الأحد، 27 يونيو 2021

مواعظ الحج: إحاطة الفتن بالقلوب!

 الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله محمد، ﷺ، أما بعد: 

ففي سياق الآيات التي خاطب الله بها المؤمنين في حال النسك: (یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَیَبۡلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَیۡءࣲ مِّنَ ٱلصَّیۡدِ تَنَالُهُۥۤ أَیۡدِیكُمۡ وَرِمَاحُكُمۡ لِیَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن یَخَافُهُۥ بِٱلۡغَیۡبِۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَ ٰ⁠لِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِیمࣱ).

فقد دلت هذه الآية الجليلة أن الفتنة والبلاء والامتحان تعرض للعبد حتى وإن كان في حال فاضل من العبادة كالتنسك بالعمرة والحج.

فلا يزال المؤمن في دنيا الامتحان، تعرض له الفتن وتحوطه في أهله وماله، كما جاء في الصحيحين:

عن ﺣﺬﻳﻔﺔ، ﻗﺎﻝ: ﻛﻨﺎ ﺟﻠﻮﺳﺎ ﻋﻨﺪ ﻋﻤﺮ ﺭﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ، ﻓﻘﺎﻝ: ﺃﻳﻜﻢ ﻳﺤﻔﻆ ﻗﻮﻝ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﻓﻲ الفتنة، ﻗﻠﺖ ﺃﻧﺎ ﻛﻤﺎ ﻗﺎﻟﻪ: ﻗﺎﻝ: ﺇﻧﻚ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻟﺠﺮﻱء، ﻗﻠﺖ: «ﻓﺘﻨﺔ اﻟﺮﺟﻞ ﻓﻲ ﺃﻫﻠﻪ ﻭﻣﺎﻟﻪ ﻭﻭﻟﺪﻩ ﻭﺟﺎﺭﻩ، ﺗﻜﻔﺮﻫﺎ اﻟﺼﻼﺓ ﻭاﻟﺼﻮﻡ ﻭاﻟﺼﺪﻗﺔ، ﻭاﻷﻣﺮ ﻭاﻟﻨﻬﻲ»، ﻗﺎﻝ: ﻟﻴﺲ ﻫﺬا ﺃﺭﻳﺪ، ﻭﻟﻜﻦ الفتنة اﻟﺘﻲ ﺗﻤﻮﺝ ﻛﻤﺎ ﻳﻤﻮﺝ اﻟﺒﺤﺮ"

وفي مسلم: ﻗﺎﻝ ﺣﺬﻳﻔﺔ: ﻓﺄﺳﻜﺖ اﻟﻘﻮﻡ، ﻓﻘﻠﺖ: ﺃﻧﺎ، ﻗﺎﻝ: ﺃﻧﺖ ﻟﻠﻪ ﺃﺑﻮﻙ ﻗﺎﻝ ﺣﺬﻳﻔﺔ: ﺳﻤﻌﺖ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﻳﻘﻮﻝ: «ﺗﻌﺮﺽ اﻟﻔﺘﻦ ﻋﻠﻰ اﻟﻘﻠﻮﺏ ﻛﺎﻟﺤﺼﻴﺮ ﻋﻮﺩًا ﻋﻮﺩًا، ﻓﺄﻱ ﻗﻠﺐ ﺃﺷﺮﺑﻬﺎ، ﻧﻜﺖ ﻓﻴﻪ ﻧﻜﺘﺔ ﺳﻮﺩاء، ﻭﺃﻱ ﻗﻠﺐ ﺃﻧﻜﺮﻫﺎ، ﻧﻜﺖ ﻓﻴﻪ ﻧﻜﺘﺔ ﺑﻴﻀﺎء، ﺣﺘﻰ ﺗﺼﻴﺮ ﻋﻠﻰ ﻗﻠﺒﻴﻦ، ﻋﻠﻰ ﺃﺑﻴﺾ ﻣﺜﻞ اﻟﺼﻔﺎ ﻓﻼ ﺗﻀﺮﻩ ﻓﺘﻨﺔ ﻣﺎ ﺩاﻣﺖ اﻟﺴﻤﺎﻭاﺕ ﻭاﻷﺭﺽ، ﻭاﻵﺧﺮ ﺃﺳﻮﺩ ﻣﺮﺑﺎﺩا ﻛﺎﻟﻜﻮﺯ، ﻣﺠﺨﻴﺎ ﻻ ﻳﻌﺮﻑ ﻣﻌﺮﻭﻓﺎ، ﻭﻻ ﻳﻨﻜﺮ ﻣﻨﻜﺮا، ﺇﻻ ﻣﺎ ﺃﺷﺮﺏ ﻣﻦ ﻫﻮاﻩ».

فانظر إلى سؤال عمر، وحرصه 

     فتأمل إحاطة الفتن بالقلب: «على القلوب كالحصير عودا عودا»:

أرأيت نسج الحصير كيف يكون! 

تحيط به من فوقه ومن تحته وعن يمينه وعن شماله، هكذا تحيط الفتن بالقلب بأنواعها (فتن الدنيا، فتنة المدائح، فتنة التضليل، فتنة الأهل والمال والولد، فتنة الأصحاب، وفتن كثيرة لا يزال المؤمن معها في صراع ومجاهدة، ولذلك إذا تبصر المؤمن في هذا الشأن كان أكثر استعداداً وحذراً وتحرزاً، وسيُعدّ للفتنة تجفافاً لأنه يعلم أنه ليس في سبيل سلامةٍ منها!

وقد ثبت في صحيح مسلم في وصفه ﷺ للفتن: "ومنها كرياح الصيف منها صغارٌ ومنها كبار".

أخي المبارك، أختي المباركة، إنَّ الغفلة عن الفتنة وعدم التنبه لأسباب المعاصي قد تكون سببا للقوع في الفتنة، قال ﷻ: {وحسبوا أن لا تكون فتنة فعموا وصموا}.

ثم قال بعدُ- : "إن بينك وبينها باباً مغلقاً".

فهذا عمر يخشى الفتنة ويحاذرها ويتطلب علمها ويستعلم صفاتها، فمن يأمن الفتنة لعد عمر؟!وقد دل الدليل أن قبول الفتنة يظلم القلب، قال النبي ﷺ عن أثر الفتن وعاقبة قبول القلب للفتنة: "وأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء"رواه مسلم.

وليس من الذين في قلوبهم مرض ومع ذلك تعرض له الفتنة! لكن يختلف صاحب الزيغ ومن في قلبه مرض أنها تسرع إليه الفتنة ولديه قابلية وتشرّب لهذه الفتنةمن كان في قلبه زيغٌ ومرض أسرعت إليه الفتنة أكثر من غيره كما  قال تعالى (يانساء النبيّ لستنّ كأحدٍ من النساء إن اتقيتنّ فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض)

أي ؛ الذي عنده الإستعداد لأن تخمشه الفتنة بخمشاتها!

هذا في الشهوات.

وأيضاً نفس الأمر في الشبهات:

قال تعالى: ( ليجعل مايلقي الشيطانُ فتنةً للذين في قلوبهم مرضٌ والقاسية قلوبهم)

مواعظ الحج: ذكريات البلاء والانتصار!

     الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

     فلقد كان في حجّ النبي ﷺ من المواعظ الإيمانية ما تخشع له نفوس المؤمنين، وتزكوا به أفئدتهم.

     وقد ثبت في وصف جابر لحج النبي ﷺ الذي يسميه أهل العلم: منسك جابر، أنه ﷺ صعد الصفا ﺣﺘﻰ ﺭﺃﻯ اﻟﺒﻴﺖ ﻓﺎﺳﺘﻘﺒﻞ اﻟﻘﺒﻠﺔ، ﻓﻮﺣّﺪ اﻟﻠﻪ ﻭﻛﺒﺮﻩ، وﻗﺎﻝ: «ﻻ ﺇﻟﻪ ﺇﻻ اﻟﻠﻪ ﻭﺣﺪﻩ ﻻ ﺷﺮﻳﻚ ﻟﻪ ﻟﻪ اﻟﻤﻠﻚ ﻭﻟﻪ اﻟﺤﻤﺪ ﻭﻫﻮ ﻋﻠﻰ ﻛﻞ ﺷﻲء ﻗﺪﻳﺮ، ﻻ ﺇﻟﻪ ﺇﻻ اﻟﻠﻪ ﻭﺣﺪﻩ، ﺃﻧﺠﺰ ﻭﻋﺪﻩ، ﻭﻧﺼﺮ ﻋﺒﺪﻩ، ﻭﻫﺰﻡ اﻷﺣﺰاﺏ ﻭﺣﺪﻩ» ﺛﻢ ﺩﻋﺎ ﺑﻴﻦ ﺫﻟﻚ، ﻗﺎﻝ: ﻣﺜﻞ ﻫﺬا ﺛﻼﺙ ﻣﺮاﺕ.

     اليوم بعد عذابات السنين، بعد الهجرة وترك الوطن، بعد مفارقة الأهل ومرابع الطفولة، ومعاهد الصبا، بعد الخوف والتشريد، يعود ﷺ إلى مكة، فيثني على ﷲ ﷻ ويقول: أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده!

     لقد صعد ﷺ على الصفا ورقى عليه وألقى ببصره إلى الكعبة، حيث كان يؤذى ﷺ هو وصحابته.

     هناك هناك عند الكعبة كان يلقى السلا على ظهر النبي ﷺ وهو ساجد، كما في الصحيحين ﻋﻦ اﺑﻦ ﻣﺴﻌﻮﺩ، ﻗﺎﻝ: ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﻳﺼﻠﻲ ﻋﻨﺪ اﻟﺒﻴﺖ، ﻭﺃﺑﻮ ﺟﻬﻞ ﻭﺃﺻﺤﺎﺏ ﻟﻪ ﺟﻠﻮﺱ، ﻭﻗﺪ ﻧﺤﺮﺕ ﺟﺰﻭﺭ ﺑﺎﻷﻣﺲ، ﻓﻘﺎﻝ ﺃﺑﻮ ﺟﻬﻞ: ﺃﻳﻜﻢ ﻳﻘﻮﻡ ﺇﻟﻰ ﺳﻼ ﺟﺰﻭﺭ ﺑﻨﻲ ﻓﻼﻥ، ﻓﻴﺄﺧﺬﻩ ﻓﻴﻀﻌﻪ ﻓﻲ ﻛﺘﻔﻲ ﻣﺤﻤﺪ ﺇﺫا ﺳﺠﺪ؟ فاﻧﺒﻌﺚ ﺃﺷﻘﻰ اﻟﻘﻮﻡ ﻓﺄﺧﺬﻩ، ﻓﻠﻤﺎ ﺳﺠﺪ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ ﻭﺿﻌﻪ ﺑﻴﻦ ﻛﺘﻔﻴﻪ، ﻗﺎﻝ: ﻓﺎﺳﺘﻀﺤﻜﻮا، ﻭﺟﻌﻞ ﺑﻌﻀﻬﻢ ﻳﻤﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﺑﻌﺾ ﻭﺃﻧﺎ ﻗﺎﺋﻢ ﺃﻧﻈﺮ، ﻟﻮ ﻛﺎﻧﺖ ﻟﻲ ﻣﻨﻌﺔ ﻃﺮﺣﺘﻪ ﻋﻦ ﻇﻬﺮ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ، ﻭاﻟﻨﺒﻲ ﷺ ﺳﺎﺟﺪ ﻣﺎ ﻳﺮﻓﻊ ﺭﺃﺳﻪ ﺣﺘﻰ اﻧﻄﻠﻖ ﺇﻧﺴﺎﻥ ﻓﺄﺧﺒﺮ ﻓﺎﻃﻤﺔ، ﻓﺠﺎءﺕ ﻭﻫﻲ ﺟﻮﻳﺮﻳﺔ، ﻓﻄﺮﺣﺘﻪ ﻋﻨﻪ، ﺛﻢ ﺃﻗﺒﻠﺖ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺗﺸﺘﻤﻬﻢ“.

     ها هو اليوم بأبي هو وأمي، يردد كلمات النصر، ويثني على ربه ويمدحه بمنته بانتصار جند الحق على جند الباطل: (وهزم الأحزاب وحده).

     أين أبو ﺟﻬﻞ ﺑﻦ ﻫﺸﺎﻡ، أين ﻋﺘﺒﺔ ﺑﻦ ﺭﺑﻴﻌﺔ، أين ﺷﻴﺒﺔ ﺑﻦ ﺭﺑﻴﻌﺔ، ﻭاﻟﻮﻟﻴﺪ ﺑﻦ ﻋﻘﺒﺔ، ﻭﺃﻣﻴﺔ ﺑﻦ ﺧﻠﻒ، ﻭﻋﻘﺒﺔ ﺑﻦ ﺃﺑﻲ معيط؟ أين كلّ أولئك الذين عارضوا دين ﷲ وحادوا شرعه؟

لقد أفلوا، وبقي دين ﷲ وبقيت شريعته.

     أيها المبتئسون من أحزان الطريق!

     أيّها المكروبون!

     يا من طال عليهم سبيل البلاء، لا تيأسوا، فإن نصر ﷲ آت، ودينه عزيز، وسنة نبيه ﷺ باقية.


مواعظ الحج: من فقه بناء الكعبة!

 الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول ﷲ، أما بعد:

ففي خبر بناء البيت في البخاري عن ابن عباس: (ﻛﺎﻥ اﻟﺒﻴﺖ ﻣﺮﺗﻔﻌﺎ ﻣﻦ اﻷﺭﺽ ﻛﺎﻟﺮاﺑﻴﺔ، ﺗﺄﺗﻴﻪ اﻟﺴﻴﻮﻝ، ﻓﺘﺄﺧﺬ ﻋﻦ ﻳﻤﻴﻨﻪ ﻭﺷﻤﺎﻟﻪ.

