، كما في السنن والمسند عن طلق بن علي: «لا وتران في ليلة».

- ولا يقال: إنه إن قام فشفع بركعة لم يدخل في فضيلة من صلى مع إمامه حتى ينصرف، فإن من صلى مع إمامه وزاد الشفع صح أنه لم ينصرف حتى انصرف إمامه وزيادة، والقول بأن من زاد بعد إمامه ليس ممن يدخل في الحديث ظاهرية لا تلائم سياق الحديث وقصته كما سلف، وإن كان قد قال به بعض العلماء.

     وإنما يخرج عن هذه الفضيلة من لم يصل مع إمامه، أو انصرف قبله، وفي ذلك قال البهوتي في كشاف القناع: (ﻓﺈﻥ ﺃﺣﺐ ﻣﻦ ﻟﻪ ﺗﻬﺠﺪ ﻣﺘﺎﺑﻌﺔ الإﻣﺎﻡ ﻓﻲ ﻭﺗﺮﻩ؛ ﻗﺎﻡ ﺇﺫا ﺳﻠﻢ الإﻣﺎﻡ ﻓﺸﻔﻌﻬﺎ -ﺃﻱ ﺭﻛﻌﺔ اﻟﻮﺗﺮ- ﺑﺄﺧﺮﻯ، ﺛﻢ ﺇﺫا ﺗﻬﺠﺪ ﺃﻭﺗﺮ، ﻓﻴﻨﺎﻝ ﻓﻀﻴﻠﺔ ﻣﺘﺎﺑﻌﺔ الإﻣﺎﻡ ﺣﺘﻰ ﻳﻨﺼﺮﻑ، ﻭﻓﻀﻴﻠﺔ ﺟﻌﻞ ﻭﺗﺮﻩ ﺁﺧﺮ ﺻﻼﺗﻪ).

• وفي هذا الصنيع تأخير للوتر إلى الوقت الفاضل، فإن ﺃﻛﺜﺮ اﻟﺴﻠﻒ على أن الأفضل تأخير الوتر إلى ﺁﺧﺮ اﻟﻠﻴﻞ، وهو قول ﻋﻤﺮ ﻭﻋﻠﻲ ﻭاﺑﻦ ﻣﺴﻌﻮﺩ ﻭاﺑﻦ ﻋﻤﺮ ﻭاﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ ﻭﻏﻴﺮﻫﻢ.

     ﻭﻋﻦ اﺑﻦ ﺳﻴﺮﻳﻦ، ﻗﺎﻝ: ﻣﺎ ﻳﺨﺘﻠﻔﻮﻥ ﺃﻥ اﻟﻮﺗﺮ ﻣﻦ ﺁﺧﺮ اﻟﻠﻴﻞ ﺃﻓﻀﻞ.

     ﻭقد اﺳﺘﺤﺒﻪ اﻟﻨﺨﻌﻲ ﻭﻣﺎﻟﻚ ﻭاﻟﺜﻮﺭﻱ ﻭﺃﺑﻮ ﺣﻨﻴﻔﺔ ﻭﺃﺣﻤﺪ –ﻓﻲ اﻟﻤﺸﻬﻮﺭ ﻋﻨﻪ - ﻭﺇﺳﺤﺎﻕ.

     ويتأكد ذلك في مثل هذه النازلة التي خففت لها صلاة التراويح في المساجد، ويطمع المؤمن بالازدياد في الصلاة والقراءة والدعاء، ويرغب ختم صلاته بالوتر.

     لاسيما على القول بعدم وجوب متابعة الإمام في نيته وفعله، كما هو مذهب الشافعي وجمع من فقهاء المحدثين، وهو الذي تدل عليه الأدلة.

     بل ربما كانت مستثناة من أصل المنع حتى على القول بالمنع، قال البرهان ابن مفلح في المبدع: (ﺇﺫا ﺻﻠﻰ ﻓﺮﺿًﺎ ﺭﺑﺎﻋﻴﺔ ﺧﻠﻒ ﻣﻦ ﻳﺼﻠﻲ اﻟﻈﻬﺮ ﺃﺭﺑﻌﺎ، ﻭﻗﻴﻞ: ﺃﻭ اﻟﻤﻐﺮﺏ، ﻓﺈﺫا ﺗﻢ ﻓﺮﺿﻪ ﻗﺒﻞ ﺇﻣﺎﻣﻪ، ﻫﻞ ﻳﻨﺘﻈﺮﻩ ﺃﻭ ﻳﺴﻠﻢ ﻗﺒﻠﻪ، ﺃﻭ ﻳﺨﻴﺮ؟ ﻓﻴﻪ ﺃﻭﺟﻪ، ﻓﺈﻥ ﻛﺎﻧﺖ ﺇﺣﺪاﻫﻤﺎ ﺗﺨﺎﻟﻒ اﻷﺧﺮﻯ ﻛﺼﻼﺓ ﻛﺴﻮﻑ، ﻭاﺳﺘﺴﻘﺎء، ﻭﺟﻨﺎﺯﺓ، ﻭﻋﻴﺪ، ﻣﻨﻊ ﻓﺮﺿًﺎ، ﻭﻗﻴﻞ: نفلًا؛ ﻷﻧﻪ ﻳﻔﻀﻲ ﺇﻟﻰ اﻟﻤﺨﺎﻟﻔﺔ ﻓﻲ اﻷﻓﻌﺎﻝ)، فعلّق البهوتي: (ﻓﻴﺆﺧﺬ ﻣﻨﻪ ﺻﺤﺔ ﻧﻔﻞ ﺧﻠﻒ ﻧﻔﻞ ﺁﺧﺮ ﻻ ﻳﺨﺎﻟﻔﻪ ﻓﻲ ﺃﻓﻌﺎﻟﻪ ﻛﺸﻔﻊ ﻭﻭﺗﺮ ﺧﻠﻒ ﺗﺮاﻭﻳﺢ ﺣﺘﻰ ﻋﻠﻰ اﻟﻘﻮﻝ اﻟﺜﺎﻧﻲ).

     ولا يقال: بأن ترك الوتر مع الإمام رأسا هو الأفضل ثم يستدل بأن أبي بن كعب ترك جماعة التراويح، فإن أبي بن كعب كان إمامًا، وإنما موضع الإشكال في المأموم.

     ولا يقال: إن هذا ليس مأثورًا عن الصحابة، فإن جمهور الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يصلون منفردين، ومن صلى جماعة منهم فقد كان يطيل الصلاة.

والعلم عند رب العالمين.

الجمعة، 16 أبريل 2021

علمتنا سورة الكهف

 الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول ﷲ، أما بعد:

- تعلمنا سورة الكهف؛ أن البلاء إذا اشتد، والكرب إذا اسود، وزادت المحن، فالمسلم يحتاج إلى أن يأوي إلى عاصم يعصمه من ذلك، كما أوى الفتية إلى الكهف.

- وتعلمنا سورة الكهف؛ أن الفتن إذا توحشت، وبلغت أعالي الجبال؛ فالمسلم محتاج أن يقرأ أولها، كما ثبت في مسلم، 

- وتعلمنا سورة الكهف؛ أن الطريق إذا أظلم بالشبهات والشهوات فالمسلم يحتاج إلى نور، كما في حديث أبي سعيد.

نزلت سورة الكهف بمكّة، وقد اشتدّ على النبي ﷺ الأذى، وزاد على صحابته البلاء.

- تعلمنا سورة الكهف كما علمتنا سورة يوسف؛ ما للقصص من أثر في التربية الإيمانية، ولذا كانت أكثر مواضيع سورة الكهف قصصا، قصة أهل الكهف، ثم صاحب الجنتين، ثم قصة موسى والخضر، ثم قصة ذي القرنين.

- تعلمنا سورة الكهف؛ أن القرآن نعمة من أعظم النعم تستوجب شكرًا، قال سبحانه في أوّل السورة: {ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِیۤ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَـٰبَ}، فالقرآن هو النور الذي يحمي من الفتن.

- تعلمنا سورة الكهف أن القرآن ميزان يقيم به كل شيء، توزن به الأفكار والمعتقدات والأفعال والأخلاق، قال سبحانه: {وَلَمۡ یَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَا قَیِّمࣰا}.

- تعلمنا سورة الكهف؛ ألا نحزن ولا نأسى على صاحب الضلالة، قال سبحانه: (فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعࣱ نَّفۡسَكَ عَلَىٰۤ ءَاثَـٰرِهِمۡ إِن لَّمۡ یُؤۡمِنُوا۟ بِهَـٰذَا ٱلۡحَدِیثِ أَسَفًا)، فالله قد جعل الحياة فتنة.

- ولذا تعلمنا سورة الكهف، (ﺇﻥ اﻟﺪﻧﻴﺎ ﺣﻠﻮﺓ ﺧﻀﺮﺓ، ﻭﺇﻥ اﻟﻠﻪ ﻣﺴﺘﺨﻠﻔﻜﻢ ﻓﻴﻬﺎ، ﻓﻴﻨﻈﺮ ﻛﻴﻒ ﺗﻌﻤﻠﻮﻥ، ﻓﺎﺗﻘﻮا اﻟﺪﻧﻴﺎ ﻭاﺗﻘﻮا اﻟﻨﺴﺎء)، قال ﷻ (إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِینَةࣰ لَّهَا لِنَبۡلُوَهُمۡ أَیُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلࣰا).

ما الحكمة من هذه الزينة، والفتنة، والصراع بين الحق والباطل.

- وتعلّمنا سورة الكهف أنَّ المؤمن يبتلى ليمتحن صبره، وشكره:

• فقصة أهل الكهف ابتلوا ابتلاء الصبر.

• وقصة صاحب الجنتين ابتلي ابتلاء الشكر.

• وقصة موسى مع الخضر كانت قصة من قصص ابتلاء الصبر.

• وقصة ذي القرنين، كانت قصة من قصص ابتلاء الشكر.

- تعلمنا سورة الكهف أنه ليس شيء عجيب في خلق ﷲ بالنسبة إلى قدرة ﷲ العظيم: (أَمۡ حَسِبۡتَ أَنَّ أَصۡحَـٰبَ ٱلۡكَهۡفِ وَٱلرَّقِیمِ كَانُوا۟ مِنۡ ءَایَـٰتِنَا عَجَبًا)، والإنسان يعجب من كل ما لم يعتد عليه، ولم يجر على ما عهده، وإلّا فإنَّ خلق السموات والأرض، وزينة الدنيا، ثم جعلها جرزا، أمر عجيب، فليست ﻗﺼﺔ ﺃﻫﻞ اﻟﻜﻬﻒ ﻣﻨﻔﺮﺩﺓ ﺑﺎﻟﻌﺠﺐ ﻣﻦ ﺑﻴﻦ اﻵﻳﺎﺕ اﻷﺧﺮﻯ.

- علمتنا سورة الكهف أنَّ الصراع بين الحق والباطل صراع تاريخي، فلقد كان الفتية في مجتمع جاهلي شركي، كمجتمع مكة.

وأول ما يدفع به المؤمن الفتن والبلاء؛ أن يلجأ إلى ﷲ بالدعاء: 

(فَقَالُوا۟ رَبَّنَاۤ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةࣰ وَهَیِّئۡ لَنَا مِنۡ أَمۡرِنَا رَشَدࣰا).

- وتعلمنا سورة الكهف: أن من أقبل على ﷲ أقبل ﷲ عليه، (نَّحۡنُ نَقُصُّ عَلَیۡكَ نَبَأَهُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّهُمۡ فِتۡیَةٌ ءَامَنُوا۟ بِرَبِّهِمۡ وَزِدۡنَـٰهُمۡ هُدࣰى)، فمن أدار ظهره للدنيا وفتنتها وأقبل على ﷲ آتاه الله كل خير.

- وتعلمنا سورة الكهف: أن المؤمن في معركته مع الباطل، ومواجهته للشرك، محتاج مع الهداية إلى سكينة القلب، يعوزها سكينة القلب، وطمأنينة الفؤاد، وشجاعته، ولذا قال ﷲ عن نبيه ﷺ: (إِذۡ هُمَا فِی ٱلۡغَارِ إِذۡ یَقُولُ لِصَـٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِینَتَهُۥ عَلَیۡهِ وَأَیَّدَهُۥ بِجُنُودࣲ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِیَ ٱلۡعُلۡیَاۗ وَٱللَّهُ عَزِیزٌ حَكِیمٌ).

- وتعلّمنا سورة الكهف حقيقة الدنيا، وحقيقة فتنتها، فمن قوله تعالى: (إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِینَةࣰ لَّهَا لِنَبۡلُوَهُمۡ أَیُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلࣰا ۝)، ينتقل السياق إلى قوله: (وَإِنَّا لَجَـٰعِلُونَ مَا عَلَیۡهَا صَعِیدࣰا جُرُزًا)، ومن أوتي هذه البصيرة في الدنيا لم يفتن بها، وكان في عصمة من فتنة الدجال، وهذا هو الذي جرى مع فتية الكهف، الذين لم تغرهم الدنيا بزينتها، فجافوها في ذات ﷲ.

وإذا تأملت السورة ستجد أن كلمة الزينة جاءت في ثلاثة مواطن فيها، وكلمة الرشد جاءت في أربعة مواطن.

- تعلمنا سورة الكهف، أن المؤمن يجب ألا يخضع لظروفه، ولكن لينطلق ليبحث عن الحلول.

- وتعلمنا سورة الكهف أن الرفقة الصالحة، وكتاب الهدى، مما يعين على اعتزال الباطل وأهله، (أَمۡ حَسِبۡتَ أَنَّ أَصۡحَـٰبَ ٱلۡكَهۡفِ وَٱلرَّقِیمِ كَانُوا۟ مِنۡ ءَایَـٰتِنَا عَجَبًا).