ﺛﻢ إنه لما كبر إسماعيل ﻗﺎﻝ له: ﻳﺎ ﺇﺳﻤﺎﻋﻴﻞ، ﺇﻥ اﻟﻠﻪ ﺃﻣﺮﻧﻲ ﺑﺄﻣﺮ، ﻗﺎﻝ: ﻓﺎﺻﻨﻊ ﻣﺎ ﺃﻣﺮﻙ ﺭﺑﻚ، ﻗﺎﻝ: ﻭﺗﻌﻴﻨﻨﻲ؟ ﻗﺎﻝ: ﻭﺃﻋﻴﻨﻚ، ﻗﺎﻝ: ﻓﺈﻥ اﻟﻠﻪ ﺃﻣﺮﻧﻲ ﺃﻥ ﺃﺑﻨﻲ ﻫﺎ ﻫﻨﺎ ﺑﻴﺘﺎ، ﻭﺃﺷﺎﺭ ﺇﻟﻰ ﺃﻛﻤﺔ ﻣﺮﺗﻔﻌﺔ ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﺣﻮﻟﻬﺎ، ﻗﺎﻝ: ﻓﻌﻨﺪ ﺫﻟﻚ ﺭﻓﻌﺎ اﻟﻘﻮاﻋﺪ ﻣﻦ اﻟﺒﻴﺖ، ﻓﺠﻌﻞ ﺇﺳﻤﺎﻋﻴﻞ ﻳﺄﺗﻲ ﺑﺎﻟﺤﺠﺎﺭﺓ ﻭﺇﺑﺮاﻫﻴﻢ ﻳﺒﻨﻲ، ﺣﺘﻰ ﺇﺫا اﺭﺗﻔﻊ اﻟﺒﻨﺎء، ﺟﺎء ﺑﻬﺬا اﻟﺤﺠﺮ ﻓﻮﺿﻌﻪ ﻟﻪ ﻓﻘﺎﻡ ﻋﻠﻴﻪ، ﻭﻫﻮ ﻳﺒﻨﻲ ﻭﺇﺳﻤﺎﻋﻴﻞ ﻳﻨﺎﻭﻟﻪ اﻟﺤﺠﺎﺭﺓ، ﻭﻫﻤﺎ ﻳﻘﻮﻻﻥ: {ﺭﺑﻨﺎ ﺗﻘﺒﻞ ﻣﻨﺎ ﺇﻧﻚ ﺃﻧﺖ اﻟﺴﻤﻴﻊ اﻟﻌﻠﻴﻢ}، ﻗﺎﻝ: ﻓﺠﻌﻼ ﻳﺒﻨﻴﺎﻥ ﺣﺘﻰ ﻳﺪﻭﺭا ﺣﻮﻝ اﻟﺒﻴﺖ ﻭﻫﻤﺎ ﻳﻘﻮﻻﻥ: {ﺭﺑﻨﺎ ﺗﻘﺒﻞ ﻣﻨﺎ ﺇﻧﻚ ﺃﻧﺖ اﻟﺴﻤﻴﻊ اﻟﻌﻠﻴﻢ}.

     فتأمَّل هذا الدعاء الرقيق، من هذين الرجلين الصالحين، أمرهما ﷲ ﷻ ببناء الكعبة واصطفاهما لهذا العمل الصالح، ومع ذلك كانا متذللين له تعالى، متخشعين لجلاله، يدعوان ربهما أن يتقبل منهما، وهكذا أهل التقوى يعملون العمل الصالح؛ ثم يخافون ألا يتقبل منهم، كما ثبت في الترمذي عن عائشة في قوله تعالى: (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة).

• ثم إنَّ الكعبة احترقت فأرادت قريش أن تبنيها، كما روى اﺑﻦ ﺇﺳﺤﺎﻕ ﻓﻲ اﻟﺴﻴﺮﺓ أن قريشا قالت: «ﻻ ﺗﺪﺧﻠﻮا ﻓﻴﻪ ﻣﻦ ﻛﺴﺒﻜﻢ ﺇﻻ اﻟﻄﻴﺐ ﻭﻻ ﺗﺪﺧﻠﻮا ﻓﻴﻪ ﻣﻬﺮ ﺑﻐﻲ ﻭﻻ ﺑﻴﻊ ﺭﺑﺎ ﻭﻻ ﻣﻈﻠﻤﺔ ﺃﺣﺪ ﻣﻦ اﻟﻨﺎﺱ».

      وفي الصحيحين: فعن ﻋﺎﺋﺸﺔ رضي الله عنه، ﺯﻭﺝ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ : ﺃﻥ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻗﺎﻝ ﻟﻬﺎ: «ﺃﻟﻢ ﺗﺮﻱ ﺃﻥ ﻗﻮﻣﻚ ﻟﻤﺎ ﺑﻨﻮا اﻟﻜﻌﺒﺔ اﻗﺘﺼﺮﻭا ﻋﻦ ﻗﻮاﻋﺪ ﺇﺑﺮاﻫﻴﻢ؟»، ﻓﻘﻠﺖ: ﻳﺎ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ، ﺃﻻ ﺗﺮﺩﻫﺎ ﻋﻠﻰ ﻗﻮاﻋﺪ ﺇﺑﺮاﻫﻴﻢ؟ ﻗﺎﻝ: «ﻟﻮﻻ ﺣﺪﺛﺎﻥ ﻗﻮﻣﻚ ﺑﺎﻟﻜﻔﺮ ﻟﻔﻌﻠﺖ».

 وفي لفظ ﻗﺎﻟﺖ: ﺳﺄﻟﺖ اﻟﻨﺒﻲ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻋﻦ اﻟﺠﺪﺭ ﺃﻣﻦ اﻟﺒﻴﺖ ﻫﻮ؟ ﻗﺎﻝ: «ﻧﻌﻢ» ﻗﻠﺖ: ﻓﻤﺎ ﻟﻬﻢ ﻟﻢ ﻳﺪﺧﻠﻮﻩ ﻓﻲ اﻟﺒﻴﺖ؟ ﻗﺎﻝ: «ﺇﻥ ﻗﻮﻣﻚ ﻗﺼﺮﺕ ﺑﻬﻢ اﻟﻨﻔﻘﺔ» ﻗﻠﺖ: ﻓﻤﺎ ﺷﺄﻥ ﺑﺎﺑﻪ ﻣﺮﺗﻔﻌﺎ؟ ﻗﺎﻝ: «ﻓﻌﻞ ﺫﻟﻚ ﻗﻮﻣﻚ، ﻟﻴﺪﺧﻠﻮا ﻣﻦ ﺷﺎءﻭا ﻭﻳﻤﻨﻌﻮا ﻣﻦ ﺷﺎءﻭا، ﻭﻟﻮﻻ ﺃﻥ ﻗﻮﻣﻚ ﺣﺪﻳﺚ ﻋﻬﺪﻫﻢ ﺑﺎﻟﺠﺎﻫﻠﻴﺔ، ﻓﺄﺧﺎﻑ ﺃﻥ ﺗﻨﻜﺮ ﻗﻠﻮﺑﻬﻢ، ﺃﻥ ﺃﺩﺧﻞ اﻟﺠﺪﺭ ﻓﻲ اﻟﺒﻴﺖ، ﻭﺃﻥ ﺃﻟﺼﻖ ﺑﺎﺑﻪ ﺑﺎﻷﺭﺽ، ﻭﻷﺩﺧﻠﺖ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﻦ اﻟﺤﺠﺮ.

"وﻷﻧﻔﻘﺖ ﻛﻨﺰ اﻟﻜﻌﺒﺔ ﻓﻲ ﺳﺒﻴﻞ اﻟﻠﻪ..".

ﻭفي لفظ قال ﷺ: ﻳﺎ ﻋﺎﺋﺸﺔ، ﻟﻮﻻ ﺃﻥ ﻗﻮﻣﻚ ﺣﺪﻳﺜﻮ ﻋﻬﺪ ﺑﺸﺮﻙ، ﻟﻬﺪﻣﺖ اﻟﻜﻌﺒﺔ، ﻓﺄﻟﺰﻗﺘﻬﺎ ﺑﺎﻷﺭﺽ، ﻭﺟﻌﻠﺖ ﻟﻬﺎ ﺑﺎﺑﻴﻦ: ﺑﺎﺑﺎ ﺷﺮﻗﻴﺎ، ﻭﺑﺎﺑﺎ ﻏﺮﺑﻴﺎ، ﻭﺯﺩﺕ ﻓﻴﻬﺎ ﺳﺘﺔ ﺃﺫﺭﻉ ﻣﻦ اﻟﺤﺠﺮ، ﻓﺈﻥ ﻗﺮﻳﺸﺎ اﻗﺘﺼﺮﺗﻬﺎ ﺣﻴﺚ ﺑﻨﺖ اﻟﻜﻌﺒﺔ ".

ثم إن عبد الله بن الزبير قال: ﺇﻧﻲ ﻣﺴﺘﺨﻴﺮ ﺭﺑﻲ ﺛﻼﺛﺎ، ﺛﻢ ﻋﺎﺯﻡ ﻋﻠﻰ ﺃﻣﺮﻱ، ﻓﻠﻤﺎ ﻣﻀﻰ اﻟﺜﻼﺙ ﺃﺟﻤﻊ ﺭﺃﻳﻪ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﻳﻨﻘﻀﻬﺎ.

• فقد ترك النبي ﷺ بناء الكعبة على قواعد إبراهيم مراعاة لمصلحة تأليف قلوب قريش، وهذه قاعدة شرعية مرعية، ينبغي أن يرقبها أهل الدعوة والإصلاح والتربية، وهو أن هناك من الحق ما قد يترك إذا كان هناك مصلحة أعظم منه يراد تحصليها، أو أن هناك مفسدة أعظم من تلك المصلحة يراد درؤها.

• وتأمل كيف أن قريشا على كفرها كانت تعظم البيت، حتى أخذت ألا تجعل في بنائها شيئا من المال المحرم، وفي ذلك موعظة لكل مؤمن ومؤمنة أن يعظّموا البيت الحرام والشعائر والمناسك، (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب).

مواعظ الحج: إن الله لا يضيع أهله!

 الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول ﷲ، أما بعد:

ففي الماضي السحيق، كانت مكة وادٍ لا زرع فيه ولا ماء، كانت واديا ينعق فيه الموت! وتصيح فيه الوحشة، لا يسمع فيه إلا عزيف الجن، ودوي القفر.

فجاء إبراهيم ﷺ بأمر  ﷲ ليبني فيه بيته!

فروى البخاري عن اﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ قال: ﺃﻭﻝ ﻣﺎ اﺗﺨﺬ اﻟﻨﺴﺎء اﻟﻤﻨﻄﻖ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ﺃﻡ ﺇﺳﻤﺎﻋﻴﻞ، اﺗﺨﺬﺕ ﻣﻨﻄﻘﺎ ﻟﺘﻌﻔﻲ ﺃﺛﺮﻫﺎ ﻋﻠﻰ ﺳﺎﺭﺓ، [اﻟﻤﻨﻄﻖ: ما تلبسه اﻟﻤﺮﺃﺓ وسطها فوق ﺛﻮﺑﻬﺎ وتشده ثم ترسل منه ﻋﻠﻰ اﻷﺳﻔﻞ ﻋﻨﺪ ﻣﻌﺎﻧﺎﺓ اﻷﺷﻐﺎﻝ؛ ﻟﺌﻼ ﺗﻌﺜﺮ ﻓﻲ ﺫﻳﻠﻬﺎ، ﻭﺑﻪ ﺳﻤﻴﺖ ﺃﺳﻤﺎء ﺑﻨﺖ ﺃﺑﻲ ﺑﻜﺮ ﺫاﺕ اﻟﻨﻄﺎﻗﻴﻦ]

قال ابن عباس: ﺛﻢ ﺟﺎء ﺑﻬﺎ ﺇﺑﺮاﻫﻴﻢ ﻭﺑﺎﺑﻨﻬﺎ ﺇﺳﻤﺎﻋﻴﻞ ﻭﻫﻲ ﺗﺮﺿﻌﻪ، ﺣﺘﻰ ﻭﺿﻌﻬﻤﺎ ﻋﻨﺪ اﻟﺒﻴﺖ ﻋﻨﺪ ﺩﻭﺣﺔ ﻓﻮﻕ ﺯﻣﺰﻡ ﻓﻲ ﺃﻋﻠﻰ اﻟﻤﺴﺠﺪ، ﻭﻟﻴﺲ ﺑﻤﻜﺔ ﻳﻮﻣﺌﺬ ﺃﺣﺪ ﻭﻟﻴﺲ ﺑﻬﺎ ﻣﺎء، ﻓﻮﺿﻌﻬﻤﺎ ﻫﻨﺎﻟﻚ، ﻭﻭﺿﻊ ﻋﻨﺪﻫﻤﺎ ﺟﺮاﺑًﺎ (وهو الوعاء من الجلد) ﻓﻴﻪ ﺗﻤﺮ، ﻭﺳﻘﺎء ﻓﻴﻪ ﻣﺎء، ﺛﻢ ﻗﻔﻰ ﺇﺑﺮاﻫﻴﻢ ﻣﻨﻄﻠﻘًﺎ، ﻓﺘﺒﻌﺘﻪ ﺃﻡ ﺇﺳﻤﺎﻋﻴﻞ ﻓﻘﺎﻟﺖ: ﻳﺎ ﺇﺑﺮاﻫﻴﻢ، ﺃﻳﻦ ﺗﺬﻫﺐ ﻭﺗﺘﺮﻛﻨﺎ ﺑﻬﺬا اﻟﻮاﺩﻱ، اﻟﺬﻱ ﻟﻴﺲ ﻓﻴﻪ ﺇﻧﺲ ﻭﻻ ﺷﻲء؟

ﻓﻘﺎﻟﺖ ﻟﻪ ﺫﻟﻚ ﻣﺮاﺭا، ﻭﺟﻌﻞ ﻻ ﻳﻠﺘﻔﺖ ﺇﻟﻴﻬﺎ

ﻓﻘﺎﻟﺖ ﻟﻪ: ﺁﻟﻠﻪ اﻟﺬﻱ ﺃﻣﺮﻙ ﺑﻬﺬا؟

ﻗﺎﻝ ﻧﻌﻢ!