- وتعلمنا سورة الكهف أن من أوى إلى ﷲ فلا خوف عليه ولا حزن، تأمل أن أول كلمة في سياق القصة: (إِذۡ أَوَى ٱلۡفِتۡیَةُ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ فَقَالُوا۟ رَبَّنَاۤ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةࣰ وَهَیِّئۡ لَنَا مِنۡ أَمۡرِنَا رَشَدࣰا).

هناك ظلم واضطهاد ووحشة وترك للوطن والأهل والراحة وكهف وخوف، ولكن يصف ﷲ الانطلاقة الإيمانية لتلك الرفقة بقوله ﷻ: (إِذۡ أَوَى ٱلۡفِتۡیَةُ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ)، الإيواء إلى ﷲ هو أهم أمر في السياق، هو النقطة البارزة في القصة، هو لب الحكاية.

- إن مختصر القصة: فتية هربوا إلى ﷲ ودعوا ربهم!

هكذا هي الحكاية.

وهكذا بدأت القصة، ليكون الأمر الذي ينطبع في الذهن هو صورة الإيواء إلى ﷲ والدعاء والالتجاء إليه.

- تعلمنا سورة الكهف أن عقولنا لا تدرك قدرة الله، فالفرج والفتح للمؤمنين والرحمة بأولياء ﷲ قد تكون بأمر لا يتصورونه، فكثير من الناس يظن أن النصر قد يكون بزلزال يضرب مدينة الملك الكافر، أو عاصفة تدمر حرسه، أو مرض أو موت، كلا! لقد كانت الاستجابة: (فَضَرَبۡنَا عَلَىٰۤ ءَاذَانِهِمۡ فِی ٱلۡكَهۡفِ سِنِینَ عَدَدࣰا)!

أتذكر قصة أم موسى! وولهها، وحزنها حين ألقت بابنها في اليم، كيف كان تحقيق وعد ﷲ لها: (إنا رادوه إليك)، هل نزلت ملائكة من السماء فانتزعت الغلام من بين يدي الجنود؟ هل حملته الريح؟ كلا، لقد بدأ الفرج من قوله: (وحرّمنا عليه المراضع).

لقد حفظهم ﷲ بالنوم! نعم بالنوم عصمهم ﷲ من القوم الظالمين!

أنت لا تدري كيف سيكون النصر الباسم، وكيف يدبر ﷲ أمره، إنه يعلم وأنتم لا تعلمون.

- ثم تأمل قوله بعد ذلك: (ثُمَّ بَعَثۡنَـٰهُمۡ لِنَعۡلَمَ أَیُّ ٱلۡحِزۡبَیۡنِ أَحۡصَىٰ لِمَا لَبِثُوۤا۟ أَمَدࣰا)

ليتبين لك نهاية مختصر القصة، قوم آووا إلى ﷲ ودعوه فأنامهم ﷻ ثم أيقضهم ليكونوا آية له في الناس.

- وتعلّمنا سورة الكهف أن الناس لايزالون مختلفين في الحوادث والمواقف، فلا تثق كثيرا في رأيهم، ولا في ضبطهم، (لِنَعۡلَمَ أَیُّ ٱلۡحِزۡبَیۡنِ أَحۡصَىٰ لِمَا لَبِثُوۤا۟ أَمَدࣰا)

أنت وأنا قد تحدث لنا أحداث ومواقف ولا ندرك قدر ما فيها من حكمة ﷲ وقدرته.

فهناك أحداث نراها، ولكننا لا ندرك ما وراءها من القصص والمواقف والأحداث.

- وتعلمنا سورة الكهف أن الإيمان هو وراء كل تلك الأعاجيب، لماذا ضحوا؟ لماذا بذلوا؟ كيف قاموا أمام الملك؟ كيف استعلنوا بمبدئهم؟ لماذا هاجروا؟ لماذا أكرمهم ﷲ بتلك الآية؟ إنه الإيمان! تأمل قوله: (نَّحۡنُ نَقُصُّ عَلَیۡكَ نَبَأَهُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّهُمۡ فِتۡیَةٌ ءَامَنُوا۟ بِرَبِّهِمۡ وَزِدۡنَـٰهُمۡ هُدࣰى)

- وتعلمنا سورة الكهف أن البداية لابد أن تكون من الإنسان، وأن الله شكور لمن أقبل عليه، تأمل:

(ءَامَنُوا۟ بِرَبِّهِمۡ وَزِدۡنَـٰهُمۡ هُدࣰى* وَرَبَطۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ) متى (إِذۡ قَامُوا۟ فَقَالُوا۟ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَا۟ مِن دُونِهِۦۤ إِلَـٰهࣰاۖ لَّقَدۡ قُلۡنَاۤ إِذࣰا شَطَطًا)

فالإيمان الأولي كان منهم، والقيام كان منهم، والإقبال كان منهم.

• وعلمتنا سورة الكهف أن المؤمن إذا أيقن بربوبية ﷲ وعظمه هان عليه الباطل، فقولهم: (إِذۡ قَامُوا۟ فَقَالُوا۟ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَا۟ مِن دُونِهِۦۤ إِلَـٰهࣰاۖ)، رب السموات والأرض لن يضيعنا، ولن يتركنا.

• وعلمتنا سورة الكهف أن الوعي بالباطل، واستنكاره، ورؤيته على ما هو عليه من القبح من أعظم نعم الله على العبد، قال تعالى عن أهل الكهف: (إِذۡ قَامُوا۟ فَقَالُوا۟ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَا۟ مِن دُونِهِۦۤ إِلَـٰهࣰاۖ لَّقَدۡ قُلۡنَاۤ إِذࣰا شَطَطًا)، فرأوا الباطل شططا.

هناك من لا يرى مشكلة في الشرك، ولا يرى مصيبة سب ﷲ، فالذي يشغله هو شأن دنياه.

- وتأمل كلمات فتية الكهف -وكلامهم قليل-: (رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ)، وقبل ذلك قالوا: (رَبَّنَاۤ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةࣰ وَهَیِّئۡ لَنَا مِنۡ أَمۡرِنَا رَشَدࣰا)، وقالوا بعد ذلك: (قَالَ قَاۤىِٕلࣱ مِّنۡهُمۡ كَمۡ لَبِثۡتُمۡۖ قَالُوا۟ لَبِثۡنَا یَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ یَوۡمࣲۚ قَالُوا۟ رَبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثۡتُمۡ): فكلامهم كله مبدوء بوصف الربوبية، ففي أول أمرهم:

- دعاء.

- ثم حين دعوتهم لقومهم واعتراضهم عليهم قالوه.

- ثم حين التسليم لله.

 • علمتنا سورة الكهف أن المؤمن يجب أن يطلب الحجة والدليل على كل قضية، قال ﷻ:(هَـٰۤؤُلَاۤءِ قَوۡمُنَا ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦۤ ءَالِهَةࣰۖ لَّوۡلَا یَأۡتُونَ عَلَیۡهِم بِسُلۡطَـٰنِۭ بَیِّنࣲۖ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبࣰا).

• وتعلمنا سورة الكهف: أن الإيمان لا يمنع نزول الابتلاء، ولا وقوع المحنة، ولكن المؤمن إذا أقبل على ﷲ أنزل عليه الرحمة.

قد تجد من يقول: نحن مؤمنون، ومع ذلك ينزل ﷲ رحمته وفضله وسكينته، (وَإِذِ ٱعۡتَزَلۡتُمُوهُمۡ وَمَا یَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ فَأۡوُۥۤا۟ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ یَنشُرۡ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَیُهَیِّئۡ لَكُم مِّنۡ أَمۡرِكُم مِّرۡفَقࣰا).

• وتعلمنا سورة الكهف أن أهل الإيمان أهل يقين برحمة الله وفضله، تأمل كلامهم: (یَنشُرۡ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَیُهَیِّئۡ لَكُم مِّنۡ أَمۡرِكُم مِّرۡفَقࣰا).

بل تأمل قولهم: (یَنشُرۡ) لترى عظيم ثقتهم في ﷲ.

• وتعلّمنا السورة ألا ينشغل الإنسان بالنقاش والجدل فيما ليس وراءه هدى: (وَكَذَ ٰ⁠لِكَ بَعَثۡنَـٰهُمۡ لِیَتَسَاۤءَلُوا۟ بَیۡنَهُمۡۚ قَالَ قَاۤىِٕلࣱ مِّنۡهُمۡ كَمۡ لَبِثۡتُمۡۖ قَالُوا۟ لَبِثۡنَا یَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ یَوۡمࣲۚ قَالُوا۟ رَبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثۡتُمۡ).

• وتعلمنا هذه السورة الكريمة، أن المؤمن يجب ألا يشغله البلاء عن طلب الرزق الحلال، (فَٱبۡعَثُوۤا۟ أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمۡ هَـٰذِهِۦۤ إِلَى ٱلۡمَدِینَةِ فَلۡیَنظُرۡ أَیُّهَاۤ أَزۡكَىٰ طَعَامࣰا فَلۡیَأۡتِكُم بِرِزۡقࣲ مِّنۡهُ).

• وتعلمنا السورة أن المؤمن يجب أن يكون حكيما في المواقف، ذا فقه في التصرف،  (وَلۡیَتَلَطَّفۡ وَلَا یُشۡعِرَنَّ بِكُمۡ أَحَدًا).

• تعلمنا سورة الكهف أن الأمر لله، وهو عالم الغيب، يعلم كل ما يحدث في هذا الكون، هناك حين اضطهد هؤلاء المؤمنون، وأوذوا، وابتلوا، فالله عليم بهم.

 (قُلِ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثُوا۟ۖ لَهُۥ غَیۡبُ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِۖ أَبۡصِرۡ بِهِۦ وَأَسۡمِعۡۚ مَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِیࣲّ وَلَا یُشۡرِكُ فِی حُكۡمِهِۦۤ أَحَدࣰا)


مع سورة الماعون

    الحمد لله، أما بعد:

    ألست تعجب من ذلك الاستهلال لسورة الماعون؟ (أرأيت الذي يكذب بالدين)؟ أرأيت يا محمد، ذاك المكذب بالدين والحساب والعقاب؟

     ربما لو قرأ السورة من لم يكن حافظا لها، واستمع صدر السورة لأول مرة، لتخايل على البداهة أن قوله ﷻ: (أرأيت الذي يكذب بالدين) سيعقب بحديث قاصف عن طغاة قريش، وأكابر مجرمي مكة، وربما ظن على الارتجال أن ذلك المكذب بالدين الذي ستتحدث عنه هذه السورة هو فرعون أو هامان أو طاغية من جنسهم، لكن الأمر لم يكن كذلك! وكل ذلك لم يكن!

     لقد جاءت الآية الثانية: (فذلك الذي يدعّ اليتيم)! يدعّ اليتيم! والدع هو الدفع بزجر من الخلف! فهو يدفعه عن حقه، ويقهره! لقد كانت أول صفة وصف بها هذا المكذب للدين هو قسوته على الضعفاء والأيتام!

     ثم قال سبحانه: (ولا يحضّ على طعام المسكين)! فذمته الآية لقصوره عن الفاعلية الإيجابية في مجتمعه! فهو لا يدعو ولا يدعم ولا يحث ولا يحض على إطعام المساكين! فذمه ﷲ لعدم قيامه برتبة التأثير البناء، وذلك ذم لتارك إطعام المسكين بطريق الأولى! فما أجل هذا المعنى

     أرأيت يا محمد الذي يكذّب بالدين! إن من صفاته تلك القسوة على الضعفاء، والجفوة عن مسح آلامهم، وتخفيف أحزانهم! فهو لا يحنو على اليتيم ولا يمسح دمعته، ولا يربت على كتف المستضام، ولا يدري عن آلام الناس وأحزانهم ومصابهم!

     ونحن نعلم أن التفريط في حق اليتيم وعدم الحث والحض على إطعام المساكين ليس مكفرا مخرجا من الملة، ولكنه كمال هذه الشريعة التي أتت بحفظ حق ﷲ وحق البشر! فالكمال الإيماني يكون بالقيام بالحقين!

     ثم رجع السياق القرآني: (فويل للمصلين، الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم يراؤون)، لقد رجع السياق يتحدث عن التفريط في حق ﷲ! فإذا الذكر الحكيم في السورة يتناوب بين هذين الحقين!

     إياك أن تظن أن الدين صلاة في المسجد فقط، أو تلبية في المشاعر فحسب! كلا، فالأمر ليس كذلك!

     (عن صلاتهم ساهون): فهو لاهٍ عن صلاته، منشغل عنها، فيؤخرها عن وقتها، ويتشاغل عنها، ويصليها بتثاقل،فالصلاة ليست قضية مركزية في حياته!

     ثم عادت السورة في ختامها تتحدث عن حق الخلق مرة أخرى: (ويمنعون الماعون) فليس من أهل الإعانة للخلق، بل يمنع ما فيه معونة للناس! ليس إيجابيا متعاونا، بل تراه منجمعا على نفع نفسه، لا يعطي الناس ما يطلبونه مما لا يضره، ولا يشاركهم ما يحتاجونه، ولا يحسن بجاهه، ولا يعير عارية، ولا يعطي ولا يبذل، فيمنع ما يتعاونه الناس بينهم!

     ﺇﻥ ﻫﺬﻩ اﻟﺴﻮﺭﺓ (قليلة الآيات) تبين أن المؤمن الصادق لابد أن يندفع إلى البر بالخَلق، وتؤكد أن القيام بحق الخالق يدعو للقيام بحق الخلق!

     إنها تبين حقيقة هذا الدين، الذي تتكامل فيه العبادة المحضة بالعبادات الاجتماعية.

- تأمل هذا العطف بين أفعال المعرضين، (عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون)، فمن أضاع الصلاة أضاع حقوق الخلق، من أضاع حي على الصلاة، أضاع كل حق وفضيلة.

- (فويل للمصلين)! إنها صلاة أهل التقصير، والسهو، صلاة من لا يقيمها فلا تزكو نفسه، ولا ترقى لنفع الناس والإحسان إليهم.

     من صلى صلاة لا روح فيها كانت حياته ﺣﻴﺎﺓ لا روح فيها، وأصبحت حياة لا تقوم على شعور التكافل والكرم والفزعة وطهارة السلوك.

     وهكذا كانت سورة الماعون، تتحدث عن القيام بالحقّين، حقّ الخالق وحقّ الخلق، بمثل هذا التناوب العذب، والحديث الآسر.


الثلاثاء، 23 مارس 2021

علمتنا سورة يوسف

       الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

     فهذه سورة يوسف، قصة البلاء الطويل، وحكاية لوعة الفؤاد، وسلسلة حرقة القلب، إنها سورة أحسن القصص: (نَحۡنُ نَقُصُّ عَلَیۡكَ أَحۡسَنَ ٱلۡقَصَصِ بِمَاۤ أَوۡحَیۡنَاۤ إِلَیۡكَ هَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلۡغَـٰفِلِینَ)، ولقد كانت سورة فريدة في موضوعها، فقد اشتملت قصة واحدة من أولها إلى آخرها، وابتدأت برؤيا يوسف وانتهت بتأويلها، وعرضت السورة أحوال يوسف في أنحاء مختلفة، فذكرته غلاما صغيرا يخاف عليه أبوه الحاني ﷺ، وعرضته مملوكا متعففا في القصور والترف، وعرضته سجينا محسنا للسجناء داعيا لهم، ثم عرضته عزيزا لمصر متصرفا في أموالها وخزائنها.

     إنها السورة التي طالما وجد فيها أهل البلاء سلوتهم، ولقوا فيها عزاءهم:

     لقد كان نزولها على النبي ﷺ في مكة، في وقت شدة قريش عليه، وامتحانهم له ولصحابته رضوان ﷲ عليهم، فنزلت تسلية للقلوب من وقدة الألم.

     ومن اللطيف أن ابن الجوزي رحمه الله كان في سنوات سجنه يقرؤها كل يوم، وكان له ابن يحبه اسمه: يوسف.

    • تأمل قصة يوسف سترى أنها حكاية للبلاء الطويل الموحش، البلاء بأنواعه المؤلمة، وتقلباته الموجعة، وتلوناته المفجعة:

    - بلاء كيد الإخوة: (قَالَ یَـٰبُنَیَّ لَا تَقۡصُصۡ رُءۡیَاكَ عَلَىٰۤ إِخۡوَتِكَ فَیَكِیدُوا۟ لَكَ كَیۡدًاۖ إِنَّ ٱلشَّیۡطَـٰنَ لِلۡإِنسَـٰنِ عَدُوࣱّ مُّبِینࣱ)!

     - وبلاء الخوف حين ألقي في الجب.

   - وبلاء فراق الوالد الرؤوف والأم الرؤوم والأهل، وفراق مراتع الصبا ومعاهد الطفولة.

    - وبلاء الرق والعبودية وسلب الحرية.

    - وبلاء فتنة القصر، وتعرض امرأة العزيز، وضغط الشهوات.

    - وبلاء كيد النسوة والتهمة بالسوء ومحاولة تلطيخ العرض للابتزاز.

   - ثم بلاء السجن والحبس، والانتقال من خفض العيش ولينه إلى وحشة السجن وخشونة الحبس وقسوة السجان.

   - ثم بلاء الملك والوزارة والسلطان بعد خروجه من السجن!

     • تعلمنا سورة يوسف أن الحياة بلاء ومحنة، وأن الإنسان في كبد، وأن هذه الدنيا طبعت على كدر، فمن نظر لها هكذا لم تفجأه بمحنها، ولم تطح به بمصائبها، ولهذا فمعرفة حال الدنيا مما يقوي القلب على الصبر، وتحمله على الاستعداد.

     • علمتنا سورة يوسف أنَّ القصة أسلوب تربوي دعوي، ومنهج إيماني، فليسلكه الآباء والأمهات، والمربون والدعاة.

      • وعلمتنا سورة يوسف أن الأب ينبغي أن يكون قريبًا متحببًا لأبنائه، ولو كان منشغلًا بعظيم الهموم، ولو كان ممتلئ اليد بالأعمال، ألا يتراءى لك يعقوب ﷺ وهو نبي ﷲ وصفيه، ومع هذا جلس يستمع لرؤيا ابنه: (إني رأيت أحد عشر كوكبا).

     • تعلمنا سورة يوسف أن ذكر العيب للتحذير ليس من الغيبة المحرمة، فلقد قال يعقوب ﷺ: (قَالَ یَـٰبُنَیَّ لَا تَقۡصُصۡ رُءۡیَاكَ عَلَىٰۤ إِخۡوَتِكَ فَیَكِیدُوا۟ لَكَ كَیۡدًا)، فذكر عيبهم بالكيد تحذيرًا ليوسف.

      • وتعلمنا سورة يوسف أن الصراع الشيطاني مع الإنسان مستمر لا يسلم منه إلا بتقوى لله وصلاح للقلب واستعاذة ولجأة، فتأمل ما جاء في بداية القصة؛ قال يعقوب ﷺ ليوسف: (لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدًا إن الشيطان للإنسان عدو)، وانظر ما جاء في نهاية القصة قال يوسف: (من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي)، فالشيطان هو العنصر الأخطر في بأساء الإنسان، فاحذروه.

     • علمتنا سورة يوسف أن الله إذا اجتباك واصطفاك واختارك فكل كيد وضر إلى زوال، لقد كاد يوسف إخوته، وكادته المرأة، وسجن، وأبعد، وقهر، ولكن: (وكذلك يجتبيك ربك)، وكانت له ﷺ العاقبة، ففي مؤتمر القتل ارتفع صوت (لا تقتلوا يوسف)، وفي غيابة الجب جاء صوت (يا بشرى)، وفي أول طريق العبودية جاء أمر العزيز (أكرمي مثواه)، وفي آخر السجن جاء اعتراف: (أنا راودته عن نفسه).

     •تعلمنا سورة يوسف أن نتمسك بإخوتنا معهما بغوا! (لقد كان في يوسف وإخوته)! مهما جار عليك أخوك فسيبقى أخاك!

     • تعلمنا سورة يوسف ألا نكون رهنًا لسطوة الأكثرية: (ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة)، إنها مشكلة البشرية الدائمة، إنها مشكلة اعتقاد أحقية الأكثر وأصوبيتهم دائما، مشكلة الأرقام الكبيرة، والانبهار بها، وتقديسها.

     • تعلمنا سورة يوسف أنه قد يتهم الأقل من هو خير منه بالضلال، فليخفف المؤمن على نفسه ولا يبتئس إذا رأى عتوّ أهل الضلالة على أهل الحق، ففي بداية القصة قال الفتية: (إن أبانا لفي ضلال مبين)، وفي آخرها قالوا: (إنك لفي ضلالك القديم)!

     • تعلمنا سورة يوسف أنّ من أمراض القلوب القاتلة مرض حب العلو في الأرض، وحب التميز والتفرد، فلقد قال إخوة يوسف: (اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم)، [يخل لكم] إنه حب الاستحواذ، وحب الذات، داء البشرية القديم، ومشكلة الناس الأبدية.

     • وتكشف لنا سورة يوسف عن جانب من الحيل الشيطانية لتزيين الباطل في النفوس، فقد قال أخوة يوسف: (وتكونوا من بعده قوما صالحين)، فما أعجب هذا! إنها تنبينا أن أخبث الأفكار قد تقبل وتروج إذا لطفت بزخرف من الخير.

     • وتعلمنا سورة يوسف أن البلاءات باب التمكين، قال سبحانه: (وَقَالَ ٱلَّذِی ٱشۡتَرَىٰهُ مِن مِّصۡرَ لِٱمۡرَأَتِهِۦۤ أَكۡرِمِی مَثۡوَىٰهُ عَسَىٰۤ أَن یَنفَعَنَاۤ أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدࣰاۚ وَكَذَ ٰ⁠لِكَ مَكَّنَّا لِیُوسُفَ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأۡوِیلِ ٱلۡأَحَادِیثِۚ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰۤ أَمۡرِهِۦ وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا یَعۡلَمُونَ)! فذكر ﷻ ما لحقه من بلاء الرق، ثم قال: (وَكَذَ ٰ⁠لِكَ مَكَّنَّا لِیُوسُفَ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأۡوِیلِ ٱلۡأَحَادِیثِۚ)! ثم تأمل قوله ﷻ: (وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰۤ أَمۡرِهِۦ وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا یَعۡلَمُونَ)، فهو محيط بأمور العباد يدبّر شأنهم ويقضي لهم، ثم لعلهم أن يكرهوا بعض ما يجدون، ولا يعلمون أن الخير فيما يدبر لهم ربهم.

     • تعلمنا سورة يوسف بشرية المجتمع! ولو كان مجتمعا صالحا، إنها تبين لنا حال الأب الصالح في لهفته على ابنه، وتذكر لنا الأبناء في بيت الصلاح وهم يحسدون أخاهم، وتقص علينا قصة الشاب الذي تثور فيه رغبات الرجولة ويكبتها، وتحكي لنا حكاية السجين التقي وهو يتمنى الخلاص! هكذا تعلّمنا السورة دون تسامٍ متكلف على الطبع البشري، ولا عيش جانح في المثاليات.

     • وعلمتنا سورة يوسف أن الأخذ بالسبب قد لا ينتج النتيجة:

     - فقد احتاط يعقوب فقال: (لا تقصص رؤياك)، ولكنه قصّ الرؤيا ووقع المحذور.

    - وقال يوسف لصاحبه الذي ظن أنه ناج: (اذكرني عند ربك)، ولكن صاحبه نسي ولم يذكره عند الملك.

    - وقال يعقوب: (لا تدخلوا من باب واحد)، خوفا عليهم، ومع هذا غاب عنه ابنه الثاني.

     • وتعلمنا سورة يوسف أن التدبير الإلهي للأمور ربما كانت على خلاف ما يتوقع:

     - فنهاية حب يعقوب ﷺ ليوسف ﷺ؛ كانت مكر إخوته به.

   - ونهاية إلقائهم له في الجب؛ كان الإعزاز في بيت العزيز.

   - ونهاية السجن؛ الملك العظيم لمصر، فلا تتذمر مما تلاقي من المحن، ولا تجزع لها.

     • وعلمتنا سورة يوسف أنَّ الحديث عن النعمة قد يكون له آفة:

ولذا قال يعقوب ﷺ لابنه: (لا تقصص رؤياك على إخوتك)، وأما التحدث المحمود بنعمة ﷲ الذي جاء في قوله ﷻ: (وأما بنعمة ربك فحدث)، فالمقصود أن من الشكر أن يذكر الإنسان ما أكرمه ﷲ به من نعمه، إظهارًا للامتنان والشكر، فإن خشي حسدًا أو بغيًا فليحذر.

     • وعلمتنا سورة يوسف أن الخلوة مبعث الشهوة، ومحرك الطمع في الحرام، ولذا طمعت امرأة العزيز وتعرضت ليوسف وعصمه ﷲ.

      • وعلمتنا سورة يوسف أن الإخلاص ينجي العبد الصالح، قال ﷻ: (وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَاۤ أَن رَّءَا بُرۡهَـٰنَ رَبِّهِۦۚ كَذَ ٰ⁠لِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلۡفَحۡشَاۤءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِینَ)، وفي قراءة سبعية: (المخلِصين)، من الإخلاص.

      • وعلمتنا سورة يوسف أن المؤمن يجب عليه ألا يعرض نفسه لمواطن الفتن، وأنه يجب أن يفر من موضع الفتنة ومكانها، ولهذا لما عرضت الفتنة على يوسف فرّ وهرب: (وَٱسۡتَبَقَا ٱلۡبَابَ وَقَدَّتۡ قَمِیصَهُۥ مِن دُبُرࣲ)، وفي سنن أبي داود ﻋﻤﺮاﻥ ﺑﻦ ﺣﺼﻴﻦ، ﻳﺤﺪﺙ ﻗﺎﻝ: ﻗﺎﻝ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ: «ﻣﻦ ﺳﻤﻊ ﺑﺎﻟﺪﺟﺎﻝ ﻓﻠﻴﻨﺄ ﻋﻨﻪ، ﻓﻮاﻟﻠﻪ ﺇﻥ اﻟﺮﺟﻞ ﻟﻴﺄﺗﻴﻪ ﻭﻫﻮ ﻳﺤﺴﺐ ﺃﻧﻪ ﻣﺆﻣﻦ ﻓﻴﺘﺒﻌﻪ، ﻣﻤﺎ ﻳﺒﻌﺚ ﺑﻪ ﻣﻦ اﻟﺸﺒﻬﺎﺕ».

     • وتعلمنا سورة يوسف أنّ المؤمن داعية إلى الخير ولو كان في بأس وألم، انظر إلى يوسف عليه السلام وهو في البلاء لم تنسه المحنة والكرب أن يدعو إلى التوحيد، فقال: (یَـٰصَـٰحِبَیِ ٱلسِّجۡنِ ءَأَرۡبَابࣱ مُّتَفَرِّقُونَ خَیۡرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلۡوَ ٰ⁠حِدُ ٱلۡقَهَّارُ).

     وقد سلك معهما مسالك لطيفة في الدعوة:

     - فدعاهما بتقبيح الباطل فقال: (أأرباب متفرقون).

    - وقرن الدعوة بنفعهما تأويل الرؤيا، ليقبلا عليه بتيقظ، وليشعرا بالامتنان له والشكر.

     - وبدأ بذكر ما منّ ﷲ عليه به من العلم، وما اختصه من الحكمة، ليعلمهما أنه لا يتكلم بجهالة، (قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما)

     - وخاطبهما بصفة الصلة المماثلة (صاحبي)، توكيدًا للألفة.