ﻗﺎﻟﺖ: ﺇﺫﻥ ﻻ يضيعنا! ﺭﺿﻴﺖ ﺑﺎﻟﻠﻪ!

ﺛﻢ ﺭﺟﻌﺖ!

ﻓﺎﻧﻄﻠﻖ ﺇﺑﺮاﻫﻴﻢ ﺣﺘﻰ ﺇﺫا ﻛﺎﻥ ﻋﻨﺪ اﻟﺜﻨﻴﺔ ﺣﻴﺚ ﻻ ﻳﺮﻭﻧﻪ، اﺳﺘﻘﺒﻞ ﺑﻮﺟﻬﻪ اﻟﺒﻴﺖ، ﺛﻢ ﺩﻋﺎ ﺑﻬﺆﻻء اﻟﻜﻠﻤﺎﺕ، ﻭﺭﻓﻊ ﻳﺪﻳﻪ ﻓﻘﺎﻝ: (رَّبَّنَاۤ إِنِّیۤ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّیَّتِی بِوَادٍ غَیۡرِ ذِی زَرۡعٍ عِندَ بَیۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِیُقِیمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةࣰ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِیۤ إِلَیۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَ ٰ⁠تِ لَعَلَّهُمۡ یَشۡكُرُونَ).

ﻭﺟﻌﻠﺖ ﺃﻡ ﺇﺳﻤﺎﻋﻴﻞ ﺗﺮﺿﻊ ﺇﺳﻤﺎﻋﻴﻞ ﻭﺗﺸﺮﺏ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ اﻟﻤﺎء، ﺣﺘﻰ ﺇﺫا ﻧﻔﺪ ﻣﺎ ﻓﻲ اﻟﺴﻘﺎء ﻋﻄﺸﺖ ﻭﻋﻄﺶ اﺑﻨﻬﺎ، ﻭﺟﻌﻠﺖ ﺗﻨﻈﺮ ﺇﻟﻴﻪ ﻳﺘﻠﻮﻯ، وﻳﺘﻠﺒﻂ، ﻓﺎﻧﻄﻠﻘﺖ ﻛﺮاﻫﻴﺔ ﺃﻥ ﺗﻨﻈﺮ ﺇﻟﻴﻪ، ﻓﻮﺟﺪﺕ اﻟﺼﻔﺎ ﺃﻗﺮﺏ ﺟﺒﻞ ﻓﻲ اﻷﺭﺽ ﻳﻠﻴﻬﺎ، ﻓﻘﺎﻣﺖ ﻋﻠﻴﻪ، ﺛﻢ اﺳﺘﻘﺒﻠﺖ اﻟﻮاﺩﻱ ﺗﻨﻈﺮ ﻫﻞ ﺗﺮﻯ ﺃﺣﺪًا ﻓﻠﻢ ﺗﺮ ﺃﺣﺪًا، ﻓﻬﺒﻄﺖ ﻣﻦ اﻟﺼﻔﺎ ﺣﺘﻰ ﺇﺫا ﺑﻠﻐﺖ اﻟﻮاﺩﻱ ﺭﻓﻌﺖ ﻃﺮﻑ ﺩﺭﻋﻬﺎ (لباس تلبسه المرأة شبيه بالقميص القصير) ﺛﻢ ﺳﻌﺖ ﺳﻌﻲ اﻹﻧﺴﺎﻥ اﻟﻤﺠﻬﻮﺩ ﺣﺘﻰ ﺟﺎﻭﺯﺕ اﻟﻮاﺩﻱ، ﺛﻢ ﺃﺗﺖ اﻟﻤﺮﻭﺓ ﻓﻘﺎﻣﺖ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻭﻧﻈﺮﺕ ﻫﻞ ﺗﺮﻯ ﺃﺣﺪا ﻓﻠﻢ ﺗﺮ ﺃﺣﺪا -

ﻓﻔﻌﻠﺖ ﺫﻟﻚ ﺳﺒﻊ ﻣﺮاﺕ، ﻗﺎﻝ اﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ: ﻗﺎﻝ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ: «ﻓﺬﻟﻚ ﺳﻌﻲ اﻟﻨﺎﺱ ﺑﻴﻨﻬﻤﺎ».

فلما صعدت الصفا تقول: ﻟﻮ ﺫﻫﺒﺖ ﻓﻨﻈﺮﺕ ﻣﺎ ﻓﻌﻞ، ﻓﺬﻫﺒﺖ ﻓﻨﻈﺮﺕ ﻓﺈﺫا ﻫﻮ ﻋﻠﻰ ﺣﺎﻟﻪ ﻛﺄﻧﻪ ﻳﻨﺸﻎ ﻟﻠﻤﻮﺕ، [اﻟﻨﺸﻎ ﻣﺜﻞ اﻟﺸﻬﻴﻖ]، ﻓﻠﻢ ﺗﻘﺮﻫﺎ ﻧﻔﺴﻬﺎ.
ثم إنها لما ﺃﺷﺮﻓﺖ ﻋﻠﻰ اﻟﻤﺮﻭﺓ ﺳﻤﻌﺖ ﺻﻮﺗﺎ، ﻓﻘﺎﻟﺖ ﺻﻪ - ﺗﺮﻳﺪ ﻧﻔﺴﻬﺎ -، ﺛﻢ ﺗﺴﻤﻌﺖ، ﻓﺴﻤﻌﺖ ﺃﻳﻀﺎ، ﻓﻘﺎﻟﺖ: ﻗﺪ ﺃﺳﻤﻌﺖ ﺇﻥ ﻛﺎﻥ ﻋﻨﺪﻙ ﻏﻮاﺙ، ﻓﺈﺫا ﻫﻲ ﺑﺎﻟﻤﻠﻚ ﻋﻨﺪ ﻣﻮﺿﻊ ﺯﻣﺰﻡ، ﻓﺒﺤﺚ ﺑﻌﻘﺒﻪ، ﺃﻭ ﺑﺠﻨﺎﺣﻪ، ﺣﺘﻰ ﻇﻬﺮ اﻟﻤﺎء، ﻓﺪﻫﺸﺖ ﺃﻡ ﺇﺳﻤﺎﻋﻴﻞ، ﻓﺠﻌﻠﺖ ﺗﺤﻔﺰ، ﺗﺤﻮّﺿﻪ [ ﺃﻱ ﺗﺠﻌﻞ ﻟﻪ ﺣﻮﺿﺎ ﻳﺠﺘﻤﻊ ﻓﻴﻪ اﻟﻤﺎء]، ﻭﺗﻘﻮﻝ ﺑﻴﺪﻫﺎ ﻫﻜﺬا، ﻭﺟﻌﻠﺖ ﺗﻐﺮﻑ ﻣﻦ اﻟﻤﺎء ﻓﻲ ﺳﻘﺎﺋﻬﺎ ﻭﻫﻮ ﻳﻔﻮﺭ ﺑﻌﺪ ﻣﺎ ﺗﻐﺮﻑ.
ﻗﺎﻝ اﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ: ﻗﺎﻝ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ "ﻳﺮﺣﻢ اﻟﻠﻪ ﺃﻡ ﺇﺳﻤﺎﻋﻴﻞ، ﻟﻮ ﺗﺮﻛﺖ ﺯﻣﺰﻡ - ﺃﻭ ﻗﺎﻝ: ﻟﻮ ﻟﻢ ﺗﻐﺮﻑ ﻣﻦ اﻟﻤﺎء -، ﻟﻜﺎﻧﺖ ﺯﻣﺰﻡ ﻋﻴﻨﺎ ﻣﻌﻴﻨﺎ" ﻗﺎﻝ: ﻓﺸﺮﺑﺖ ﻭﺃﺭﺿﻌﺖ ﻭﻟﺪﻫﺎ، ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻬﺎ اﻟﻤﻠﻚ: ﻻ ﺗﺨﺎﻓﻮا اﻟﻀﻴﻌﺔ، ﻓﺈﻥ ﻫﺎ ﻫﻨﺎ ﺑﻴﺖ اﻟﻠﻪ، ﻳﺒﻨﻲ ﻫﺬا اﻟﻐﻼﻡ ﻭﺃﺑﻮﻩ، ﻭﺇﻥ اﻟﻠﻪ ﻻ ﻳﻀﻴﻊ ﺃﻫﻠﻪ.

     تخايل ﻫﺎﺟﺮ، ﻭﻫﻲ تنظر إلى اﻟﻤﺎء القليل في القربة، بم كانت تفكر وهي تنظر إليه ينقص شيئا فشيئا وهي تحضن طفلها اﻟﺮﺿﻴﻊ، وتلفحها لهيب صحراء ذلك الوادي ﺣﻮﻝ اﻟﺒﻴﺖ، تخايلها وﻫﻲ ﺗﻬﺮﻭﻝ ﺑﻴﻦ اﻟﺼﻔﺎ ﻭاﻟﻤﺮﻭﺓ ﻭﻗﺪ ﻧﻬﻜﻬﺎ اﻟﻌﻄﺶ، ﻭﻫﺪﻫﺎ اﻟﺠﻬﺪ، ﻭﺃﺿﻨﺎﻫﺎ اﻹﺷﻔﺎﻕ ﻋﻠﻰ اﻟﻄﻔﻞ الرضيع!

     وهي تجول مرة بعد أخرى، ﺛﻢ ﺗﺮﺟﻊ ﻓﻲ اﻟﺠﻮﻟﺔ اﻟﺴﺎﺑﻌﺔ ﻭﻗﺪ ﺣﻄﻤﻬﺎ اﻟﻴﺄﺱ، وأحاطت بها الكآبة ﻟﺘﺠﺪ الماء!

لتجد اﻟﻨﺒﻊ يبضّ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻱ اﻟﺮﺿﻴﻊ اﻟﻮﺿﻲء!

ﻭﺇﺫا ﻫﻲ ﺯﻣﺰﻡ!

تنبع في هذه الصحراء اللاهبة!

ها هو ﻳﻨﺒﻮﻉ اﻟﺮﺣﻤﺔ ﻓﻲ ﺻﺤﺮاء اﻟﻴﺄﺱ ﻭاﻟﺠﺪﺏ!

     فانظر إلى أثر التسليم لله في أمره، والرضا عن شرعه.

     انظر إلى هاجر لما سلّمت بأمر الله، وقالت: آلله أمرك بهذا؟ فلما قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا!

     لقد تقبلها ﷲ وخلّد اسمها، وأبقى ذكرها، وجعل في ذريتها أعظم نبي ﷺ، بل بارك في مسعاها وخطواتها حتى جعل عفو خطوها الذي سعته بين الصفا والمروة منسكًا للناس يتنسكون به إلى يوم الدين.

وجعل لها ماء مباركًا فيه طعام طعم وبركة، تشتاق نفوس المؤمنين في مشرق الأرض ومغربها منه غرفة.

     يا أيها الموفقون: سلموا لله أمره، واستجيبوا لشرعه، وأبشروا بالبركة والخير وطيب العيش والرضا في الدنيا والآخرة.

     كونوا من أهل الطاعة والسنة والقرآن، فإن الله لا يضيع أهله!

     فمن أخذ بطاعة ﷲ واستمسك بشرعه أكرمه ﷲ بكرامته.

     وكيف يضيع ﷲ من أطاعه وأتبع أمره، والله شكور، يشكر عبده على طاعته، ويمن عليه.

     ثم هنا موعظة للمرأة الصالحة:

كوني عونا لزوجك على طاعة الله، كوني عضيدة له في دعوته وإصلاحه، إذا ضاق بك أمر، أو شق عليك شيء، فانظري موقعه من طاعة ﷲ فإن كان في طاعة، فضحّي وجاهدي نفسك، وأبشري، فإن ﷲ لا يضيع أهله.