     • وتعلمنا سورة يوسف أن الداعية الناجح، والمصلح النابه، هو الذي يبتدئ الناس بالبذل والعطاء والعطف والإحسان، فإنهم إذا رأوه على هذا الخلق قبلوا دعوته، ومالوا إليه، ولذا قال الرجلان له حين سألا تأويل الرؤيا: (نَبِّئۡنَا بِتَأۡوِیلِهِۦۤۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِینَ)!، وهذا دليل أنهما رأيا من إحسانه ما حملهما لوصفه بذلك.

     • بل إن سورة يوسف تؤكد على المؤمن أن يكون خلقه الإحسان في كل أحواله، قال له صاحبا السجن في السجن: (إنا نراك من المحسنين)، وقالها له إخوته وهو في أبهة الملك وعزّ السلطان: (إنا نراك من المحسنين)، ومن اللطيف أن إحسان يوسف اتسع ليشمل عدوه! الظالم له، فإن سجّانه بعث إليه في سجنه يستفتيه في الرؤيا! فهل امتنع عن العطاء؟ هل توقف عن الإحسان إلى القوم الذين ظلموه وآذوه؟ لا، وليس ذلك له بخلق ﷺ، بل عبّر لهم رؤياهم، وأفتاهم، وأعطاهم تلك الاستشارة الاقتصادية التي جنّبت بلادهم أزمة اقتصادية ضخمة، فماذا كانت عاقبة المحسنين؟ لقد كافأه ﷲ والله يحب المحسنين وخرج ممكنًا في الأرض، عزيزًا لمصر.

     وأخيرًا: بماذا ختمت سورة يوسف؟ السورة التي سماها الله أحسن القصص، سورة الإبتلاءات، ابتلاءات الكيد والجب والرق وكيد النساء والاتهام والسجن ثم الامتحان بالملك والسلطة والمال، سورة الإحسان، الإحسان في حال الاستضعاف والإحسان في حال البلاء والسجن، والإحسان في حال الملك والقوة، سورة الدعوة في مراحل الحياة الخافضة والرافعة، سورة الثبات في مواجهة الإغراء، والثبات في السجن، والثبات عند فتنة الخروج من السجن بغير تبرئة، والثبات عند حصول الملك والقوة، السورة التي نزلت بعد موت أبي طالب وخديجة، سورة الفراق المحرق، واللهفة الأبوية، والحزن الطويل على الابن الأثير والعين الباكية، وآلام السنين، ثم روعة اللقاء وفرحة الاجتماع بالأبوين والإخوة والأهل.

لقد ختمت هذه السورة بخاتمة جليلة: ختمت بالدعاء بالثبات!كما قال ﷻ عن دعاء يوسف: (رَبِّ قَدۡ ءَاتَیۡتَنِی مِنَ ٱلۡمُلۡكِ وَعَلَّمۡتَنِی مِن تَأۡوِیلِ ٱلۡأَحَادِیثِۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ أَنتَ وَلِیِّۦ فِی ٱلدُّنۡیَا وَٱلۡـَٔاخِرَةِۖ تَوَفَّنِی مُسۡلِمࣰا وَأَلۡحِقۡنِی بِٱلصَّـٰلِحِینَ).

الأحد، 31 يناير 2021

حضارتهم

 أعوذ بالله من خبث حضارتهم!

أما بعد:

     فقد استحييت أن أبدأ هذه المقالة بحمد الله! ثم أنقل شيئًا قليلًا من خبر (ديمقراطية اللذة) على نحو تعبير الدكتور المسيري.

- لا تزال المجتمعات الغربيّة (غير المكبوتة!) تتطور صعودًا في تحقيق الإغراء وإشباع المتعة وتطويع السياسة لنيلها، ففي تلك الدول بدأت تنتشر ظاهرة نشوء أحزاب سياسية (جنسية)، وحصدت الأصوات في دول مثل هولندا!

- وفي استراليا يقول: بيونا باتين، أحد قيادات (الحزب الجنسي) إن السياسة المحافظة لسياسيي إستراليا منعت الإبداع في هذا الشأن! 

- كان الحزب قد اختار في واحدة من النشاطات الانتخابية؛ متجرًا لبيع الدمى الجنسية، للدعاية لأهدافه.

- (وديمقراطية) اللذة لها أهدافها السياسية الفلسفية، وعلى نحو ذلك تستنكر على الدول إغلاق المواقع الإباحيّة.

- وفي هولندا كان من الأهداف المعلنة لهذا الحزب:  تخفيض السن الأدنى للزنا إلى ١٢ عامًا، ووضع القوانين لركوب الفاحشة مع الحيوانات.

- وفي أسبانيا كان الأمر يتجاوز الوعود الانتخابية إلى العروض التخفيضية للناخبين بتخفيض سعر المضاجعة إلى نصف السعر! مع الوعود الانتخابية بتقديم دعم مالي لخفض أسعار الغرف الفندقية للفتيان الصغار.

- وهناك في الولايات المتحدة الأميركية (دولة الحروب واللذة) كانت التسهيلات من نوع آخر، المكافأة للجنود العائدين من الحروب، وقال المتحدث باسم إحدى تلك الجمعيات: "حب الوطن" يستدعي ذلك.

- وأما البرلمانية الإيطالية "إيلونا ستالر"، ممثلة الإباحية التي كان خلع ملابسها من ضمن دعايتها الانتخابية، فقد تجاوزت ذلك، واستعملت أداتها السياسية هذه بدعوة صدام حسين للمضاجعة المجانيّة لتجنيب الشرق الأوسط الحروب!

- وهناك في أرض تقديس العمل، حيث يذوب الإنسان في سبيل الإنجاز والانتاج، وحيث ظهر مصطلح: (كاروشي) أي: الموت بسبب الإرهاق من العمل، هناك في بلاد عجائب التقنية، في اليابان حيث العلم المادي، والتقدم الدنيوي، ستجد وكالات خدمة (وكاريساسيا [متاجر الوداع])، التي يمكن أن تجعلها أنموذجًا لآثار البعد عن هدي الوحي والرسالة.

(وكاريساسيا) هي مكاتب إنهاء العلاقات بين الرجل والمرأة -زوجيّة أو سفاحية-.

إنها وكالات تقوم تعاقداتها بين العميل (الزوج مثلا) والوكالة، ليقوم موظف الوكالة بمحاولات إيقاع الزوجة (مثلًا) في علاقة غرامية (وهمية) ثم توثيق ذلك، ليكون ذريعة في كف الزوج لينهي علاقته بزوجته بعذر خيانتها! أو ليقدمها دليلًا في المحكمة ليثبت الطلاق.

مئات المكاتب المنتشرة، وآلاف المخبرين السريين لهذه الوكالات، وآخرون يدافعون عن أخلاقية هذه التعاقدات!

الاثنين، 27 يوليو 2020

أنواع الاشتراك في الأضحية.

بسم الله الرحمن الرحيم
     الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول ﷲ، أما بعد:
    فمن المسائل التي يكثر دورانها على ألسنة المتفقهين في دين ﷲ، والسائلين عن أحكامه: حكم الاشتراك في الأضحية،  والاجتماع في الثمن والنسك والأجر.
     والاشتراك فيها على أنواع:
١- أن يضحي المضحي ويشرك معه أهل بيته، فهذا قد جاء الحديث بمشروعيته، كما ثبت في الصحيحين عن ﺃﻧﺲ ﺑﻦ ﻣﺎﻟﻚ ﺭﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ، ﻗﺎﻝ: «ﻛﺎﻥ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ ﻳﻀﺤﻲ ﺑﻜﺒﺸﻴﻦ»، وعن أبي ﺃﻳﻮﺏ اﻷﻧﺼﺎﺭﻱ قال: "ﻛﺎﻥ اﻟﺮﺟﻞ ﻳﻀﺤﻲ ﺑﺎﻟﺸﺎﺓ ﻋﻨﻪ ﻭﻋﻦ ﺃﻫﻞ ﺑﻴﺘﻪ، ﻓﻴﺄﻛﻠﻮﻥ ﻭﻳﻄﻌﻤﻮﻥ ﺣﺘﻰ ﺗﺒﺎﻫﻰ اﻟﻨﺎﺱ، ﻓﺼﺎﺭﺕ ﻛﻤﺎ ﺗﺮﻯ" رواه الترمذي.
فيضحي الرجل عنه وعن أهل بيته، وهذا مشروع مجزئ في قول أكثر السلف.
     وهم شركاء في الإجزاء في النسك على أصح أقوال العلماء، وليست مجرد شركة في الثواب كما هو قول بعضهم، وذلك أن الاشتراك نوعان: اشتراك في إجزاء النسيكة، واشتراك في الأجر.
٢- ويدخل في ذلك لو كان للرجل زوجتان أو أكثر، فتجزئ أضحية واحدة، لأن النبي ﷺ ضحى بكبشين وكان له تسعة أبيات.

٣- ويدخل في ذلك كل من سكن مع المضحي، ممن ينفق عليه، من ابن أو أخ أو قريب، فتجزئ أضحية واحدة، عند أكثر فقهاء الأمصار.

٤- ولا يدخل فيه الخدم والعاملون عنده.

٥- ولا يدخل في ذلك الأموات، فالميت لا يدخل في شِرك الأضحية، لأنه لم يعد من أهل البيت، وإنما يضحّى عنه استقلالًا، أو يشرك في الثواب، كما سيأتي.

٦- ويجزئ اشتراك سبعة فأقل في بدنة أو بقرة، عند أكثر أهل العلم، لحديث جابر في مسلم: أﻣﺮﻧﺎ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﺃﻥ ﻧﺸﺘﺮﻙ ﻓﻲ اﻹﺑﻞ ﻭاﻟﺒﻘﺮ، ﻛﻞ سبعة ﻣﻨﺎ ﻓﻲ بدنة"، وأمر الأضحية والهدي واحد، ولذا بوّب أبو داود والترمذي على الحديث في أحكام الأضاحي، وأما ما روي ﻋﻦ اﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ ﻗﺎﻝ: ﻛﻨﺎ ﻣﻊ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﻓﻲ ﺳﻔﺮ ﻓﺤﻀﺮ اﻷﺿﺤﻰ ﻓﺎﺷﺘﺮﻛﻨﺎ ﻓﻲ اﻟﺒﻘﺮﺓ سبعة، ﻭﻓﻲ اﻟﺒﻌﻴﺮ ﻋﺸﺮﺓ"، رواه الترمذي،  فهو معلول، ولذا قال عنه الترمذي: حسن غريب، كعادته حين يريد بيان وهن الحديث، وأشار لضعفه الطبري والبيهقي وغيرهما.

٧- ولا يصح الاشتراك في النسك في التضحية بشاة من ضأن أو معز، فإن ذلك إنما يصح ذلك عن الشخص وأهل بيته، وأما تشارك اثنين فأكثر في النسك بشاة فغير مجزئ، لمفهوم التقسيم في حديث جابر السالف، فإن الشريعة لما جوزت الشركة في البدن والبقر دلّ على اختصاصها بالحكم دون الشياه، وإلا فما هو المقتضى لاختصاص البدن والبقر به.
وأيضًا: فلو قيل بجواز الاشتراك لكان لابد له من حدّ في عدده يؤوب إليه، ولم يأتِ تحديد له في الشريعة ومن حدد فقد تحكّم.
وأيضًا فلا يصح أن ينصب في المسألة أصل تقاس عليه الشياه، وقد حكي الإجماع على ذلك، قال ابن رشد: "وأجمعوا على أن الكبش لا يجزيء إلا عن واحد".
     وأما حديث ﺃبي اﻷﺷﺪ اﻟﺴﻠﻤﻲ، ﻋﻦ ﺃﺑﻴﻪ، ﻋﻦ ﺟﺪﻩ، ﻗﺎﻝ: ﻛﻨﺖ ﺳﺎﺑﻊ سبعة ﻣﻊ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﻗﺎﻝ: ﻓﺄﻣﺮﻧﺎ ﻧﺠﻤﻊ ﻟﻜﻞ ﺭﺟﻞ ﻣﻨﺎ ﺩﺭﻫﻤﺎ، ﻓﺎﺷﺘﺮﻳﻨﺎ أضحية بسبعة اﻟﺪﺭاﻫﻢ"، رواه أحمد، والسبعة دراهم ونحوها إلى الدينار، ثمن الشاة في عهدهم، لا ثمن البقر والإبل، ولكن الحديث لا يفرح به فهو ضعيف.
     فإن تشاركوا في ثمن شاة، لم تصح الأضحية إلا عن واحد، ولكن هم شركاء في الأجر دون النسك، فالنسك لا يقع في الشاة إلا عن شخص واحد وأهل بيته، فإن كانوا جماعة ليسوا أهل بيت فاشتركوا في الثمن فليهبوها لأحدهم، وينسك النسيكة وينوي التضحية.
     ومثله لو تشاركوا لشراء أضحية ليهدوها لحي أو ميت كأب وأم، جازت الشركة هنا، لأن التضحية ليست عن المجموع، بل هي عن شخص واحد.
     ومما أتعجب منه عند نظري لكلام الفقهاء وتعظيمهم لشأن الأضحية أن منهم من لا يرى الاشتراك حتى في البدن والبقر كمالك، وأن بعض من يرى الاشتراك في البدنة والبقرة يقول: هو على خلاف الأصل والقياس، ويجعل القياس أﻥ اﻹﺭاﻗﺔ ﻗﺮﺑﺔ ﻻ ﺗﺘﺠﺰﺃ، ولهذا فسترى أن كتبًا كثيرة من كتب الفقهاء لا ينوّهون بمسألة اشتراك أكثر من واحد في الشاة، فكأنها لوضوحها لا تحتاج لتنويه.