     لقد أكرم ﷲ أم إسماعيل بكرامة عظيمة حين سلّمت وأيقنت وقالت مقالتها العظيمة لإبراهيم عليه السلام: آلله أمرك بهذا؟ إذن لا يضيعنا الله.
     لكن انظر أخي الموفق إلى قوله ﷺ: «ﻳﺮﺣﻢ اﻟﻠﻪ ﺃﻡ ﺇﺳﻤﺎﻋﻴﻞ، ﻟﻮ ﺗﺮﻛﺖ ﺯﻣﺰﻡ، ﻟﻮ ﻟﻢ ﺗﻐﺮﻑ ﻣﻦ اﻟﻤﺎء، ﻟﻜﺎﻧﺖ ﺯﻣﺰﻡ ﻋﻴﻨﺎ ﻣﻌﻴﻨﺎ»: 
فقد ﻛﺎﻥ ﻇﻬﻮﺭ ﺯﻣﺰﻡ ﻧﻌﻤﺔ ﻣﻦ ﷲ ﻣﺤﻀﺔ ﺑﻐﻴﺮ ﻋﻤﻞ ﻋﺎﻣﻞ!
فلماذا يا هاجر تحوضين الماء؟
ألم يكرمك ربك فأرسل ملكا من السماء لينبط لك الماء؟
ألم تري فيه آية عظيمة جزاء تسليمك؟
لاجرم، ها أنت حين ﺧﺎﻟﻄﻬﺎ تلك الكرامة ﺗﺤﻮيطك وﺩاﺧﻠﻬﺎ ﻛﺴﺐ اﻟﺒﺸﺮ؛ ستوكلين إلى الجهد البشري، وسينقص من بركته بقدر ما وثق الإنسان بكسبه.
كم من بركة وخير ونور فاتنا بسبب ركوننا على أنفسنا وطاقتنا وذكائنا!
    أيها الدعاة والمصلحون والمربون: إن التوكل على ﷲ والتفويض له باب النصر والغلبة، وبحسب توكل المؤمن يكون له من التأييد والفتح، ولهذا ثبت في البخاري قال ﷺ: (هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم).
وفي المسند: أن سعدا، ﻗﺎﻝ: ﻗﻠﺖ: ﻳﺎ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ اﻟﺮﺟﻞ ﻳﻜﻮﻥ ﺣﺎﻣﻴﺔ اﻟﻘﻮﻡ، ﺃﻳﻜﻮﻥ ﺳﻬﻤﻪ ﻭﺳﻬﻢ ﻏﻴﺮﻩ ﺳﻮاء؟ ﻗﺎﻝ: «ﺛﻜﻠﺘﻚ ﺃﻣﻚ ﻳﺎ اﺑﻦ ﺃﻡ ﺳﻌﺪ، ﻭﻫﻞ ﺗﺮﺯﻗﻮﻥ ﻭﺗﻨﺼﺮﻭﻥ ﺇﻻ ﺑﻀﻌﻔﺎﺋﻜﻢ».
وفي النسائي: «ﺇﻧﻤﺎ ﻳﻨﺼﺮ اﻟﻠﻪ ﻫﺬﻩ اﻷﻣﺔ ﺑﻀﻌﻴﻔﻬﺎ، ﺑﺪﻋﻮﺗﻬﻢ ﻭﺻﻼﺗﻬﻢ ﻭﺇﺧﻼﺻﻬﻢ».
والله أعلم.

الأربعاء، 12 مايو 2021

التكبير لعيد الفطر.

     الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فالتكبير لعيد الفطر مستحب عن الجمهور، لقوله: (وَلِتُكۡمِلُوا۟ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ).

- وهو آكد من تكبير الأضحى، نقل عبد الله بن أحمد عن أبيه في مسائله ﻗﺎﻝ: "ﻳﻮﻡ اﻟﻔﻄﺮ أﺷﺪّ، ﻟﻘﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ {ﻭﻟﺘﻜﻤﻠﻮا اﻟﻌﺪﺓ ﻭﻟﺘﻜﺒﺮﻭا اﻟﻠﻪ}، ولذا بلغ أن أوجبه أهل الظاهر.

- وكان النبي ﷺ يأمر به حتى أمر به العواتق والنساء، ففي الصحيحين: قالت أم عطية: "كنّا نؤمر بالخروجِ في العيدين، قالت: الحُيَّض يخرجن فيَكُنّ خلف الناس، يكبرن مع الناس".

وهو مأثور عن الصحابة، فقد روى الدارقطني عن ابن عمر أنه كان يخرج للمصلى فيجهر بالتكبير حتى يخرج الإمام.

ونقله أحمد عن أبي قتادة رضي الله عنه، وكان رحمه ﷲ يفعله عند غدوّه للمسجد.

- ويبدأ من رؤية هلال شوال، عند كثير من السلف، كابن عباس وزيد بن أسلم.

ودلّت الآية على أن التكبير عقب إكمال العدة، وهي عدة الصوم، نصّ عليه أئمة كالشافعي.

- وينقضي بخروج الإمام لصلاة العيد.

- ويجهر بالتكبير عند أكثر أهل العلم، ﻗﺎﻝ اﻟﺸﺎﻓﻌﻲ: "ﻭﺃﺣﺐ ﺇﻇﻬﺎﺭ اﻟﺘﻜﺒﻴﺮ ﺟﻤﺎﻋﺔ ﻭﻓﺮاﺩﻯ"، وروى في الأم عن اﺑﻦ اﻟﻤﺴﻴﺐ ﻭﻋﺮﻭﺓ ﺑﻦ اﻟﺰﺑﻴﺮ ﻭﺃبي ﺳﻠﻤﺔ ﻭﺃبي ﺑﻜﺮ ﺑﻦ ﻋﺒﺪ اﻟﺮﺣﻤﻦ الجهر بالتكبير ﻟﻴﻠﺔ اﻟﻔﻄﺮ ﻓﻲ اﻟﻤﺴﺠﺪ.

ﻭاﺳﺘﺤﺐ الجهر ﻟﻤﺎ ﻓﻴﻪ ﻣﻦ ﺇﻇﻬﺎﺭ ﺷﻌﺎﺋﺮ اﻹﺳﻼﻡ، ﻭﺗﺬﻛﻴﺮ غيره من المؤمنين.

- ويكبر على نحو ما نقله ابن المنذر عن (عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، أنهما كانا يكبران من صلاة الغداة يوم عرفة إلى الصلاة من آخر أيام التشريق، يقولان: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد"، وقال بهذه الصيغة كثير من السلف، كما جاء عن النخعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق.

- وبأي صيغة كبّر المكبّر صح، فإن الأمر جاء في الآية مطلقًا، وقد تعددت صيغ تكبير الصحابة فدلّ على التوسعة، قال أبو داود في مسائله لأحمد: "سمعت أحمد سئل: كيف التكبير يوم الفطر؟ قال: الله أكبر، الله أكبر، قيل لأحمد: ابن المبارك يقول في الفطر، يعني مع التكبير: الحمد لله على ما هدانا، قال: هذا واسع".

وقال ابن تيمية: "صفة التكبير المنقول عند أكثر الصحابة، قد روي مرفوعًا إلى النبي ﷺ: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد، وإن قال: الله أكبر ثلاثًا جاز. ومن الفقهاء من يكبر ثلاثًا فقط".

- ولا يكبرون جماعة، ولا يكبر واحد منهم والبقية يستمعون، قال الحطاب: "ﺑﺨﻼﻑ ﻣﺎ ﻳﻔﻌﻠﻪ ﺑﻌﺾ اﻟﻨﺎﺱ اﻟﻴﻮﻡ، ﻓﻜﺄﻥ اﻟﺘﻜﺒﻴﺮ ﺇﻧﻤﺎ ﺷﺮﻉ ﻓﻲ ﺣﻖ اﻟﻤﺆﺫﻥ، ﻓﺘﺠﺪ اﻟﻤﺆﺫﻧﻴﻦ ﻳﺮﻓﻌﻮﻥ ﺃﺻﻮاﺗﻬﻢ باﻟﺘﻜﺒﻴﺮ ﻛﻤﺎ ﺗﻘﺪﻡ، ﻭﺃﻛﺜﺮ اﻟﻨﺎﺱ ﻳﺴﺘﻤﻌﻮﻥ ﻟﻬﻢ، ﻭﻻ ﻳﻜﺒﺮﻭﻥ ﻭﻳﻨﻈﺮﻭﻥ ﺇﻟﻴﻬﻢ، ﻛﺄﻥ اﻟﺘﻜﺒﻴﺮ ﺇﻧﻤﺎ ﺷﺮﻉ ﻟﻬﻢ، ﻭﻫﺬﻩ ﺑﺪﻋﺔ ﻣﺤﺪﺛﺔ، ﺛﻢ ﺇﻧﻬﻢ ﻳﻤﺸﻮﻥ ﻋﻠﻰ ﺻﻮﺕ ﻭاﺣﺪ ﻭﺫﻟﻚ ﺑﺪﻋﺔ؛ ﻷﻥ اﻟﻤﺸﺮﻭﻉ ﺃﻥ ﻳﻜﺒّﺮ ﻛﻞ ﺇﻧﺴﺎﻥ ﻟﻨﻔﺴﻪ ﻭﻻ ﻳﻤﺸﻲ ﻋﻠﻰ ﺻﻮﺕ ﻏﻴﺮﻩ"، ونص على بدعية هذا غيره كالعدوي في حاشيته، والشاطبي في الاعتصام.

والعلم عند ﷲ.

الثلاثاء، 4 مايو 2021

ليلة الجهني

      الحمد لله والصلاة والسلام على رسول ﷲ، أما بعد:

     فمن ليالي الوتر التي ترجى فيها ليلة القدر، وكان يخصها جمع من السلف بمزيد عناية ليلة ثلاث وعشرين.

- فهي إحدى الليالي التي قامها النبي ﷺ بصحابته وأطال القيام، كما في حديث أبي ذر رضي الله عنه عند الترمذي وأبي داود. 

- وكان ينزلها عبد الله بن أنيس رضي الله عنه من باديته، كما في الموطأ، والمسند، وأبي داود.

- وكانت عائشة رضي الله عنها توقظ شباب التابعين في هذه الليلة، رواه عبد الرزاق.

- وكان بلال رضي الله عنها يراها ليلة ثلاث وعشرين، رواه ابن أبي شيبة.

- وفي مصنف عبد الرزاق وابن أبي شيبة: أن اﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ رضي الله عنهما كان ﻳﻨﻀﺢ ﻋﻠﻰ ﺃﻫﻠﻪ اﻟﻤﺎء ﻟﻴﻠﺔ ﺛﻼﺙ ﻭﻋﺸﺮﻳﻦ.

- وكان قد رأى ابن عباس رضي الله عنهما فيها رؤيا، رواه أحمد.

- وفي مصنف عبد الرزاق أن ﺃﻳﻮﺏ السختياني رحمه الله كان ﻳﻐﺘﺴﻞ ﻓﻲ ﻟﻴﻠﺔ ﺛﻼﺙ ﻭﻋﺸﺮﻳﻦ، ﻭﻳﻤﺲ ﻃﻴﺒًﺎ.

ولا تنس أن أيوب السختياني رحمه ﷲ هو راوي حديث اﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ ﺭﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻬﻤﺎ: ﺃﻥ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ، ﻗﺎﻝ: «اﻟﺘﻤﺴﻮﻫﺎ ﻓﻲ اﻟﻌﺸﺮ اﻷﻭاﺧﺮ ﻣﻦ ﺭﻣﻀﺎﻥ ﻟﻴﻠﺔ اﻟﻘﺪﺭ، ﻓﻲ ﺗﺎﺳﻌﺔ ﺗﺒﻘﻰ، ﻓﻲ ﺳﺎﺑﻌﺔ ﺗﺒﻘﻰ، ﻓﻲ ﺧﺎﻣﺴﺔ ﺗﺒﻘﻰ»، عند البخاري عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما.

وهو راوي حديث اﺑﻦ ﻋﻤﺮ رضي الله عنهما أن رجلًا جاء ﺇﻟﻰ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ ﻓﻘﺎﻝ: ﻳﺎ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﺇﻧﻲ ﺭﺃﻳﺖ ﻓﻲ اﻟﻨﻮﻡ ﻟﻴﻠﺔ اﻟﻘﺪﺭ ﻛﺄﻧﻬﺎ ﻟﻴﻠﺔ ﺳﺎﺑﻌﺔ، ﻓﻘﺎﻝ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ: «ﺃﺭﻯ ﺭﺅﻳﺎﻛﻢ ﻗﺪ ﺗﻮاﻃﺄﺕ ﻓﻲ ﻟﻴﻠﺔ ﺳﺎﺑﻌﺔ، ﻓﻤﻦ ﻛﺎﻥ ﻣﺘﺤﺮﻳﻬﺎ ﻣﻨﻜﻢ، ﻓﻠﻴﺘﺤﺮﻫﺎ ﻓﻲ ﻟﻴﻠﺔ ﺳﺎﺑﻌﺔ»، رواه عن نافع عن ابن عمر، عند عبد الرزاق.

وهو راوي حديث ليلة الجهني رضي الله عنه، وأن النبي ﷺ سارّه بها، فلا ﻳﺪﺭﻱ ﺃﺣﺪ ﻣﺎ ﺃﻣﺮﻩ، ﻓﻘﺎﻝ اﻟﻨﺎﺱ: اﻧﻈﺮﻭا اﻟﻠﻴﻠﺔ اﻟﺘﻲ ﻳﻘﻮﻡ ﻓﻴﻬﺎ اﻟﺠﻬﻨﻲ ﻓﻜﺎﻥ ﺇﺫا ﻛﺎﻥ ﻟﻴﻠﺔ ﺛﻼﺙ ﻭﻋﺸﺮﻳﻦ ﻧﺰﻝ ﺑﺄﻫﻠﻪ، ﻭﻗﺎﻡ ﺗﻠﻚ اﻟﻠﻴﻠﺔ»، وهو عند عبد الرزاق وفيه جهالة.

- وكان يتحراها من الصحابة كذلك علي وابن مسعود ومعاوية، رضي الله عنهم.

- وكان الحسن البصري رحمه ﷲ يراها هذه الليلة بعلاماتها، عبد الرزاق.

- وكان مكحول رحمه ﷲ يراها ليلة ثلاث وعشرين، رواه عبد الرزاق.

- وكان زيد بن ثابت رضي الله عنه يخص ليلة ثلاث وعشرين وسبع وعشرين فلا يحيي ليلة كإحيائهما، ذكره المروزي في قيام الليل.

- وكان بعض علماء وعباد المدينة يخص هذه الليلة بمزيد: فكان عمر بن الحسين لا يصلي التراويح مع الناس ثم يصلي معهم هذه الليلة، ذكره المروزي.

وكان ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ ﺇﺑﺮاﻫﻴﻢ ﻳﺠﺘﻬﺪ ﺗﻠﻚ اﻟﻠﻴﻠﺔ، رواه البيهقي.

والعلم عند الله.

الأحد، 2 مايو 2021

ليلة القدر، بعض أحكامها.


             ليلة القدر -تعيينها، وبعض أحكامها-

     الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول ﷲ وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد:


• فالذي يدل عليه اختلاف تعيين الأحاديث النبوية لليلة القدر في عهده ﷺ؛ أن ليلة القدر ليست معينة في ليلة لا تتحول كل رمضان، بل هي ليلة متنقلة تكون سنة في ليلة، وسنة أخرى في ليلة، ففي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «رأيت أني ﺃﺳﺠﺪ ﻓﻲ ﻣﺎء ﻭﻃﻴﻦ»، ﻗﺎﻝ ﺃﺑﻮ ﺳﻌﻴﺪ اﻟﺨﺪﺭﻱ: ﻣﻄﺮﻧﺎ ﻟﻴﻠﺔ ﺇﺣﺪﻯ ﻭﻋﺸﺮﻳﻦ، ﻓﻮﻛﻒ اﻟﻤﺴﺠﺪ ﻓﻲ ﻣﺼﻠﻰ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ، ﻓﻨﻈﺮﺕ ﺇﻟﻴﻪ ﻭﻗﺪ اﻧﺼﺮﻑ ﻣﻦ ﺻﻼﺓ اﻟﺼﺒﺢ، ﻭﻭﺟﻬﻪ ﻣﺒﺘﻞ ﻃﻴﻨﺎ ﻭﻣﺎء".

وفي مسلم أنه ﷺ أري علامتها ليلة ثلاث وعشرين.

وفي مسلم أنه ﷺ ذكر أنها ليلة سبع وعشرين، فدل اختلاف هذه الوقائع على أنها تتحول كل ليلة.

 وهذا قول بعض التابعين كأبي قلابة، ومذهب أبي حنيفة، ومالك وهو قول المزني من أصحاب الشافعي، واختاره ابن خزيمة وقول كثير من فقهاء الأمصار، كابن هبيرة والنووي وابن قدامة والعراقي وابن حجر، وقال المرداوي: ﻭﻫﻮ اﻟﺼﻮاﺏ اﻟﺬﻱ ﻻ ﺷﻚ ﻓﻴﻪ.

- فإن قيل: فكيف يلتئم ذلك، وقد دلت الآيات على أن القرآن نزل في ليلة القدر، فهذه فضيلة لليلة ثابتة، فكيف تتحول؟

فيقال: إن نزول القرآن كان في ليلة القدر تلك السنة، وليس في ذلك إحالة أن تتغير في سنة أخرى، فإن فضيلة ليلة القدر ليس بسبب نزول القرآن فيها فقط، ولكن لما لها من فضل نزل القرآن فيها، وليس أنه نزل فيها فاكتسبت الفضيلة.

• ولا يصح أن من علامات ليلة القدر أنها ليلة هادئة، معتدلة، لا حر ولا برد.

• ولا يصح أن من علاماتها أنها لا تنبح فيها الكلاب.

• ولا يصحّ أن من علاماتها أنه لا يرمى فيها بشهاب.

• وأصحّ ما جاء في علاماتها حديث زرّ بن حبيش عن أبي بن كعب: أنها تطلع يومئذ لا شعاع لها، رواه مسلم.

ورواه بعضهم فلم يذكر هذه العلامة، كما في مسلم عن شعبة عن عبدة عن زر عن أبي.

ولكن قد ثبت في مسلم عن أبي هريرة ﺗﺬاﻛﺮﻧﺎ ﻟﻴﻠﺔ القدر ﻋﻨﺪ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﻓﻘﺎﻝ: «ﺃﻳﻜﻢ ﻳﺬﻛﺮ ﺣﻴﻦ ﻃﻠﻊ اﻟﻘﻤﺮ، ﻭﻫﻮ ﻣﺜﻞ ﺷﻖ ﺟﻔﻨﺔ؟».

وقد جاء ذكر هذه العلامة عند ابن أبي شيبة عن ابن مسعود موقوفًا عليه. 

ولا يزال أهل العلم من المفسرين وشرّاح الآثار والفقهاء يذكرون هذه العلامة في مصنفاتهم، ولا يستنكرونها، وينوّهون بها لا يدفعون في صدرها، ورواها إمام الصناعة الإمام مسلم، بل صدّر بها قبل الرواية التي لم تذكرها، وهو ينبي عن تأكيده عليها، فكل ذلك مما يجبّن عن القول بضعفها.

فهذا من جهة الرواية، وقد بقي سؤال من جهة الدراية:

فهل هذه العلامة علامة دائمة راتبة لليلة القدر، أم أنها خاصة بليلة سبع وعشرين تلك السنة التي أخبرهم بها النبي ﷺ؟

قولان لأهل العلم.

ولما لم ينقل الصحابي لفظ النبي ﷺ في روايته الحديث، فيتعذّر على المتفقه معرفة دلائل اللفظ وعمومه ومفهومه.

• ويظهر أنَّ سائر الأعمال فيها خير من عمل ألف شهر، وهو مقتضى إطلاق النصوص، وروى الطبري ﻋﻦ ﻣﺠﺎﻫﺪ في قوله ﷻ: (ﻟﻴﻠﺔ اﻟﻘﺪﺭ ﺧﻴﺮ ﻣﻦ ﺃﻟﻒ ﺷﻬﺮ) ﻗﺎﻝ: ﻋﻤﻠﻬﺎ ﻭﺻﻴﺎﻣﻬﺎ ﻭﻗﻴﺎﻣﻬﺎ ﺧﻴﺮ ﻣﻦ ﺃﻟﻒ ﺷﻬﺮ.

- ونصّ على أن ذلك الفضل لسائر الأعمال كثير من العلماء كابن بطال والعز بن عبد السلام والقرافي.

- وأرجى الأعمال فيها التهجد وقراءة القرآن والدعاء.

وذهب بعض كبار الأمة كالثوري إلى أن الدعاء خير الأعمال فيها، وقد جاء في دعاء ليلة القدر ما روى عبد الله بن بريدة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله: أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال ﷺ: قولي: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني».

وهذا حديث رواه الخمسة، غير أبي داود، وصححه الترمذي، وأعله آخرون، لأن عبد الله بن بريدة لم يسمع من عائشة، ولكن لفظ الدعاء تلوح عليه أنوار الحكمة، وحري أن يكون خارجًا من مشكاة الوحي.

• وفي هذا الدعاء من الأدب الإيماني:

- أن المؤمن ينبغي أن يدعو ربه دعاء ثناء، قبل دعاء المسألة، فقد أثنى ﷺ على ﷲ في أول الدعاء: «إنك عفو».

- الثاني: أن يُسأل ﷲ بأفعاله كما يُسأل بأسمائه؛ فقد دعا ﷺ بقوله: «تحب العفو»، فسأل ربه بمحابّه ﷻ.

- وفيه: أن المسلم إذا اجتهد في الطاعة وزاد في العبادة؛ فعليه أن يعتصم بسؤال المغفرة والعفو، وألا يشمخ أو يفخر؛ فإن عائشة سألت النبي ﷺ عن حال ستقوم فيه ليلة القدر، وستعمرها بالطاعة، ومع ذلك أمرها ﷺ أن تسأل العفو، فإن العبد كلما زاد تنسكه زاد إخباته وتواضعه، وكان ألظّ ما يكون بسؤال ربه المغفرة.

 • وهي ليلة مباركة، والمؤمن مأمور بتحري بركتها، وقد روى أحمد ﻋﻦ ﺃﺑﻲ ﻫﺮﻳﺮﺓ قاﻝ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ: «ﺧﺮﺟﺖ ﺇﻟﻴﻜﻢ ﻭﻗﺪ ﺑﻴﻨﺖ ﻟﻲ ﻟﻴﻠﺔ اﻟﻘﺪﺭ ﻭﻣﺴﻴﺢ اﻟﻀﻼﻟﺔ، ﻓﻜﺎﻥ ﺗﻼﺡ ﺑﻴﻦ ﺭﺟﻠﻴﻦ ﺑﺴﺪّﺓ اﻟﻤﺴﺠﺪ، ﻓﺄﺗﻴﺘﻬﻤﺎ ﻷﺣﺠﺰ ﺑﻴﻨﻬﻤﺎ ﻓﺄﻧﺴﻴﺘﻬﻤﺎ، ﻭﺳﺄﺷﺪﻭ ﻟﻜﻢ ﻣﻨﻬﻤﺎ ﺷﺪﻭًا: ﺃﻣﺎ ﻟﻴﻠﺔ اﻟﻘﺪﺭ؛ ﻓﺎﻟﺘﻤﺴﻮﻫﺎ ﻓﻲ اﻟﻌﺸﺮ اﻷﻭاﺧﺮ ﻭﺗﺮًا، ﻭﺃﻣﺎ ﻣﺴﻴﺢ اﻟﻀﻼﻟﺔ؛ ﻓﺈﻧﻪ ﺃﻋﻮﺭ اﻟﻌﻴﻦ، ﺃﺟﻠﻰ اﻟﺠﺒﻬﺔ، ﻋﺮﻳﺾاﻟﻨﺤﺮ، ﻓﻴﻪ ﺩﻓﺄ».

- ومن لطيف الاستدلالات من هذا الحديث: أن هناك علاقة بين الاختلاف ونقص البركة، ولذا دلت الأدلة أن الدجال يخرج في زمن اختلاف وفرقة وفساد ذات البين.

وفي البخاري عن ﺃﻧﺲ ﺑﻦ ﻣﺎﻟﻚ، ﻗﺎﻝ: ﺃﺧﺒﺮﻧﻲ ﻋﺒﺎﺩﺓ ﺑﻦ اﻟﺼﺎﻣﺖ، ﺃﻥ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﺧﺮﺝ ﻳﺨﺒﺮ ﺑﻠﻴﻠﺔ اﻟﻘﺪﺭ، فتلاحى ﺭﺟﻼﻥ ﻣﻦ اﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ ﻓﻘﺎﻝ ﷺ: «ﺇﻧﻲ ﺧﺮﺟﺖ ﻷﺧﺒﺮﻛﻢ ﺑﻠﻴﻠﺔ اﻟﻘﺪﺭ، ﻭﺇنه تلاحى ﻓﻼﻥ ﻭﻓﻼﻥ، ﻓﺮﻓﻌﺖ، ﻭﻋﺴﻰ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺧﻴﺮا ﻟﻜﻢ، اﻟﺘﻤﺴﻮﻫﺎ ﻓﻲ اﻟﺴﺒﻊ ﻭاﻟﺘﺴﻊ ﻭاﻟﺨﻤﺲ».

     وبركة ليلة القدر تقابل شؤم الدجال وفتنته، فالفرقة والاختلاف في مثل هذه الليالي ينقص من بركتها، ولذا ففي قوله ﷻ: (سلام هي حتى مطلع الفحر)، ﻳﺠﻮﺯ ﺃﻥ ﻳﺮاﺩ ﺑﺎﻟﻤﺼﺪﺭ (سلام) اﻷﻣﺮ، ﻭاﻟﺘﻘﺪﻳﺮ: ﺳﻠﻤﻮا ﺳﻼﻣًﺎ، ﻭاﻟﻤﻌﻨﻰ: اﺟﻌﻠﻮﻫﺎ ﺳﻼﻣًﺎ ﺑﻴﻨﻜﻢ، ﺃﻱ ﻻ ﻧﺰاﻉ فيها ﻭﻻ ﺧﺼﺎﻡ.


والعلم عند الله.

السبت، 1 مايو 2021

شفع الوتر خلف الإمام

      الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول ﷲ، أما بعد:

     فمن صلى مع إمامه الوتر، وأراد أن يتنفل بعدُ، فالأفضل له أن يقوم فيشفع بركعة، ثم يصلي ما يسره ﷲ له ثم يوتر آخر صلاته، وهذا رواية عن الإمام أحمد.