٨- ولا يصح أن يشتري من أراد التضحية سبع بدنة أو بقرة، بل لابد أن تذبح على نية التقرب منه، والأقرب أنه يجب أن ينوي جميع المشتركين القربة في الأضحية ببدنة إبل أو بقرة، خلافًا لمن قال: تجوز اختلاف نيات المشتركين، بين متقرب ومريد لحم، لأن إهراق الدم لا يتجزأ.

٩- ويصح أن يشرك المضحي من شاء في أجر الأضحية، فعن ﺟﺎﺑﺮ ﺑﻦ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﻗﺎﻝ: ﺷﻬﺪﺕ ﻣﻊ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ اﻷﺿﺤﻰ ﺑﺎﻟﻤﺼﻠﻰ، ﻓﻠﻤﺎ ﻗﻀﻰ ﺧﻄﺒﺘﻪ ﻧﺰﻝ ﻣﻦ ﻣﻨﺒﺮﻩ ﻭﺃﺗﻲ ﺑﻜﺒﺶ ﻓﺬﺑﺤﻪ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﺑﻴﺪﻩ، ﻭﻗﺎﻝ: «ﺑﺴﻢ اﻟﻠﻪ، ﻭاﻟﻠﻪ ﺃﻛﺒﺮ، ﻫﺬا ﻋﻨﻲ، ﻭﻋﻤﻦ ﻟﻢ ﻳﻀﺢ ﻣﻦ ﺃﻣﺘﻲ»، فهو محمول عند كثير من العلماء على أنه ﷺ أشركهم في الأجر، لا في النسك.

١٠- ﻭﻟﻮ اﺷﺘﺮﻙ اﺛﻨﺎﻥ ﻓﻲ ﺷﺎﺗﻴﻦ ﻋﻠﻰ اﻟﺸﻴﻮﻉ ﺃﺟﺰﺃ، نص عليه أحمد.

١١- ويجوز أن يشرك الميّت في أجر الأضحية، فيضحي هو أصالة، وينوي أن يهدي للميت من ثوابها، وإن أراد التضحية عن الميت فقد جوز كثير من السلف أن يضحي عنه استقلالًا، وهي أولى ما يدخل في إهداء القربات المالية.

١٢- أما جمع نيتين في ذبيحة كعقيقة وأضحية،  فقد جوزه بعض السلف كالحسن وابن سيرين، وقال به بعض فقهاء الأمصار، والقول بالمنع قول كثير، وهو قول قوي.

والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول ﷲ.

من فقه الآثار

الحمد لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله، أما بعد:
فمن الأحاديث الجليلة ما ثبت ﻋﻦ ﺃﺑﻲ ﻫﺮﻳﺮﺓ قال ﷺ: "الملائكة ﺗﺼﻠﻲ ﻋﻠﻰ ﺃﺣﺪﻛﻢ ﻣﺎ ﺩاﻡ ﻓﻲ ﻣﺼﻼﻩ اﻟﺬﻱ ﺻﻠﻰ ﻓﻴﻪ، ﻣﺎ ﻟﻢ ﻳﺤﺪث، ﺗﻘﻮﻝ: اﻟﻠﻬﻢ اﻏﻔﺮ ﻟﻪ، اﻟﻠﻬﻢ اﺭﺣﻤﻪ".
• هذا حديث جليل القدر عظيم المبوأ عند أهل التنسك، وفيه مسائل أذكر بعضها: 
• ﻫﻞ اﻟﻤﺮاﺩ بمصلاه ﻧﻔﺲ اﻟﻤﻮﺿﻊ اﻟﺬﻱ ﺻﻠﻰ ﻓﻴﻪ ﺃﻭ اﻟﻤﺴﺠﺪ اﻟﺬﻱ ﺻﻠﻰ ﻓﻴﻪ ﻛﻠﻪ ﻣﺼﻠﻰ ﻟﻪ؟
ﻫﺬا ﻓﻴﻪ ﺗﺮﺩﺩ وخلاف بين العلماء:
 القول الأول: أن ذلك لا يختص بالمصلى، بل يشمل جميع المسجد، وقد ﺫﻫﺐ لهذا ﻃﺎﺋﻔﺔ ﻣﻦ اﻟﻌﻠﻤﺎء، ﻣﻨﻬﻢ: اﺑﻦ ﺑﻄﺔ.
وقال العراقي: (وهذا ﺃﻇﻬﺮ ﻭﺃﺭﺟﺢ ﺑﺪﻟﻴﻞ ﺭﻭاﻳﺔ اﻟﺒﺨﺎﺭﻱ اﻟﻤﺬﻛﻮﺭﺓ ﻓﻲ اﻷﺻﻞ: "ﻣﺎ ﺩاﻡ ﻓﻲ اﻟﻤﺴﺠﺪ" ﻭﻛﺬا ﻓﻲ ﺭﻭاﻳﺔ اﻟﺘﺮﻣﺬﻱ، ﻓﻬﺬا ﻳﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ اﻟﻤﺮاﺩ بمصلاه ﺟﻤﻴﻊ اﻟﻤﺴﺠﺪ).
وقال ابن حجر: (ﺃﻱ ﻓﻲ اﻟﻤﻜﺎﻥ اﻟﺬﻱ ﺃﻭﻗﻊ ﻓﻴﻪ اﻟﺼﻼﺓ ﻣﻦ اﻟﻤﺴﺠﺪ، ﻭﻛﺄﻧﻪ ﺧﺮﺝ ﻣﺨﺮﺝ اﻟﻐﺎﻟﺐ، ﻭﺇﻻ ﻓﻠﻮ ﻗﺎﻡ ﺇﻟﻰ ﺑﻘﻌﺔ ﺃﺧﺮﻯ ﻣﻦ اﻟﻤﺴﺠﺪ ﻣﺴﺘﻤﺮا ﻋﻠﻰ ﻧﻴﺔ اﻧﺘﻈﺎﺭ اﻟﺼﻼﺓ ﻛﺎﻥ ﻛﺬﻟﻚ).
القول الثاني: أنه خاص بمحل صلاته.
ﻭﻗﺪ ﺭﻭﻱ ﻋﻦ ﺃﺑﻲ ﻫﺮﻳﺮﺓ ﻣﺎ يدل عليه.
ﻭﻳﺆﻳﺪه ﻗﻮﻟﻪ ﷺ: ﻓﻲ ﺭﻭاﻳﺔ ﻣﺴﻠﻢ ﻭﺃﺑﻲ ﺩاﻭﺩ ﻭاﺑﻦ ﻣﺎﺟﻪ: "ﻣﺎ ﺩاﻡ ﻓﻲ ﻣﺠﻠﺴﻪ اﻟﺬﻱ ﺻﻠﻰ ﻓﻴﻪ".
وكأن هذا القول أقرب، ومع هذا فليحرص المتعبد أن لا يتحول من موضعه لغير مقتضى، والعلم عند رب العالمين.

• وهنا مسألة أخرى:
هل يشترط لحصول الثواب أن يكون انتظارا لصلاة؟
قال العراقي: (ﻗﻮﻟﻪ: "ﻣﺎ ﺩاﻡ ﻓﻲ ﻣﺼﻼﻩ اﻟﺬﻱ ﺻﻠﻰ فيه"، ﻳﻘﺘﻀﻲ ﺣﺼﻮﻝ اﻟﺜﻮاﺏ اﻟﻤﺬﻛﻮﺭ ﺑﻤﺠﺮﺩ ﺟﻠﻮﺳﻪ ﻓﻲ ﻣﺼﻼﻩ ﺣﺘﻰ ﻳﺨﺮﺝ، ﻟﻜﻦ ﺭﻭاﻳﺔ اﻟﺒﺨﺎﺭﻱ ﺗﻘﺘﻀﻲ ﺗﻘﻴﻴﺪ ﺣﺼﻮﻝ اﻟﺜﻮاﺏ ﺑﻜﻮﻥ ﺟﻠﻮﺳﻪ ﺫﻟﻚ ﻻﻧﺘﻈﺎﺭ اﻟﺼﻼﺓ، ﻓﺈﻧﻪ ﻗﺎﻝ ﻓﻴﻬﺎ: "ﻣﺎ ﺩاﻡ ﻓﻲ اﻟﻤﺴﺠﺪ ﻳﻨﺘﻈﺮ اﻟﺼﻼﺓ"، ﻭﻫﻮ ﻭاﺿﺢ).
وقال ابن حجر: (ﻭﻳﺆﺧﺬ ﻣﻦ ﻗﻮﻟﻪ: "ﻓﻲ ﻣﺼﻼﻩ اﻟﺬﻱ ﺻﻠﻰ ﻓﻴﻪ" ﺃﻥ ﺫﻟﻚ ﻣﻘﻴﺪ ﺑﻤﻦ ﺻﻠﻰ ﺛﻢ اﻧﺘﻈﺮ ﺻﻼﺓ ﺃﺧﺮﻯ).

• وهنا مسألة ثالثة مليحة:
وهي هل يلحق بذلك النساء والمعذورون، ممن لم يصلوا في المساجد، إن حبسوا أنفسهم في مصلياتهم:
ألحق بعض أهل العلم هؤلاء بمن لزم مصلاه في مسجد الجماعة، كالحافظ ابن عبد البر، فقد ألحق النساء إذا حبسن أنفسهن في مصلاهن.
بل ﻗﺎﻝ اﺑﻦ ﺑﻄﺎﻝ: (ﻭﻳﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﻣﻦ ﺃﺷﺒﻬﻬﻢ ﻓﻲ اﻟﻤﻌﻨﻰ ﻣﻤﻦ ﺣﺒﺲ ﻧﻔﺴﻪ ﻋﻠﻰ ﺃﻓﻌﺎﻝ اﻟﺒﺮ ﻛﻠﻬﺎ ﻭاﻟﻠﻪ ﺃﻋﻠﻢ).
فالله أعلم.

الخميس، 23 يوليو 2020

حين يثلم القلب!

    الحمد لله:
     هكذا يا أبا عبد ﷲ سُكب البارحة ما بقي من كأس صحبتنا في هذه الدنيا!
    وهكذا تنسرب الحياة كما ينسرب الماء بين الأصابع! قبل أن نرتوي من لقاء الأحبة الصالحين، ومجالس الإخوة المتقين.

     كنَّا طلابًا في الجامعة، في كلية الشريعة بأبها، وتعرفت على أبي عبد ﷲ، كان شابًا بسّامًا لا تغادر البسمة وجهه، طلق المحيّا، خفيف الظلّ، حافظًا لكتاب الله، ظل إمامًا لمسجد لبنان بأبها سنين عددًا.
     كان أبو عبد الله من أسرة من كرائم أسر عسير، جدّه لأبيه كان قاضيًا في أيام العثمانيين، وأبوه -الشيخ عبد ﷲ- من قدماء مشايخ المعهد العلمي بأبها، وفي بيت الكرم والدين هذا نَبَتَ الحسن.
وفي أبها ومحاضنها التربوية، ومواعظ دعاتها، وحماسة أهلها للدين درَج الحسن الهنيدي.

لن تجد أحدًا من أصحابه إلا سيقول: كان الحسن أخصّ أصحابي!
فقد كان يحفُل بالجميع، ويحنو عليهم، ويعطيهم من نفسه، ويخصّ كل أحد بمكرمة، حتى يخيّل إليه أنه أخص أصحاب أبي عبد ﷲ!

والرأي الجامع في صفة أبي عبد ﷲ الذي لا يختلف فيه اثنان: أنه لم تكن له خصومة مع أحد! ولم تجر له عداوة مع مؤمن!
فرحمة ﷲ عليك يا أبا عبد ﷲ!

     كان من القلة الذين أشاركهم همومي، وأستودعهم أسراري، ولقد كان يكفيه ما يحمل على كتفيه من أثقال البلاء وأعباء المرض، لكنني كنت آنس لكلماته، وأسكن لرأيه.

     ابتلي أبو عبد ﷲ بالفشل الكلوي قبل نحو ١٧ عامًا، وأجريت له عملية زراعة للكلى ثم فشلت الزراعة، وابتلي بعدم الذرية، وكان مع ذلك بسامًا رحْب الوجه، لم تبدّله الغِيَر، ولم تنل من سعادة روحه البلايا، ولا والله ما سمعته يومًا بَرِمًا، وما لقيته قط ضجرًا، وما اشتكى يومًا فقدَ الذرية، ولا اعترض على بلاء المرض، وأحسب أن هذا الرضا عن ربه، وعن قدره؛ من أعظم أعماله الصالحة، جازاه ﷲ بأحسن عمله.

     كنت أنتظر لقائي به دائمًا، وأفرح به، وأتشوّف له، وكان من عادتي كلما سافرت للأهل في الخميس، أن أزور الشيخ الحسن في بيته في أبها، وإن زرته فلابد أن يجتمع عنده شباب الدعوة، وإخوة الطريق، فللّه ما أطيب تلك الجلسات، وما أُحَيْلى تلك الأمسيات.
كانت أخبار المسلمين، وأنباء الدعوة هي عُظم ما يدور في مجلسه، مع حلاوة المفاكهة، وجميل المذاكرة.
ولا تسل عن حزنه لمصاب إخوانه، ولا عن وقوفه في نصرتهم، ولقد كان له معي مقامات مشهودة، نصرني فيها حين تَذاءَب بعض المنحرفين، فقام رحمه ﷲ في الأمر وقعد، مع تعبه ومرضه؛ حتى ردّ ﷲ به عنّي بأسًا كثيرًا، فجزاه الله عنّي خير ما جزى أخًا عن أخيه.

ولقد شهدت منه مواقف من غيرته على الشريعة، وهمّه للدين، ما أرجو أن تكون شفيعة له عند ربه.

وكان أكثر ما يُشْجيه ويكربه أن يسمع خلافًا بين حملة الدعوة، أو أن تبلغه خصومة بين أهل العمل الإسلامي، فيغتمّ لذلك ويحزن، ويضيق ويكرب، فإنه كان مطبوعًا على جمع القلوب، يألف ويُؤلف، يحب الاجتماع، وينشز عن الخلافات، ويفر من الخصومات.

وكان -رحمه ﷲ- وفيّا لإخوانه، يتفقدهم بالسؤال، ويصلهم بالرسالة أو بالاتصال، ولا ينقطع لانقطاعهم، بل لا يزال مادًّا حبل الصلة مع القريب والبعيد.

وكنت أقارضه ملاطفةً بملاطفة، وممازحةً بممازحة، فكان كلما أدار دائرة المناقضة عليّ قلت له مضاحكًا: أنا شيخك، وذلك أنّي كنت أدارسه الفرائض في المستويات الأخيرة من الجامعة، فإنّه حين مرض انتسب في الدراسة، ولم يكمل الانتظام، فكان إذا سمع كلمتي هذه اعتدل في جلسته، وسوّى من ملابسه، وقال: صدقت صدقت، وعاد عن غارته، وأذكر أنّنا زرنا عالمًا من العلماء مرة، وأجلسه بجواره، وخصّه بمزيد من الإكرام، فكان أبو عبد الله بعد ذلك يناقضني إذا قلت له: أنا شيخك، فيقول ممازحًا لي: قد استوت الرؤوس، كلنا صرنا شيوخًا، أما تذكر حين أجلسني الشيخ بجواره، ولم يجلسك بجواره، فضحكنا بها زمنًا.
وكان رحمه ﷲ حُفَظَة للأحداث والغرائب، يحفظ عن كل منّا أحدوثة، ذا ملكة في القصة والوصف، فلا تزال معه في ملاحة الحديث، ولذاذة المجالسة.

     وكنت لا أكاد أكتب شيئًا إلا علّق عليه بتعقيبه، تارة بتأثره مما قرأ، وتارة بممازحة، وتارة باستفسار، حتى أصبح مما اعتدته معه في أول لقائنا بعد أي كتابة أكتبها أو بحث أرسله له؛ أن أسمع تعليقه عليه، وكان آخر تعليق له: رسالة أرسلها لي، يمازحني فيها عن مقال لي كنت كتبته عن -طه حسين- ورآه يتداول في صفحة من صفحات بعض من يُغْمز في دينه بالغلو، فراسلني يمازحني يقول: انظر هؤلاء ينشرون مقالك!
وظل يطايبني بكلامه الطيّب ومزحه الحاني.

     قبل الحظر كنت ألحّ عليه ليزورني، وكان يشتكي ضيق وقته في آخر أيام تدريبه في المعهد العدلي، وما كنت أظن أني لن أراه بعد ذلك.
وجاء الحظر واعتزل الخلطة، وما زال على عزلته، محاذرة المرض، لضعف صحته، ووهن بدنه، ثم كلمته قبل أيام، فشكى لي تعبًا في جسمه، وأحاله على جهد غسيل الكلى، ولم نكن نعلم أنه أصيب بالمرض، وأنه وهن المرض لا وهن الغسيل، تحدثت أنا وهو طويلًا، وليتني أطلت أكثر، فقد كان آخر حديث بيني وبينه!
ثم بلغني دخوله المستشفى، فراسلته، وأجابني يشكو ضيق التنفس، ولما كان البارحة أرسلت له رسالة أطمئن على صحته، فكانت الرسالة الأخيرة التي لا جواب بعدها، فلم يرد أبو عبد ﷲ عليّ، وظننته نائمًا، أو متعبًا قليلًا، فلما استيقظت للفجر، وتجهزت للمسجد، رأيت الفاجعة في رسائل الأحبة، رأيت رسائلهم تعزي وتواسي، فدارت بي الأرض.
وهكذا الموت سيقف حجازًا بينك وبين حبيب من أحبابك، ترسل له يومًا فلا يجيب، وتكتب له فلا يردّ، فلنحسن وفادة بعضنا في هذه الدنيا.
حين أيقنت بالخبر أخذتني كظمة في صدري، ولم تخرج دمعة تريحني، وذهبت فصليت بالجماعة، وأنا مكروب النفس وﷲ.
فلما رجعت من الصلاة، وعدت في طريقي للبيت، كلمني أحد أحبابنا يعزّي، فلمّا سمعت صوته، تذكرت مجالسنا الطيبة مع أبي عبد الله، وأيامنا الماضية، تذكرت أسفارنا ولقاءاتنا، تذكرت ما تشاركناه من أفراحنا وأحزاننا، فما تمالكت دمعي، وانبعثت كظمة صدري، وبكيت عليه بكاءً ما بكيته على قريب، فرحمك ﷲ يا أبا عبد ﷲ وجمعنا بك في جنات النعيم.
والله المستعان.
 ٢/ ١٢ / ١٤٤١

الخميس، 25 يونيو 2020

تشريف المسلم

الحمد لله:
هناك.. في خطبة يوم النحر في حجة الوداع، حين اجتمع شرف المكان والزمان والعبادة، خطب النبي ﷺ خطبة وداع للأمة.
فماذا سيوصي نبي الرحمة ﷺ أمته وهو في ذاكم المقام الشريف؟
ما هو النبأ العظيم الذي سينوه به النبي ﷺ في يوم تطاولت إليه أعناق عشرات الألوف ممن حضر ذلك المنسك الجليل؟
ياله من موقف مهيب!
مائة ألف وأربعة عشر ألفا من الصحابة قد أصاخوا بآذانهم وشخصت أبصارهم لنبيهم ﷺ وهو يخطب فيهم.
يقول: «أي يوم هذا؟»
فسكت!
حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه!
فقال: «أليس يوم النحر؟»
قلنا: بلى.
فقال: «أي شهر هذا»؟
فسكت!
حتى ظنناه سيسميه بغير اسمه!
فقال: «أليس شهر حرام»؟
قلنا: بلى!
قال: «أي بلدة هذه؟
أليست بلد الله الحرام؟»
كل ذلك يقولون: بلى
ثم قال النبي ﷺ: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا!»، رواه البخاري ومسلم.
هكذا هي الموازنة في ميزان السماء!
وهكذا يرد النبي ﷺ الناس إلى مفاهيمهم المستقرة في وجدانهم عن الزمان (يوم النحر) والمكان (البلد الحرام) ليأخذ بأيديهم إلى مواضع يريد منهم أن يتحسسوها فيعلموا بها ما وراء ذلك!
الله!
ما أعظم حق المسلم على أخيه!
مسلمٌ وكفى!
بعيدًا عن كل اسم وحزب وتكتل ورابطة؛ غير رابطة الإسلام واسم الإسلام وحزب القرآن!
{هو سماكم المسلمين}
كم تحتاج النفس المتعبة بأعباء التحزبات، وأثقال الدنيوية، أن تعود إلى طهر ونقاء قول الله: {إنما المؤمنون إخوة}.
فيعمر قلب المؤمن بتعظيم ما عظمه الله، ورفع ما رفعه الله.
ولطالما كان النبي ﷺ ينبه على شأن المؤمن وشرفه وحقه على أخيه المؤمن.
فعن اﺑﻦ ﻋﻤﺮ ﻗﺎﻝ: ﺻﻌﺪ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ اﻟﻤﻨﺒﺮ فنادى -ﺑﺼﻮﺕ ﺭﻓﻴﻊ- ﻓﻘﺎﻝ: «ﻳﺎ ﻣﻌﺸﺮ ﻣﻦ ﺃﺳﻠﻢ ﺑﻠﺴﺎﻧﻪ ﻭﻟﻢ ﻳﻔﺾِ اﻹﻳﻤﺎﻥ ﺇﻟﻰ ﻗﻠﺒﻪ! ﻻ ﺗﺆﺫﻭا اﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ وﻻ ﺗﻌﻴﺮﻭﻫﻢ وﻻ ﺗﺘﺒﻌﻮا ﻋﻮﺭاﺗﻬﻢ، ﻓﺈﻧﻪ ﻣﻦ ﺗﺘﺒﻊ ﻋﻮﺭﺓ ﺃﺧﻴﻪ اﻟﻤﺴﻠﻢ ﺗﺘﺒﻊ اﻟﻠﻪ ﻋﻮﺭﺗﻪ، ﻭﻣﻦ ﺗﺘﺒﻊ اﻟﻠﻪ ﻋﻮﺭﺗﻪ ﻳﻔﻀﺤﻪ ﻭﻟﻮ ﻓﻲ ﺟﻮﻑ ﺭﺣﻠﻪ»!
قال: ﻭﻧﻈﺮ اﺑﻦ ﻋﻤﺮ ﻳﻮﻣﺎً ﺇﻟﻰ -اﻟﺒﻴﺖ ﺃﻭ ﺇﻟﻰ اﻟﻜﻌﺒﺔ- فقال: ﻣﺎ ﺃعظمك ﻭﺃﻋﻈﻢ ﺣﺮﻣﺘﻚ، ﻭاﻟﻤﺆﻣﻦ ﺃﻋﻈﻢ ﺣﺮﻣﺔ ﻋﻨﺪ اﻟﻠﻪ ﻣﻨﻚ"، رواه الترمذي.
فأي أمر بلغ أمر المؤمن حتى كان التعامل معه معيارًا لصدق الإيمان وحقيقته.
يا رب، اغفر وتجاوز.

• ملاينة الفجّار. (حديث حول ميزان الخصومات)

     الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول ﷲ أما بعد:‏
    فليس أغيظ عندي من صاحب العلم والذكاء والنظر حين يعود من علمه بارد الحس عند المنكر، طري القلب مع الفاجر، مبسوط الثناء والإعذار لأعداء الشريعة!
     فإنه كلما عظم مقام الله في قلب العبد كلما ثقل لسانه عن ذكر صرحاء أعداء ﷲ إلا بذم وثلب، حتى إنه ربما تحقق في عدو من أعداء الشريعة فضيلة من خلق أو ذكاء؛ فتلوّى عليه لسانه عن مدحه وقمط عن الثناء عليه.
     ‏ولقد رأيت بعض أهل الفضل عاد مادحًا لرأس من رؤوس الباطل، وإمام من أئمة الضلالة دون أن يتوارى بقوله، ومن غير أن يخبئ كلامه، ثم رأيت بعض المصفقين، سخنت كفوفهم حماسة لقوله، وفرحا بمدحه! 
     عاد ذلك الفاضل يثني على د. طه حسين، يصف لطفه وسماحته ووفاءه.
• كأن طه لم يقل يومًا عن القرآن: "لم لا يكون من حق الناس أن يعلنوا آراءهم فى هذه الكتب من حيث هى موضع للبحث الفني والعلمي"!
• ربما كان طه سهلًا طيب الخلق مع عشرائه، ولكنه كان ينكر وجود إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام-!
وكان يزعم: أن قصتهما من تلفيق العرب الذي صدقه القرآن!
• إنك إن اثنيت على طه بذكر مكانته الأدبية العالية، حتى كان يُستقبل استقبال الملوك! لا تنس أن تثني عليه بسفوله في دينه ومعتقده وقلمه حين كان يقول: "ليس يعنيني هنا أن يكون القرآن الكريم قد تأثر بشعر أمية بن أبى الصلت أو لا يكون"!
• وقد قيل عن طه: إنه كان وفيًا لخصومه كوفائه لطلابه، لكنه لم يكن وفيًا لدين ﷲ لما قال: "هذه الحنيفية التي لم نستطع إلى الآن أن نتبين معناها الصحيح"!
أين وفاؤه حين قال: "فليس ما يمنع قريشًا من أن تتقبل هذه الأسطورة! التي تفيد أن الكعبة من تأسيس إسماعيل وإبراهيم"!
• لقد قضى طه حياته وسلّط قلمه ألبا على القرآن والوحي، حتى كان يقول عن مكي سور القرآن: "ما هو جدير بالبيئات الجاهلية التي تشبه بيئة مكة تأخراً وانحطاطا"، وعن سور القرآن المدني: "أثر واضح من آثار التوراة"!
‏• ألم يكن (الدكتور طه) ذكيًا أديبًا ألمعيًا؟ لا أدري فإنه كان يمتص آراء المستشرق (مرجليوث) وأمثاله من المستشرقين كجريجوار وجريدور وسكايف ولالاند وسانياك، ثم ينفخ فيها من قلمه، ويصبغها بلسانه فإذا هي حية تسعى بين الكلام!
• لا تحدثني عن ‏موضوعيته وإنصافه؟ فأين كان إنصافه حين صادر تاريخ مصر الإسلامي؛ فقام يربط مصر والمصريين بالفرعونية وبحضارة البحر الأبيض والغرب والحضارة اليونانية.‏
• ولئن ظنه بعضهم أكاديميًا عريقًا؟ فنعم، فما ظنك برجل أعطي (٧) شهادات دكتوراة (فخرية) من جامعات أوروبا!
في وقت حربها العاصف على المسلمين!
• وأما بيع المبادئ فدونك ذلك الولاء الرخيص للقصر، وإنشاء مجلة الكاتب المصري الداعمة لليهود، وتنقله من معارضة حزب الوفد ليكون قطبًا من أقطابه في ميوعة فكرية رخيصة؟
• وربما قيل: لكنه كتب كتابه: (على هامش السيرة) في مراحل متأخرة من حياته! فنعم صدقت! ثم شحنه بكلام يدسّ فيه السخرية والتهكم والاستهزاء!
• لقد قضى طه خمسين عامًا في حرب الإسلام والقرآن والنبي ﷺ، ثم يأتي د. محمد عمارة ليكتب كتابه (من الانبهار بالغرب إلى الانتصار للإسلام)، ويدلل على ذلك بنتف من كتبه التي ألفها بأخرَة، مما ظاهره فيه الرحمة وفي سُفَطه الموت الزؤام! لتتكرر تلك السقطة التي يسقط فيها بعض دعاة الإسلام في كل مرة!
• لا يغفلك ذلك عن أن حرب (طه حسين) الظاهرة على الإسلام، هتكها وكشف سترها أدباء الإسلام وعلماؤه، فما زال أمره في سفال، لكنه في ذلك الوقت عاد يسلك سبيلا يضرب به الإسلام والدعوة من داخلها بكتب من مثل: (على هامش السيرة)!
اللهم إني أبرأ إليك.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله محمد، وعلى آله وصحبه.