• وهذه الصورة، فيها تحصيل لأجر من صلى مع الإمام حتى ينصرف، كما جاء في المسند والترمذي ﻋﻦ ﺃﺑﻲ ﺫﺭ ﻗﺎﻝ: ﺻﻤﻨﺎ ﻣﻊ ﺭﺳﻮﻝ الله ﷺ ﻓﻠﻢ ﻳﺼﻞ ﺑﻨﺎ، ﺣﺘﻰ ﺑﻘﻲ ﺳﺒﻊ ﻣﻦ اﻟﺸﻬﺮ، ﻓﻘﺎﻡ ﺑﻨﺎ ﺣﺘﻰ ﺫﻫﺐ ﺛﻠﺚ اﻟﻠﻴﻞ، ﺛﻢ ﻟﻢ ﻳﻘﻢ ﺑﻨﺎ ﻓﻲ اﻟﺴﺎﺩﺳﺔ، ﻭﻗﺎﻡ ﺑﻨﺎ ﻓﻲ اﻟﺨﺎﻣﺴﺔ، ﺣﺘﻰ ﺫﻫﺐ ﺷﻄﺮ اﻟﻠﻴﻞ، ﻓﻘﻠﻨﺎ ﻟﻪ: ﻳﺎ ﺭﺳﻮﻝ الله ﻟﻮ ﻧﻔﻠﺘﻨﺎ ﺑﻘﻴﺔ ﻟﻴﻠﺘﻨﺎ ﻫﺬﻩ؟ ﻓﻘﺎﻝ: «ﺇﻧﻪ ﻣﻦ ﻗﺎﻡ ﻣﻊ اﻹﻣﺎﻡ ﺣﺘﻰ ﻳﻨﺼﺮﻑ ﻛﺘﺐ ﻟﻪ ﻗﻴﺎﻡ ﻟﻴﻠﺔ»، ﺛﻢ ﻟﻢ ﻳﺼﻞ ﺑﻨﺎ ﺣﺘﻰ ﺑﻘﻲ ﺛﻼﺙ ﻣﻦ اﻟﺸﻬﺮ، ﻭﺻﻠﻰ ﺑﻨﺎ ﻓﻲ اﻟﺜﺎﻟﺜﺔ، ﻭﺩﻋﺎ ﺃﻩﻟﻪ ﻭﻧﺴﺎءﻩ، ﻓﻘﺎﻡ ﺑﻨﺎ ﺣﺘﻰ ﺗﺨﻮﻓﻨﺎ اﻟﻔﻼﺡ، ﻗﻠﺖ ﻟﻪ: ﻭﻣﺎ اﻟﻔﻼﺡ، ﻗﺎﻝ: اﻟﺴﺤﻮﺭ.

• وفيها أخذ بسنة ختم الصلاة الليلية بالوتر لما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر قال ﷺ: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا».

• وفيها اتقاء لنهي النبي ﷺ من تكرار الوتر، كما في السنن والمسند عن طلق بن علي: «لا وتران في ليلة».

- ولا يقال: إنه إن قام فشفع بركعة لم يدخل في فضيلة من صلى مع إمامه حتى ينصرف، فإن من صلى مع إمامه وزاد الشفع صح أنه لم ينصرف حتى انصرف إمامه وزيادة، والقول بأن من زاد بعد إمامه ليس ممن يدخل في الحديث ظاهرية لا تلائم سياق الحديث وقصته كما سلف، وإن كان قد قال به بعض العلماء.

     وإنما يخرج عن هذه الفضيلة من لم يصل مع إمامه، أو انصرف قبله، وفي ذلك قال البهوتي في كشاف القناع: (ﻓﺈﻥ ﺃﺣﺐ ﻣﻦ ﻟﻪ ﺗﻬﺠﺪ ﻣﺘﺎﺑﻌﺔ الإﻣﺎﻡ ﻓﻲ ﻭﺗﺮﻩ؛ ﻗﺎﻡ ﺇﺫا ﺳﻠﻢ الإﻣﺎﻡ ﻓﺸﻔﻌﻬﺎ -ﺃﻱ ﺭﻛﻌﺔ اﻟﻮﺗﺮ- ﺑﺄﺧﺮﻯ، ﺛﻢ ﺇﺫا ﺗﻬﺠﺪ ﺃﻭﺗﺮ، ﻓﻴﻨﺎﻝ ﻓﻀﻴﻠﺔ ﻣﺘﺎﺑﻌﺔ الإﻣﺎﻡ ﺣﺘﻰ ﻳﻨﺼﺮﻑ، ﻭﻓﻀﻴﻠﺔ ﺟﻌﻞ ﻭﺗﺮﻩ ﺁﺧﺮ ﺻﻼﺗﻪ).

• وفي هذا الصنيع تأخير للوتر إلى الوقت الفاضل، فإن ﺃﻛﺜﺮ اﻟﺴﻠﻒ على أن الأفضل تأخير الوتر إلى ﺁﺧﺮ اﻟﻠﻴﻞ، وهو قول ﻋﻤﺮ ﻭﻋﻠﻲ ﻭاﺑﻦ ﻣﺴﻌﻮﺩ ﻭاﺑﻦ ﻋﻤﺮ ﻭاﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ ﻭﻏﻴﺮﻫﻢ.

     ﻭﻋﻦ اﺑﻦ ﺳﻴﺮﻳﻦ، ﻗﺎﻝ: ﻣﺎ ﻳﺨﺘﻠﻔﻮﻥ ﺃﻥ اﻟﻮﺗﺮ ﻣﻦ ﺁﺧﺮ اﻟﻠﻴﻞ ﺃﻓﻀﻞ.

     ﻭقد اﺳﺘﺤﺒﻪ اﻟﻨﺨﻌﻲ ﻭﻣﺎﻟﻚ ﻭاﻟﺜﻮﺭﻱ ﻭﺃﺑﻮ ﺣﻨﻴﻔﺔ ﻭﺃﺣﻤﺪ –ﻓﻲ اﻟﻤﺸﻬﻮﺭ ﻋﻨﻪ - ﻭﺇﺳﺤﺎﻕ.

     ويتأكد ذلك في مثل هذه النازلة التي خففت لها صلاة التراويح في المساجد، ويطمع المؤمن بالازدياد في الصلاة والقراءة والدعاء، ويرغب ختم صلاته بالوتر.

     لاسيما على القول بعدم وجوب متابعة الإمام في نيته وفعله، كما هو مذهب الشافعي وجمع من فقهاء المحدثين، وهو الذي تدل عليه الأدلة.

     بل ربما كانت مستثناة من أصل المنع حتى على القول بالمنع، قال البرهان ابن مفلح في المبدع: (ﺇﺫا ﺻﻠﻰ ﻓﺮﺿًﺎ ﺭﺑﺎﻋﻴﺔ ﺧﻠﻒ ﻣﻦ ﻳﺼﻠﻲ اﻟﻈﻬﺮ ﺃﺭﺑﻌﺎ، ﻭﻗﻴﻞ: ﺃﻭ اﻟﻤﻐﺮﺏ، ﻓﺈﺫا ﺗﻢ ﻓﺮﺿﻪ ﻗﺒﻞ ﺇﻣﺎﻣﻪ، ﻫﻞ ﻳﻨﺘﻈﺮﻩ ﺃﻭ ﻳﺴﻠﻢ ﻗﺒﻠﻪ، ﺃﻭ ﻳﺨﻴﺮ؟ ﻓﻴﻪ ﺃﻭﺟﻪ، ﻓﺈﻥ ﻛﺎﻧﺖ ﺇﺣﺪاﻫﻤﺎ ﺗﺨﺎﻟﻒ اﻷﺧﺮﻯ ﻛﺼﻼﺓ ﻛﺴﻮﻑ، ﻭاﺳﺘﺴﻘﺎء، ﻭﺟﻨﺎﺯﺓ، ﻭﻋﻴﺪ، ﻣﻨﻊ ﻓﺮﺿًﺎ، ﻭﻗﻴﻞ: نفلًا؛ ﻷﻧﻪ ﻳﻔﻀﻲ ﺇﻟﻰ اﻟﻤﺨﺎﻟﻔﺔ ﻓﻲ اﻷﻓﻌﺎﻝ)، فعلّق البهوتي: (ﻓﻴﺆﺧﺬ ﻣﻨﻪ ﺻﺤﺔ ﻧﻔﻞ ﺧﻠﻒ ﻧﻔﻞ ﺁﺧﺮ ﻻ ﻳﺨﺎﻟﻔﻪ ﻓﻲ ﺃﻓﻌﺎﻟﻪ ﻛﺸﻔﻊ ﻭﻭﺗﺮ ﺧﻠﻒ ﺗﺮاﻭﻳﺢ ﺣﺘﻰ ﻋﻠﻰ اﻟﻘﻮﻝ اﻟﺜﺎﻧﻲ).

     ولا يقال: بأن ترك الوتر مع الإمام رأسا هو الأفضل ثم يستدل بأن أبي بن كعب ترك جماعة التراويح، فإن أبي بن كعب كان إمامًا، وإنما موضع الإشكال في المأموم.

     ولا يقال: إن هذا ليس مأثورًا عن الصحابة، فإن جمهور الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يصلون منفردين، ومن صلى جماعة منهم فقد كان يطيل الصلاة.

والعلم عند رب العالمين.

الجمعة، 16 أبريل 2021

علمتنا سورة الكهف

 الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول ﷲ، أما بعد:

- تعلمنا سورة الكهف؛ أن البلاء إذا اشتد، والكرب إذا اسود، وزادت المحن، فالمسلم يحتاج إلى أن يأوي إلى عاصم يعصمه من ذلك، كما أوى الفتية إلى الكهف.

- وتعلمنا سورة الكهف؛ أن الفتن إذا توحشت، وبلغت أعالي الجبال؛ فالمسلم محتاج أن يقرأ أولها، كما ثبت في مسلم، 

- وتعلمنا سورة الكهف؛ أن الطريق إذا أظلم بالشبهات والشهوات فالمسلم يحتاج إلى نور، كما في حديث أبي سعيد.

نزلت سورة الكهف بمكّة، وقد اشتدّ على النبي ﷺ الأذى، وزاد على صحابته البلاء.

- تعلمنا سورة الكهف كما علمتنا سورة يوسف؛ ما للقصص من أثر في التربية الإيمانية، ولذا كانت أكثر مواضيع سورة الكهف قصصا، قصة أهل الكهف، ثم صاحب الجنتين، ثم قصة موسى والخضر، ثم قصة ذي القرنين.

- تعلمنا سورة الكهف؛ أن القرآن نعمة من أعظم النعم تستوجب شكرًا، قال سبحانه في أوّل السورة: {ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِیۤ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَـٰبَ}، فالقرآن هو النور الذي يحمي من الفتن.

- تعلمنا سورة الكهف أن القرآن ميزان يقيم به كل شيء، توزن به الأفكار والمعتقدات والأفعال والأخلاق، قال سبحانه: {وَلَمۡ یَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَا قَیِّمࣰا}.

- تعلمنا سورة الكهف؛ ألا نحزن ولا نأسى على صاحب الضلالة، قال سبحانه: (فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعࣱ نَّفۡسَكَ عَلَىٰۤ ءَاثَـٰرِهِمۡ إِن لَّمۡ یُؤۡمِنُوا۟ بِهَـٰذَا ٱلۡحَدِیثِ أَسَفًا)، فالله قد جعل الحياة فتنة.

- ولذا تعلمنا سورة الكهف، (ﺇﻥ اﻟﺪﻧﻴﺎ ﺣﻠﻮﺓ ﺧﻀﺮﺓ، ﻭﺇﻥ اﻟﻠﻪ ﻣﺴﺘﺨﻠﻔﻜﻢ ﻓﻴﻬﺎ، ﻓﻴﻨﻈﺮ ﻛﻴﻒ ﺗﻌﻤﻠﻮﻥ، ﻓﺎﺗﻘﻮا اﻟﺪﻧﻴﺎ ﻭاﺗﻘﻮا اﻟﻨﺴﺎء)، قال ﷻ (إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِینَةࣰ لَّهَا لِنَبۡلُوَهُمۡ أَیُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلࣰا).

ما الحكمة من هذه الزينة، والفتنة، والصراع بين الحق والباطل.

- وتعلّمنا سورة الكهف أنَّ المؤمن يبتلى ليمتحن صبره، وشكره:

• فقصة أهل الكهف ابتلوا ابتلاء الصبر.

• وقصة صاحب الجنتين ابتلي ابتلاء الشكر.

• وقصة موسى مع الخضر كانت قصة من قصص ابتلاء الصبر.

• وقصة ذي القرنين، كانت قصة من قصص ابتلاء الشكر.

- تعلمنا سورة الكهف أنه ليس شيء عجيب في خلق ﷲ بالنسبة إلى قدرة ﷲ العظيم: (أَمۡ حَسِبۡتَ أَنَّ أَصۡحَـٰبَ ٱلۡكَهۡفِ وَٱلرَّقِیمِ كَانُوا۟ مِنۡ ءَایَـٰتِنَا عَجَبًا)، والإنسان يعجب من كل ما لم يعتد عليه، ولم يجر على ما عهده، وإلّا فإنَّ خلق السموات والأرض، وزينة الدنيا، ثم جعلها جرزا، أمر عجيب، فليست ﻗﺼﺔ ﺃﻫﻞ اﻟﻜﻬﻒ ﻣﻨﻔﺮﺩﺓ ﺑﺎﻟﻌﺠﺐ ﻣﻦ ﺑﻴﻦ اﻵﻳﺎﺕ اﻷﺧﺮﻯ.

- علمتنا سورة الكهف أنَّ الصراع بين الحق والباطل صراع تاريخي، فلقد كان الفتية في مجتمع جاهلي شركي، كمجتمع مكة.

وأول ما يدفع به المؤمن الفتن والبلاء؛ أن يلجأ إلى ﷲ بالدعاء: 

(فَقَالُوا۟ رَبَّنَاۤ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةࣰ وَهَیِّئۡ لَنَا مِنۡ أَمۡرِنَا رَشَدࣰا).

- وتعلمنا سورة الكهف: أن من أقبل على ﷲ أقبل ﷲ عليه، (نَّحۡنُ نَقُصُّ عَلَیۡكَ نَبَأَهُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّهُمۡ فِتۡیَةٌ ءَامَنُوا۟ بِرَبِّهِمۡ وَزِدۡنَـٰهُمۡ هُدࣰى)، فمن أدار ظهره للدنيا وفتنتها وأقبل على ﷲ آتاه الله كل خير.