الثلاثاء، 19 مايو 2020

مشروعية صلاة العيد في البيوت، والفرق بينها وبين الجمعة.

بسم الرحمن الرحيم
     الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول ﷲ وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد:
فمن لم يستطع شهود صلاة العيد مع المسلمين، ومنعه من ذلك عذر، كالمرضى والعجزة والمحبوسين أو من تأخر حتى صليت في بلده، أو كان مسافرًا، وكذا من حبسه عذر الحجر والحظر في مثل هذا الوباء، فإنه يشرع له صلاة ركعتين بتكبير كتكبير الإمام عند جماهير السلف.
وقد جاء ذلك عن أنس بن مالك، وهو مذهب الحسن وابن سيرين وابن الحنفية وعطاء في قول، وقتادة وعكرمة والنخعي وحماد ومالك والشافعي وأحمد وابن أبي شيبة وابن المنذر، واختاره البخاري وبوّب عليه: "باب: إذا فاتته صلاة العيد يصلي ركعتين"، واستدلوا: بما ثبت ذلك عن أنس في ذلك، ولأن القضاء يحكي الأداء.
- فإن لم يكبر كتكبير الإمام فلا حرج، ﻭهو مذهب ﻋﻄﺎء في قول، ﻭاﻷﻭﺯاﻋﻲ ﻭرواية عن ﺃﺣﻤﺪ.
- والتخيير بين أن يكبر فيه أو يترك رواية عن أحمد.
- ويجهر بالقراءة خاصّة إذا صلى جماعة، فإن صلى منفردًا فهو مخيّر.
- ولا يخطب فيها.
• وجاء عن ابن مسعود بأسانيد صحاح أنه يصليها أربعًا، وهو قول الشعبي، والضحاك، ﻭاﻟﺜﻮﺭﻱ، ﻭﺃﺣﻤﺪ ﻓﻲ ﺭﻭاﻳﺔ، واختاره ابن تيمية.
فمن صلّاها أربعًا فلا حرج.
وروى البيهقي عن علي أنه: "ﺃﻣﺮ رجلًا ﺃﻥ ﻳﺼﻠﻲ ﺑﻀﻌﻔﺔ اﻟﻨﺎﺱ ﻳﻮﻡ اﻟﻌﻴﺪ ﺃﺭﺑﻊ ﺭﻛﻌﺎﺕ ﻓﻲ اﻟﻤﺴﺠﺪ".
- ﻭﻋﻦ ﺃﺣﻤﺪ: ﻳﺨﻴّﺮ ﺑﻴﻦ ﺃﻥ ﻳﺼﻠﻲ ﺭﻛﻌﺘﻴﻦ ﺃﻭ ﺃﺭﺑﻌًﺎ.

• والفرق بين الجمعة والعيد:
- أن العيد لا يشترط ﻟﻬﺎ اﻟﻌﺪﺩ ﻭاﻻﺳﺘﻴﻄﺎﻥ ﻭغيرها من شرائط الجمعة عند أكثر العلماء، ولذا يصليها اﻟﻤﻨﻔﺮﺩ ﻟﻨﻔﺴﻪ ﻓﻲ اﻟﺴﻔﺮ ﻭاﻟﺤﻀﺮ ﻭاﻟﻤﺮﺃﺓ ﻭاﻟﻌﺒﺪ ﻭﻣﻦ فاتته.
- وصلاة العيد يصليها الناس إذا لم يعلموا بالفطر إلا بعد الزوال، وأما الجمعة فلا تقضى لو خرج وقتها.
- والخطبة ليست شرطًا ولا واجبة في صلاة العيد بخلاف الجمعة عند عامّة السلف.
- ولأن الجمعة في حق المعذور تؤول إلى بدل وهي صلاة الظهر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ﻭاﻟﺠﻤﻌﺔ ﻛﻞ ﻣﻦ ﻓﺎتته ﺻﻠﻰ اﻟﻈﻬﺮ؛ ﻷﻥ اﻟﻈﻬﺮ ﻭاﺟﺒﺔ ﻓﻼ ﺗﺴﻘﻂ ﺇﻻ ﻋﻤﻦ ﺻﻠﻰ اﻟﺠﻤﻌﺔ، ﻓﻼ ﺑﺪ ﻟﻜﻞ ﻣﻦ ﻛﺎﻥ ﻣﻦ ﺃﻫﻞ ﻭﺟﻮﺏ الصلاة ﺃﻥ ﻳﺼﻠﻲ ﻳﻮﻡ اﻟﺠﻤﻌﺔ ﺇﻣﺎ اﻟﺠﻤﻌﺔ ﻭﺇﻣﺎ اﻟﻈﻬﺮ، ﻭﻟﻬﺬا ﻛﺎﻥ اﻟﻨﺴﺎء ﻭاﻟﻤﺴﺎﻓﺮﻭﻥ ﻭﻏﻴﺮﻫﻢ ﺇﺫا ﻟﻢ ﻳﺼﻠﻮا اﻟﺠﻤﻌﺔ ﺻﻠﻮا ﻇﻬﺮًا، ﻭﺃﻣﺎ ﻳﻮﻡ اﻟﻌﻴﺪ ﻓﻠﻴﺲ ﻓﻴﻪ ﺻﻼﺓ ﻣﺸﺮﻭﻋﺔ ﻏﻴﺮ ﺻﻼﺓ اﻟﻌﻴﺪ، ﻭﺇﻧﻤﺎ ﺗﺸﺮﻉ ﻣﻊ اﻹﻣﺎﻡ ﻓﻤﻦ ﻛﺎﻥ ﻗﺎﺩﺭًا ﻋﻠﻰ ﺻﻼﺗﻬﺎ ﻣﻊ اﻹﻣﺎﻡ ﻣﻦ اﻟﻨﺴﺎء ﻭاﻟﻤﺴﺎﻓﺮﻳﻦ ﻓﻌﻠﻮﻫﺎ ﻣﻌﻪ ﻭﻫﻢ ﻣﺸﺮﻭﻉ ﻟﻬﻢ ﺫﻟﻚ، ﺑﺨﻼﻑ اﻟﺠﻤﻌﺔ ﻓﺈﻧﻬﻢ ﺇﻥ ﺷﺎءﻭا ﺻﻠﻮﻫﺎ ﻣﻊ اﻹﻣﺎﻡ ﻭﺇﻥ ﺷﺎءﻭا ﺻﻠﻮﻫﺎ ﻇﻬﺮا؛ ﺑﺨﻼﻑ اﻟﻌﻴﺪ ﻓﺈﻧﻬﻢ ﺇﺫا ﻓﻮﺗﻮﻩ ﻓﻮﺗﻮﻩ ﺇﻟﻰ ﻏﻴﺮ ﺑﺪﻝ، ﻓﻜﺎﻥ ﺻﻼﺓ اﻟﻌﻴﺪ ﻟﻠﻤﺴﺎﻓﺮ ﻭاﻟﻤﺮﺃﺓ ﺃﻭﻛﺪ ﻣﻦ ﺻﻼﺓ ﻳﻮﻡ اﻟﺠﻤﻌﺔ، ﻭاﻟﺠﻤﻌﺔ ﻟﻬﺎ ﺑﺪﻝ ﺑﺨﻼﻑ اﻟﻌﻴﺪ، ﻭﻛﻞ ﻣﻦ اﻟﻌﻴﺪﻳﻦ ﺇﻧﻤﺎ ﻳﻜﻮﻥ ﻓﻲ اﻟﻌﺎﻡ ﻣﺮﺓ ﻭاﻟﺠﻤﻌﺔ ﺗﺘﻜﺮﺭ ﻓﻲ اﻟﻌﺎﻡ ﺧﻤﺴﻴﻦ ﺟﻤﻌﺔ ﻭﺃﻛﺜﺮ، ﻓﻠﻢ ﻳﻜﻦ ﺗﻔﻮﻳﺖ ﺑﻌﺾ اﻟﺠﻤﻊ ﻛﺘﻔﻮﻳﺖ اﻟﻌﻴﺪ".
والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول ﷲ.

الاثنين، 18 مايو 2020

السحرة وفرعون (بين وعي المعركة، ومعركة الوعي)

بسم ﷲ الرحمن الرحيم
     الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول ﷲ وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فهنا ذكريات من ذكريات الدعوة، وقصة من قصص التضحية، وخبر من أخبار الصلابة في ذات ﷲ.
إنها قصة إيمان السحرة وثباتهم أمام فرعون، واستعلائهم على الوعيد، وانتضائهم أمام التهديد.
وهي قصة فريدة الشبه في تاريخ الدعوة، وأحدوثة عزيزة المثال في قافلة المصلحين، وحدث نادر في السجل الدعوي الطويل، فإنَّ انقلاب أخصّ أعوان الباطل إلى صف الدعوة والحق والإيمان في موقف واحد؛ حدث نادر في تاريخ مواجهة الحق والباطل.
ولقد حكى ﷲ مقالات فرعون للسحرة التائبين، ومخاطباته لهم، فجاء فيها ذكرٌ لبعض مسالك المنحرفين في الصدّ عن سبيل الدعوة، ومناهجهم في معارضة الوحي، وطرقهم في التحريض على حملة الرسالة.
وحكى القرآن مقالات السحرة التائبين في ذلك المقام، وذكر تفاصيل خطابهم حين ﺃﺷﺮﻗﺖ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺃﻧﻮاﺭ اﻟﺮﺳﺎﻟﺔ، فتحولوا ذلك التحول العجيب ﻋﻦ ﺟﻬﺎﻟﺔ اﻟﻜﻔﺮ ﻭﻗﺴﺎﻭﺗﻪ، ﺇﻟﻰ ﺣﻜﻤﺔ اﻹﻳﻤﺎﻥ ﻭﺛﺒﺎﺗﻪ.

•• فكان مما جاء فيها من تفاصيل سبيل المجرمين:
• اعتقاد الطغاة أنهم يملكون القلوب، وأن لهم سلطانًا على الأرواح:
ولذلك ترى فرعون تعجّب من إيمانهم دون استئذان! فقال: ﴿آمَنتُم بِهِ قَبلَ أَن آذَنَ لَكُم﴾!
لقد تعجب فرعون من مسارعتهم للإيمان بالرسالة، ورأى في عدم استئذانهم غريبة في قانون الطاعة! 
إن أصحاب الانحراف لا يدركون أثر الوحي في القلوب، ولا يدرون كيف تشرق أنواره في الروح،  ولا يدركون كيف تكون النفوس حين تخالطها بشاشة الإيمان. 
وأما فرعون فإنه لكثرة اعتياده استعباد الناس، وطول طغيانه عليهم، صار يعتقد أنه يملك سلطةً على العقول، ورقابة على الأفكار، وﺗﺼﺮيفًا للأرواح، فعدّ الخروج عن ذلك جريمة تستحق أشد عقوبة.
ثم انظر إلى مقالته هذه كيف ﺃﻭﻫﻢ الناس ﺃن السحرة ﻟﻮ اﺳﺘﺄﺫﻧﻮﻩ في الإيمان ﻷﺫﻥ ﻟﻬﻢ، وأن الأمر ليس يعدو أن يطلبوا الإذن في التوحيد فيأذن ليدخلوا في دين ﷲ!
كأن القضية ترتيب إداري يحتاج معه لمقدمة من المقدّمات السلطانية، وكأن شأن الإيمان والتوحيد كعبثهم في دينهم الذي يقلبونه بين أصابعهم كيف شاؤوا!
وهل يملك المؤمن قلبه إذا توقد بالإيمان! وهل يملك صاحب الهدى إذا اهتزَّت نفسه بإشراق الوحي أن يمسكها؟
ثم لعلك رأيت هذا أمرًا عجبًا! فلا تعجب له، ولا تستفزك غرابته، فإنك واجد في زمانك نفس ما استنكرته متلونًا بلون آخر، ألست ترى كيف يجرّم المسلم إذا أتى عبادة تخالف ما عليه الإذن، وتستباح عقوبة المصلح بذلك، ولا تجد له منكرًا.

• إظهار الحياد والنزاهة في الإجراءات الجنائية:
فإنَّ فرعون أظهر أنه لم يغضب لإيمانهم بالحجّة واتباعهم الدليل، فقال حين سقط في باب المناظرة: ﴿آمَنتُم لَهُ قَبلَ أَن آذَنَ لَكُم﴾.
ولأهل الفجور تحايل والتفاف على هزائمهم وسقطاتهم، فإن فرعون علم أن لو أنزل العقوبة عليهم دون تعلل منه؛ لقيل: هذا نكث لأصول المناظرة، ورجوع عن الدلائل، فاختلق هذه التهمة، وزوَّر هذا التجريم.

• الاتهام بزعامة المؤامرة:
فقال: ﴿إِنَّهُ لَكَبيرُكُمُ الَّذي عَلَّمَكُمُ السِّحرَ﴾.
وهذه التهمة ليست تهمةً وليدة الصدمة، ألقاها فرعون حين دهشته السحرة بإيمانها، بل لقد قالها لموسى ﷺ في أول ما جاء يدعوه حين رأى الآيات، قبل لقاء السحرة: ﴿قالَ أَجِئتَنا لِتُخرِجَنا مِن أَرضِنا بِسِحرِكَ يا موسى﴾.
فلما عاد عليه الغُلب عاد يكرر مقالته، ويعيد تهمته.
ولقد كان فرعون متناقضًا في اتهاماته، فمرّة يتهم موسى بأنه زعيم السحرة، ومرة يتهمه بأنه مسحور، كما ذكر ﷲ عنه: ﴿فَقالَ لَهُ فِرعَونُ إِنّي لَأَظُنُّكَ يا موسى مَسحورًا﴾.
وهي عادة أهل الانحراف في كل وقت، يرمون أهل الإصلاح بالتهمة ثم بمقابلها، ويعيبونهم بالظنائن وبنقائضها، فإنهم في تهمتهم لأهل الدعوة لا يصدرون عن نظر صدق، وليسوا إذ كذبوا يكذبون بحذق.
ولقد كان لتزييف الوعي هذا أثره على الجماهير، فإن تراكُم دعاوى الباطل تخترق الإدراك، حتى لعل الناس لا ينفكون عن أثرها، ومن عجيب ذلك أنه ﷻ حكى مقالة قوم فرعون لموسى ﷺ فقال: ﴿وَقالوا يا أَيُّهَ السّاحِرُ ادعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنا لَمُهتَدونَ﴾! فهل رأيت أعجب من ذلك؟! يسمونه ساحرًا، مع إقرارهم بحاجتهم لدعائه وصلاحه!

• ومن أعداء الدعوة من يقع في ورطة قيام الأدلة، ونزاهة المصلحين، وسمو دعواتهم، فلا يجد له ما ينفذ عليهم به إلا أن يتهمهم بالتحزب خلف حزب له مآربه ومقاصده، فإذا فعل ذلك سهل عليه بعدُ أن يجعل كل منقبة للدعوة وفضيلة لأهلها موطن ذم ومحل عيب.

• إفراغ الدعوة من ربّانيتها، وتجريد المصلحين من براهينهم:
فإنَّ فرعون قال لما رأى الحجة: ﴿إِنَّ هذا لَمَكرٌ مَكَرتُموهُ فِي المَدينَةِ﴾.
فحرص فرعون على نفي البرهنة على الإيمان، وأن توبة السحرة ليس لقوة الدلالة والحجة، ولكن لأجل التواطئ مع موسى، وأن ما يرى الناس من البينات في كلامهم ليس كما يُظن، وأﻥ ﻣﻮﺳﻰ ﻟﻢ ﻳﺄﺕِ ﺑﻤﺎ ﻳﻌﺠﺰ اﻟﺴﺤﺮﺓ، ﺇﺩﺧﺎلًا ﻟﻠﺸﻚ ﻋﻠﻰ ﻧﻔﻮﺱ اﻟﺬﻳﻦ ﺷﺎﻫﺪﻭا اﻵﻳﺎﺕ.

• تجييش الناس على موسى ومن معه، واستثارتهم عليهم باتهامهم في مرغوبات الناس:
فإن الله ذكر عنه أنه قال: ﴿لِتُخرِجوا مِنها أَهلَها فَسَوفَ تَعلَمونَ﴾.
لقد أراد فرعون أن يستفزّ الناس لمواجهة موسى معه، فأراد أن يشرك معه الناس في عداوة موسى، وليس أكثر نهزة من أن يتهمه بمنازعة الناس في أرضهم وأوطانهم، فإنه ليس أشد عند العقلاء من مفارقة الأوطان، ومباينة مآلف النعم، فأدار فرعون التهمة على ما عرف من طبائع الناس في ذلك.

• اللجوء للبطش، والتهديد بالعقوبة:
حكى ﷲ عن فرعون قوله: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيدِيَكُم وَأَرجُلَكُم مِن خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُم أَجمَعين﴾.
فإن النفس الطاغية سبعية الانتقام، تجد الراحة في القهر، وتشفى لصوت المعذبين.
وفي كلام فرعون هذا انتقال من التهديد المجمل إلى التهديد المفصل: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيدِيَكُم وَأَرجُلَكُم مِن خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُم أَجمَعينَ﴾، فإن عرض تفاصيل التنكيل والعذاب ربما أوهن العزائم، وأرخى الهمم.
ولقد بالغ في التهديد بالعقوبة حتى قال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُم في جُذوعِ النَّخلِ﴾، فلم يقل: على جذوع النخل، وإنما قال: ﴿في جُذوعِ النَّخلِ﴾، ليخبر ﺃﻧﻪ ﺻﻠﺐ ﻣﺘﻤﻜﻦ ﻳﺸﺒﻪ ﺣﺼﻮﻝ اﻟﻤﻈﺮﻭﻑ ﻓﻲ اﻟﻈﺮﻑ.

• التسبيب القضائي الفرعوني للعقوبة:
فإنه لما ذكر المقصد من العقوبة قال: ﴿وَلَتَعلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذابًا وَأَبقى﴾.
والطاغية يحب أن يبقى الخوف في نفوس الناس، لعلمه أنّ الخوف يذل أعناق الأجيال، ويطامن العقول، وينمط التفكير.

•• وهناك في مقابل جبروت فرعون كان الحديث نديًا عن ثبات أهل العزيمة الإيمانية، وصلابتهم حين عرفوا الحق، واستمساكهم بالعروة حين اطلعوا على نور الحقيقة.
وستجد فيما نقل عنهم القرآن مواعظ للدعاة والمصلحين، مواعظ في الثبات، والبصيرة بالطريق، والوعي الدعوي بالعدو، وكمال العبودية لله.
وسترى في مقالات السحرة التائبين جامعًا حاضرًا وأمرًا مشهودًا في كل ما نقل القرآن عنهم، ستجد أنهم لم يلينوا القول لفرعون ليتعطّف عليهم، ولم يأتِ في مخاطبتهم له نأمة استعظام! ولا رمزوا له بحاجب استرحام! بل تصلّفوا معه في القول، ولم يبالوه بالهم!

•• ومما ذكر القرآن من تفاصيل سبيل المؤمنين:
• الوعي بالمعركة بين الحق والباطل:
لقد كان هؤلاء التائبون أهل وعي بالباطل وطرقه، فردوا عليه تهمته لهم بالمؤامرة والمكر، فقالوا: ﴿وَما تَنقِمُ مِنّا إِلّا أَن آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتنا﴾.
لقد بيَّنوا أن الخلاف مع فرعون خلاف عقدي ديني، وأدركوا حقيقة المعركة، فكشفوا للناس أن الخصومة مع فرعون ليست خلافًا على السلطة كما يصوره فرعون، ولكنه صراع عقدي،  ومواجهة دينية.
ويجب على أهل الدعوة أن يكونوا بالرصَد لكيد المبطلين، فيفقهوا حقيقة المواجهة، ويعرفوا وسائلها.
ولقد تجد كثيرًا من أهل الدعوة ذوي بصيرة بحقيقة الخصومة مع الباطل، لكن القصور يأتي من نقص البصيرة في أشخاص المنحرفين، ووسائل الانحراف وطرقه.

• اللجأة إلى ﷲ:
لما علموا حقيقة الموقف، وخطورة المواجهة سألوا ربهم الصبر، فقالوا: ﴿رَبَّنا أَفرِغ عَلَينا صَبرًا وَتَوَفَّنا مُسلِمينَ﴾.
فسألوه أن يفرغ عليهم كأنهم سألوا أن يصب عليهم من كل الصبر لا من بعضه، ثم انظر كيف سألوه صبرًا بصيغة التنكير، ليكون صبرًا تامًا كاملًا.

• تعظيم الوحي:
فلقد واجه المؤمنون تهديد الطاغية باستعلاء الواثق كأنما يهزؤون به: ﴿قالوا لَن نُؤثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ﴾!
فكانوا يرون في الرسالة من البينات والحجج ما جعلهم لا يقدمون عليها شيئًا.
- ولقد كان هؤلاء التائبون يواجهون شدة الباطل بوجه من حديد، يقمعون كبره، ويقمؤون صلفه، ولذا تراهم أكدوا مقالتهم بالقسم، فقالوا: ﴿وَالَّذي فَطَرَنا﴾.

• الاستهتار بالباطل:
ومما حكى القرآن عن أولئك التائبين استهتارهم بالوعيد، واستهانتهم بالتهديد، وعدم احتفالهم به، فقالوا: ﴿فَاقضِ ما أَنتَ قاضٍ﴾.
لقد كانوا للتو أنصارًا للكفر، أعوانًا له على الزيف، عاشوا حياتهم في خدمة الطاغوت، فصاروا إلى هذا الثبات، وتحولوا إلى هذا المقام، وهكذا يفعل اليقين إذا رسخ، والإيمان إذا تمكن حقًا، دعك من أولئك الذين إنما عرفوا التوحيد في قاعات الدراسة، وأخذوا مسائله العلمية في الحلق، ثم إذا أريد على شيء من دينه لم يتعاظم عليه أن يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، ولا يبالي.

• الوعي بحدود قدرات أعداء الدعوة:
ومما حكاه القرآن عن أولئك المؤمنين معرفتهم الحقيقية لقدرات الباطل وأهله، فذكر عنهم استصغارهم لأهل الباطل، لاستصغارهم الدنيا، فقالوا: ﴿إِنَّما تَقضي هذِهِ الحَياةَ الدُّنيا﴾، فإن اﻟﻘﺼﺮ اﻟﻤﺴﺘﻔﺎﺩ ﻣﻦ (ﺇﻧﻤﺎ) قصر حقيقي، فقدرات الطاغية مقصورة على هذه الدنيا، لا تتجاوزه إلى القضاء في الآخرة، وموازين أهل الإيمان، مختلفة عن موازين الماديين، ومعاييرهم ليست كمعاييرهم.
إنه انتصار المبدأ الشريف على المادية، وخبر من أخبار الرجوع العفيف عن العمالة، فبينا كانوا يطلبون تلك اللعاعة، ويتطاولون للتقرب من السلطة، هاهم الآن يضحون بحياتهم كلها في ذات ﷲ.
واستشعار المصلح والداعية هذا المعنى معين على الثبات، فإنما بلاء الدعوة من محبة الدنيا وإيثارها والرضا بها، لكن حين تشرق هدايات الوحي في النفس، وتكسو الروح الطمأنينة، يغدو كل ما في الدنيا زهيدًا متصاغرًا!

• لقد انتقل اﻟﺴﺤﺮﺓ التائبون من مقام التبعية لفرعون إلى مقام اﻟﻤﻌﻠﻢ اﻟﻤﺴﺘﻌﻠﻲ، فأخذوا يوجهونه ويعلمونه: ﴿إِنَّهُ مَن يَأتِ رَبَّهُ مُجرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَموتُ فيها وَلا يَحيى • وَمَن يَأتِهِ مُؤمِنًا قَد عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلى﴾.
وهكذا الإيمان والوحي والدعوة، ينتقل بها المؤمن من مقام التبعية، وعيش الهامشية، ليصبح حر التفكير، ينشر الدعوة، ويدفع الفجور، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، قوّامًا بالحق في الأرض.

• لقد رد هؤلاء التائبون على التهديد بردٍ تُوْقده حرارة الإيمان، فقالوا: ﴿لا ضَيرَ﴾!
﴿لا ضَيرَ﴾!
ﷲ، ما أعظم الكلمة، وأعزّ العبارة!
إنهم يعرفون مَن يخاطبون! إنهم يعلمون أنهم يكلّمون فرعون الذي كان ينتزع الأطفال من حجور أمهاتهم، وأحضان أهليهم ليذبحهم، لكنها ﺻﻮﻟﺔ اﻟﺤﻖ حين تقوم في القلوب، ﻭﻧﻮﺭ الوحي حين يشرق في الروح، ﻭبرودة اليقين حين تنزل القلوب اﻟﻤﻬﻴﺄﺓ ﻟﺘﻠﻘﻲ الهدى.

• تذكّر الآخرة:
فإن تذكر المآب إلى الله سلوة للمؤمن، فقالوا: ﴿إِنّا إِلى رَبِّنا مُنقَلِبونَ﴾، وهذه الجملة ﺗﻌﻠﻴﻞ ﻟﻨﻔﻲ الضير.
وفيه معنى الفرح بلقاء ﷲ، ومحبة الشهادة، وكأنهم رأوا أن الحياة لا تستحق أن يحرص عليها المؤمن، وإنما يكون حرصه على النجاة في الآخرة، ولذا قابل السحرة التائبون كلمة فرعون: ﴿وَلَتَعلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذابًا وَأَبقى﴾، بالكلمة الطيبة، فقالوا: ﴿وَاللَّهُ خَيرٌ وَأَبقى﴾، وصراع الدعوة هو صراع الكلمة! صراع بين الكلمة الخبيثة والكلمة الطيبة.

• ثم كانوا مع عظم ثباتهم، وعلو وقفتهم تلك في وجه الطاغوت؛ قائمين بعبودية التواضع لله:
- فاستعلموا الأدب مع الله فقالوا: ﴿إِنّا نَطمَعُ أَن يَغفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا﴾، فإن الطمع ﻳﻄﻠﻖ ﻭﻳﺮاﺩ ﺑﻪ اﻟﻈﻦ، ﻛﻤﺎ ﻓﻲ ﻗﻮﻝ ﺇﺑﺮاﻫﻴﻢ ﷺ: ﴿وَالَّذي أَطمَعُ أَن يَغفِرَ لي خَطيئَتي يَومَ الدّينِ﴾، فتأدبوا ﻣﻊ اﻟﻠﻪ ﻷﻧﻪ ﻳﻔﻌﻞ ﻣﺎ ﻳﺮﻳﺪ.
- ثم ذكروا رجاءهم في المغفرة، وهو حال عظيم من أحوال المعرفة بالله، فلم يجمح بهم شموخهم على الطغيان أن يشمخوا في أنفسهم، ولم تأخذهم عزتهم تلك أن يتعاظموا فعلهم.
والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
خميس مشيط، ٢٦/ ٩/ ١٤٤١