- وتعلمنا سورة الكهف: أن المؤمن في معركته مع الباطل، ومواجهته للشرك، محتاج مع الهداية إلى سكينة القلب، يعوزها سكينة القلب، وطمأنينة الفؤاد، وشجاعته، ولذا قال ﷲ عن نبيه ﷺ: (إِذۡ هُمَا فِی ٱلۡغَارِ إِذۡ یَقُولُ لِصَـٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِینَتَهُۥ عَلَیۡهِ وَأَیَّدَهُۥ بِجُنُودࣲ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِیَ ٱلۡعُلۡیَاۗ وَٱللَّهُ عَزِیزٌ حَكِیمٌ).

- وتعلّمنا سورة الكهف حقيقة الدنيا، وحقيقة فتنتها، فمن قوله تعالى: (إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِینَةࣰ لَّهَا لِنَبۡلُوَهُمۡ أَیُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلࣰا ۝)، ينتقل السياق إلى قوله: (وَإِنَّا لَجَـٰعِلُونَ مَا عَلَیۡهَا صَعِیدࣰا جُرُزًا)، ومن أوتي هذه البصيرة في الدنيا لم يفتن بها، وكان في عصمة من فتنة الدجال، وهذا هو الذي جرى مع فتية الكهف، الذين لم تغرهم الدنيا بزينتها، فجافوها في ذات ﷲ.

وإذا تأملت السورة ستجد أن كلمة الزينة جاءت في ثلاثة مواطن فيها، وكلمة الرشد جاءت في أربعة مواطن.

- تعلمنا سورة الكهف، أن المؤمن يجب ألا يخضع لظروفه، ولكن لينطلق ليبحث عن الحلول.

- وتعلمنا سورة الكهف أن الرفقة الصالحة، وكتاب الهدى، مما يعين على اعتزال الباطل وأهله، (أَمۡ حَسِبۡتَ أَنَّ أَصۡحَـٰبَ ٱلۡكَهۡفِ وَٱلرَّقِیمِ كَانُوا۟ مِنۡ ءَایَـٰتِنَا عَجَبًا).

- وتعلمنا سورة الكهف أن من أوى إلى ﷲ فلا خوف عليه ولا حزن، تأمل أن أول كلمة في سياق القصة: (إِذۡ أَوَى ٱلۡفِتۡیَةُ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ فَقَالُوا۟ رَبَّنَاۤ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةࣰ وَهَیِّئۡ لَنَا مِنۡ أَمۡرِنَا رَشَدࣰا).

هناك ظلم واضطهاد ووحشة وترك للوطن والأهل والراحة وكهف وخوف، ولكن يصف ﷲ الانطلاقة الإيمانية لتلك الرفقة بقوله ﷻ: (إِذۡ أَوَى ٱلۡفِتۡیَةُ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ)، الإيواء إلى ﷲ هو أهم أمر في السياق، هو النقطة البارزة في القصة، هو لب الحكاية.

- إن مختصر القصة: فتية هربوا إلى ﷲ ودعوا ربهم!

هكذا هي الحكاية.

وهكذا بدأت القصة، ليكون الأمر الذي ينطبع في الذهن هو صورة الإيواء إلى ﷲ والدعاء والالتجاء إليه.

- تعلمنا سورة الكهف أن عقولنا لا تدرك قدرة الله، فالفرج والفتح للمؤمنين والرحمة بأولياء ﷲ قد تكون بأمر لا يتصورونه، فكثير من الناس يظن أن النصر قد يكون بزلزال يضرب مدينة الملك الكافر، أو عاصفة تدمر حرسه، أو مرض أو موت، كلا! لقد كانت الاستجابة: (فَضَرَبۡنَا عَلَىٰۤ ءَاذَانِهِمۡ فِی ٱلۡكَهۡفِ سِنِینَ عَدَدࣰا)!

أتذكر قصة أم موسى! وولهها، وحزنها حين ألقت بابنها في اليم، كيف كان تحقيق وعد ﷲ لها: (إنا رادوه إليك)، هل نزلت ملائكة من السماء فانتزعت الغلام من بين يدي الجنود؟ هل حملته الريح؟ كلا، لقد بدأ الفرج من قوله: (وحرّمنا عليه المراضع).

لقد حفظهم ﷲ بالنوم! نعم بالنوم عصمهم ﷲ من القوم الظالمين!

أنت لا تدري كيف سيكون النصر الباسم، وكيف يدبر ﷲ أمره، إنه يعلم وأنتم لا تعلمون.

- ثم تأمل قوله بعد ذلك: (ثُمَّ بَعَثۡنَـٰهُمۡ لِنَعۡلَمَ أَیُّ ٱلۡحِزۡبَیۡنِ أَحۡصَىٰ لِمَا لَبِثُوۤا۟ أَمَدࣰا)

ليتبين لك نهاية مختصر القصة، قوم آووا إلى ﷲ ودعوه فأنامهم ﷻ ثم أيقضهم ليكونوا آية له في الناس.

- وتعلّمنا سورة الكهف أن الناس لايزالون مختلفين في الحوادث والمواقف، فلا تثق كثيرا في رأيهم، ولا في ضبطهم، (لِنَعۡلَمَ أَیُّ ٱلۡحِزۡبَیۡنِ أَحۡصَىٰ لِمَا لَبِثُوۤا۟ أَمَدࣰا)

أنت وأنا قد تحدث لنا أحداث ومواقف ولا ندرك قدر ما فيها من حكمة ﷲ وقدرته.

فهناك أحداث نراها، ولكننا لا ندرك ما وراءها من القصص والمواقف والأحداث.

- وتعلمنا سورة الكهف أن الإيمان هو وراء كل تلك الأعاجيب، لماذا ضحوا؟ لماذا بذلوا؟ كيف قاموا أمام الملك؟ كيف استعلنوا بمبدئهم؟ لماذا هاجروا؟ لماذا أكرمهم ﷲ بتلك الآية؟ إنه الإيمان! تأمل قوله: (نَّحۡنُ نَقُصُّ عَلَیۡكَ نَبَأَهُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّهُمۡ فِتۡیَةٌ ءَامَنُوا۟ بِرَبِّهِمۡ وَزِدۡنَـٰهُمۡ هُدࣰى)

- وتعلمنا سورة الكهف أن البداية لابد أن تكون من الإنسان، وأن الله شكور لمن أقبل عليه، تأمل:

(ءَامَنُوا۟ بِرَبِّهِمۡ وَزِدۡنَـٰهُمۡ هُدࣰى* وَرَبَطۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ) متى (إِذۡ قَامُوا۟ فَقَالُوا۟ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَا۟ مِن دُونِهِۦۤ إِلَـٰهࣰاۖ لَّقَدۡ قُلۡنَاۤ إِذࣰا شَطَطًا)

فالإيمان الأولي كان منهم، والقيام كان منهم، والإقبال كان منهم.

• وعلمتنا سورة الكهف أن المؤمن إذا أيقن بربوبية ﷲ وعظمه هان عليه الباطل، فقولهم: (إِذۡ قَامُوا۟ فَقَالُوا۟ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَا۟ مِن دُونِهِۦۤ إِلَـٰهࣰاۖ)، رب السموات والأرض لن يضيعنا، ولن يتركنا.

• وعلمتنا سورة الكهف أن الوعي بالباطل، واستنكاره، ورؤيته على ما هو عليه من القبح من أعظم نعم الله على العبد، قال تعالى عن أهل الكهف: (إِذۡ قَامُوا۟ فَقَالُوا۟ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَا۟ مِن دُونِهِۦۤ إِلَـٰهࣰاۖ لَّقَدۡ قُلۡنَاۤ إِذࣰا شَطَطًا)، فرأوا الباطل شططا.

هناك من لا يرى مشكلة في الشرك، ولا يرى مصيبة سب ﷲ، فالذي يشغله هو شأن دنياه.

- وتأمل كلمات فتية الكهف -وكلامهم قليل-: (رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ)، وقبل ذلك قالوا: (رَبَّنَاۤ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةࣰ وَهَیِّئۡ لَنَا مِنۡ أَمۡرِنَا رَشَدࣰا)، وقالوا بعد ذلك: (قَالَ قَاۤىِٕلࣱ مِّنۡهُمۡ كَمۡ لَبِثۡتُمۡۖ قَالُوا۟ لَبِثۡنَا یَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ یَوۡمࣲۚ قَالُوا۟ رَبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثۡتُمۡ): فكلامهم كله مبدوء بوصف الربوبية، ففي أول أمرهم:

- دعاء.

- ثم حين دعوتهم لقومهم واعتراضهم عليهم قالوه.

- ثم حين التسليم لله.

 • علمتنا سورة الكهف أن المؤمن يجب أن يطلب الحجة والدليل على كل قضية، قال ﷻ:(هَـٰۤؤُلَاۤءِ قَوۡمُنَا ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦۤ ءَالِهَةࣰۖ لَّوۡلَا یَأۡتُونَ عَلَیۡهِم بِسُلۡطَـٰنِۭ بَیِّنࣲۖ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبࣰا).

• وتعلمنا سورة الكهف: أن الإيمان لا يمنع نزول الابتلاء، ولا وقوع المحنة، ولكن المؤمن إذا أقبل على ﷲ أنزل عليه الرحمة.

قد تجد من يقول: نحن مؤمنون، ومع ذلك ينزل ﷲ رحمته وفضله وسكينته، (وَإِذِ ٱعۡتَزَلۡتُمُوهُمۡ وَمَا یَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ فَأۡوُۥۤا۟ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ یَنشُرۡ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَیُهَیِّئۡ لَكُم مِّنۡ أَمۡرِكُم مِّرۡفَقࣰا).

• وتعلمنا سورة الكهف أن أهل الإيمان أهل يقين برحمة الله وفضله، تأمل كلامهم: (یَنشُرۡ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَیُهَیِّئۡ لَكُم مِّنۡ أَمۡرِكُم مِّرۡفَقࣰا).

بل تأمل قولهم: (یَنشُرۡ) لترى عظيم ثقتهم في ﷲ.

• وتعلّمنا السورة ألا ينشغل الإنسان بالنقاش والجدل فيما ليس وراءه هدى: (وَكَذَ ٰ⁠لِكَ بَعَثۡنَـٰهُمۡ لِیَتَسَاۤءَلُوا۟ بَیۡنَهُمۡۚ قَالَ قَاۤىِٕلࣱ مِّنۡهُمۡ كَمۡ لَبِثۡتُمۡۖ قَالُوا۟ لَبِثۡنَا یَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ یَوۡمࣲۚ قَالُوا۟ رَبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثۡتُمۡ).

• وتعلمنا هذه السورة الكريمة، أن المؤمن يجب ألا يشغله البلاء عن طلب الرزق الحلال، (فَٱبۡعَثُوۤا۟ أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمۡ هَـٰذِهِۦۤ إِلَى ٱلۡمَدِینَةِ فَلۡیَنظُرۡ أَیُّهَاۤ أَزۡكَىٰ طَعَامࣰا فَلۡیَأۡتِكُم بِرِزۡقࣲ مِّنۡهُ).

• وتعلمنا السورة أن المؤمن يجب أن يكون حكيما في المواقف، ذا فقه في التصرف،  (وَلۡیَتَلَطَّفۡ وَلَا یُشۡعِرَنَّ بِكُمۡ أَحَدًا).

• تعلمنا سورة الكهف أن الأمر لله، وهو عالم الغيب، يعلم كل ما يحدث في هذا الكون، هناك حين اضطهد هؤلاء المؤمنون، وأوذوا، وابتلوا، فالله عليم بهم.

 (قُلِ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثُوا۟ۖ لَهُۥ غَیۡبُ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِۖ أَبۡصِرۡ بِهِۦ وَأَسۡمِعۡۚ مَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِیࣲّ وَلَا یُشۡرِكُ فِی حُكۡمِهِۦۤ أَحَدࣰا)


مع سورة الماعون

    الحمد لله، أما بعد:

    ألست تعجب من ذلك الاستهلال لسورة الماعون؟ (أرأيت الذي يكذب بالدين)؟ أرأيت يا محمد، ذاك المكذب بالدين والحساب والعقاب؟

     ربما لو قرأ السورة من لم يكن حافظا لها، واستمع صدر السورة لأول مرة، لتخايل على البداهة أن قوله ﷻ: (أرأيت الذي يكذب بالدين) سيعقب بحديث قاصف عن طغاة قريش، وأكابر مجرمي مكة، وربما ظن على الارتجال أن ذلك المكذب بالدين الذي ستتحدث عنه هذه السورة هو فرعون أو هامان أو طاغية من جنسهم، لكن الأمر لم يكن كذلك! وكل ذلك لم يكن!

     لقد جاءت الآية الثانية: (فذلك الذي يدعّ اليتيم)! يدعّ اليتيم! والدع هو الدفع بزجر من الخلف! فهو يدفعه عن حقه، ويقهره! لقد كانت أول صفة وصف بها هذا المكذب للدين هو قسوته على الضعفاء والأيتام!

     ثم قال سبحانه: (ولا يحضّ على طعام المسكين)! فذمته الآية لقصوره عن الفاعلية الإيجابية في مجتمعه! فهو لا يدعو ولا يدعم ولا يحث ولا يحض على إطعام المساكين! فذمه ﷲ لعدم قيامه برتبة التأثير البناء، وذلك ذم لتارك إطعام المسكين بطريق الأولى! فما أجل هذا المعنى

     أرأيت يا محمد الذي يكذّب بالدين! إن من صفاته تلك القسوة على الضعفاء، والجفوة عن مسح آلامهم، وتخفيف أحزانهم! فهو لا يحنو على اليتيم ولا يمسح دمعته، ولا يربت على كتف المستضام، ولا يدري عن آلام الناس وأحزانهم ومصابهم!

     ونحن نعلم أن التفريط في حق اليتيم وعدم الحث والحض على إطعام المساكين ليس مكفرا مخرجا من الملة، ولكنه كمال هذه الشريعة التي أتت بحفظ حق ﷲ وحق البشر! فالكمال الإيماني يكون بالقيام بالحقين!

     ثم رجع السياق القرآني: (فويل للمصلين، الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم يراؤون)، لقد رجع السياق يتحدث عن التفريط في حق ﷲ! فإذا الذكر الحكيم في السورة يتناوب بين هذين الحقين!

     إياك أن تظن أن الدين صلاة في المسجد فقط، أو تلبية في المشاعر فحسب! كلا، فالأمر ليس كذلك!

     (عن صلاتهم ساهون): فهو لاهٍ عن صلاته، منشغل عنها، فيؤخرها عن وقتها، ويتشاغل عنها، ويصليها بتثاقل،فالصلاة ليست قضية مركزية في حياته!

     ثم عادت السورة في ختامها تتحدث عن حق الخلق مرة أخرى: (ويمنعون الماعون) فليس من أهل الإعانة للخلق، بل يمنع ما فيه معونة للناس! ليس إيجابيا متعاونا، بل تراه منجمعا على نفع نفسه، لا يعطي الناس ما يطلبونه مما لا يضره، ولا يشاركهم ما يحتاجونه، ولا يحسن بجاهه، ولا يعير عارية، ولا يعطي ولا يبذل، فيمنع ما يتعاونه الناس بينهم!

     ﺇﻥ ﻫﺬﻩ اﻟﺴﻮﺭﺓ (قليلة الآيات) تبين أن المؤمن الصادق لابد أن يندفع إلى البر بالخَلق، وتؤكد أن القيام بحق الخالق يدعو للقيام بحق الخلق!

     إنها تبين حقيقة هذا الدين، الذي تتكامل فيه العبادة المحضة بالعبادات الاجتماعية.

- تأمل هذا العطف بين أفعال المعرضين، (عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون)، فمن أضاع الصلاة أضاع حقوق الخلق، من أضاع حي على الصلاة، أضاع كل حق وفضيلة.

- (فويل للمصلين)! إنها صلاة أهل التقصير، والسهو، صلاة من لا يقيمها فلا تزكو نفسه، ولا ترقى لنفع الناس والإحسان إليهم.

     من صلى صلاة لا روح فيها كانت حياته ﺣﻴﺎﺓ لا روح فيها، وأصبحت حياة لا تقوم على شعور التكافل والكرم والفزعة وطهارة السلوك.

     وهكذا كانت سورة الماعون، تتحدث عن القيام بالحقّين، حقّ الخالق وحقّ الخلق، بمثل هذا التناوب العذب، والحديث الآسر.


الثلاثاء، 23 مارس 2021

علمتنا سورة يوسف

       الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

     فهذه سورة يوسف، قصة البلاء الطويل، وحكاية لوعة الفؤاد، وسلسلة حرقة القلب، إنها سورة أحسن القصص: (نَحۡنُ نَقُصُّ عَلَیۡكَ أَحۡسَنَ ٱلۡقَصَصِ بِمَاۤ أَوۡحَیۡنَاۤ إِلَیۡكَ هَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلۡغَـٰفِلِینَ)، ولقد كانت سورة فريدة في موضوعها، فقد اشتملت قصة واحدة من أولها إلى آخرها، وابتدأت برؤيا يوسف وانتهت بتأويلها، وعرضت السورة أحوال يوسف في أنحاء مختلفة، فذكرته غلاما صغيرا يخاف عليه أبوه الحاني ﷺ، وعرضته مملوكا متعففا في القصور والترف، وعرضته سجينا محسنا للسجناء داعيا لهم، ثم عرضته عزيزا لمصر متصرفا في أموالها وخزائنها.

     إنها السورة التي طالما وجد فيها أهل البلاء سلوتهم، ولقوا فيها عزاءهم:

     لقد كان نزولها على النبي ﷺ في مكة، في وقت شدة قريش عليه، وامتحانهم له ولصحابته رضوان ﷲ عليهم، فنزلت تسلية للقلوب من وقدة الألم.

     ومن اللطيف أن ابن الجوزي رحمه الله كان في سنوات سجنه يقرؤها كل يوم، وكان له ابن يحبه اسمه: يوسف.

    • تأمل قصة يوسف سترى أنها حكاية للبلاء الطويل الموحش، البلاء بأنواعه المؤلمة، وتقلباته الموجعة، وتلوناته المفجعة:

    - بلاء كيد الإخوة: (قَالَ یَـٰبُنَیَّ لَا تَقۡصُصۡ رُءۡیَاكَ عَلَىٰۤ إِخۡوَتِكَ فَیَكِیدُوا۟ لَكَ كَیۡدًاۖ إِنَّ ٱلشَّیۡطَـٰنَ لِلۡإِنسَـٰنِ عَدُوࣱّ مُّبِینࣱ)!

     - وبلاء الخوف حين ألقي في الجب.

   - وبلاء فراق الوالد الرؤوف والأم الرؤوم والأهل، وفراق مراتع الصبا ومعاهد الطفولة.

    - وبلاء الرق والعبودية وسلب الحرية.

    - وبلاء فتنة القصر، وتعرض امرأة العزيز، وضغط الشهوات.

    - وبلاء كيد النسوة والتهمة بالسوء ومحاولة تلطيخ العرض للابتزاز.

   - ثم بلاء السجن والحبس، والانتقال من خفض العيش ولينه إلى وحشة السجن وخشونة الحبس وقسوة السجان.

   - ثم بلاء الملك والوزارة والسلطان بعد خروجه من السجن!

     • تعلمنا سورة يوسف أن الحياة بلاء ومحنة، وأن الإنسان في كبد، وأن هذه الدنيا طبعت على كدر، فمن نظر لها هكذا لم تفجأه بمحنها، ولم تطح به بمصائبها، ولهذا فمعرفة حال الدنيا مما يقوي القلب على الصبر، وتحمله على الاستعداد.

     • علمتنا سورة يوسف أنَّ القصة أسلوب تربوي دعوي، ومنهج إيماني، فليسلكه الآباء والأمهات، والمربون والدعاة.

      • وعلمتنا سورة يوسف أن الأب ينبغي أن يكون قريبًا متحببًا لأبنائه، ولو كان منشغلًا بعظيم الهموم، ولو كان ممتلئ اليد بالأعمال، ألا يتراءى لك يعقوب ﷺ وهو نبي ﷲ وصفيه، ومع هذا جلس يستمع لرؤيا ابنه: (إني رأيت أحد عشر كوكبا).

     • تعلمنا سورة يوسف أن ذكر العيب للتحذير ليس من الغيبة المحرمة، فلقد قال يعقوب ﷺ: (قَالَ یَـٰبُنَیَّ لَا تَقۡصُصۡ رُءۡیَاكَ عَلَىٰۤ إِخۡوَتِكَ فَیَكِیدُوا۟ لَكَ كَیۡدًا)، فذكر عيبهم بالكيد تحذيرًا ليوسف.

      • وتعلمنا سورة يوسف أن الصراع الشيطاني مع الإنسان مستمر لا يسلم منه إلا بتقوى لله وصلاح للقلب واستعاذة ولجأة، فتأمل ما جاء في بداية القصة؛ قال يعقوب ﷺ ليوسف: (لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدًا إن الشيطان للإنسان عدو)، وانظر ما جاء في نهاية القصة قال يوسف: (من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي)، فالشيطان هو العنصر الأخطر في بأساء الإنسان، فاحذروه.

     • علمتنا سورة يوسف أن الله إذا اجتباك واصطفاك واختارك فكل كيد وضر إلى زوال، لقد كاد يوسف إخوته، وكادته المرأة، وسجن، وأبعد، وقهر، ولكن: (وكذلك يجتبيك ربك)، وكانت له ﷺ العاقبة، ففي مؤتمر القتل ارتفع صوت (لا تقتلوا يوسف)، وفي غيابة الجب جاء صوت (يا بشرى)، وفي أول طريق العبودية جاء أمر العزيز (أكرمي مثواه)، وفي آخر السجن جاء اعتراف: (أنا راودته عن نفسه).

     •تعلمنا سورة يوسف أن نتمسك بإخوتنا معهما بغوا! (لقد كان في يوسف وإخوته)! مهما جار عليك أخوك فسيبقى أخاك!

     • تعلمنا سورة يوسف ألا نكون رهنًا لسطوة الأكثرية: (ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة)، إنها مشكلة البشرية الدائمة، إنها مشكلة اعتقاد أحقية الأكثر وأصوبيتهم دائما، مشكلة الأرقام الكبيرة، والانبهار بها، وتقديسها.

     • تعلمنا سورة يوسف أنه قد يتهم الأقل من هو خير منه بالضلال، فليخفف المؤمن على نفسه ولا يبتئس إذا رأى عتوّ أهل الضلالة على أهل الحق، ففي بداية القصة قال الفتية: (إن أبانا لفي ضلال مبين)، وفي آخرها قالوا: (إنك لفي ضلالك القديم)!

     • تعلمنا سورة يوسف أنّ من أمراض القلوب القاتلة مرض حب العلو في الأرض، وحب التميز والتفرد، فلقد قال إخوة يوسف: (اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم)، [يخل لكم] إنه حب الاستحواذ، وحب الذات، داء البشرية القديم، ومشكلة الناس الأبدية.

     • وتكشف لنا سورة يوسف عن جانب من الحيل الشيطانية لتزيين الباطل في النفوس، فقد قال أخوة يوسف: (وتكونوا من بعده قوما صالحين)، فما أعجب هذا! إنها تنبينا أن أخبث الأفكار قد تقبل وتروج إذا لطفت بزخرف من الخير.

     • وتعلمنا سورة يوسف أن البلاءات باب التمكين، قال سبحانه: (وَقَالَ ٱلَّذِی ٱشۡتَرَىٰهُ مِن مِّصۡرَ لِٱمۡرَأَتِهِۦۤ أَكۡرِمِی مَثۡوَىٰهُ عَسَىٰۤ أَن یَنفَعَنَاۤ أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدࣰاۚ وَكَذَ ٰ⁠لِكَ مَكَّنَّا لِیُوسُفَ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأۡوِیلِ ٱلۡأَحَادِیثِۚ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰۤ أَمۡرِهِۦ وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا یَعۡلَمُونَ)! فذكر ﷻ ما لحقه من بلاء الرق، ثم قال: (وَكَذَ ٰ⁠لِكَ مَكَّنَّا لِیُوسُفَ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأۡوِیلِ ٱلۡأَحَادِیثِۚ)! ثم تأمل قوله ﷻ: (وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰۤ أَمۡرِهِۦ وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا یَعۡلَمُونَ)، فهو محيط بأمور العباد يدبّر شأنهم ويقضي لهم، ثم لعلهم أن يكرهوا بعض ما يجدون، ولا يعلمون أن الخير فيما يدبر لهم ربهم.

     • تعلمنا سورة يوسف بشرية المجتمع! ولو كان مجتمعا صالحا، إنها تبين لنا حال الأب الصالح في لهفته على ابنه، وتذكر لنا الأبناء في بيت الصلاح وهم يحسدون أخاهم، وتقص علينا قصة الشاب الذي تثور فيه رغبات الرجولة ويكبتها، وتحكي لنا حكاية السجين التقي وهو يتمنى الخلاص! هكذا تعلّمنا السورة دون تسامٍ متكلف على الطبع البشري، ولا عيش جانح في المثاليات.

     • وعلمتنا سورة يوسف أن الأخذ بالسبب قد لا ينتج النتيجة:

     - فقد احتاط يعقوب فقال: (لا تقصص رؤياك)، ولكنه قصّ الرؤيا ووقع المحذور.

    - وقال يوسف لصاحبه الذي ظن أنه ناج: (اذكرني عند ربك)، ولكن صاحبه نسي ولم يذكره عند الملك.

    - وقال يعقوب: (لا تدخلوا من باب واحد)، خوفا عليهم، ومع هذا غاب عنه ابنه الثاني.

     • وتعلمنا سورة يوسف أن التدبير الإلهي للأمور ربما كانت على خلاف ما يتوقع:

     - فنهاية حب يعقوب ﷺ ليوسف ﷺ؛ كانت مكر إخوته به.

   - ونهاية إلقائهم له في الجب؛ كان الإعزاز في بيت العزيز.

   - ونهاية السجن؛ الملك العظيم لمصر، فلا تتذمر مما تلاقي من المحن، ولا تجزع لها.

     • وعلمتنا سورة يوسف أنَّ الحديث عن النعمة قد يكون له آفة:

ولذا قال يعقوب ﷺ لابنه: (لا تقصص رؤياك على إخوتك)، وأما التحدث المحمود بنعمة ﷲ الذي جاء في قوله ﷻ: (وأما بنعمة ربك فحدث)، فالمقصود أن من الشكر أن يذكر الإنسان ما أكرمه ﷲ به من نعمه، إظهارًا للامتنان والشكر، فإن خشي حسدًا أو بغيًا فليحذر.

     • وعلمتنا سورة يوسف أن الخلوة مبعث الشهوة، ومحرك الطمع في الحرام، ولذا طمعت امرأة العزيز وتعرضت ليوسف وعصمه ﷲ.

      • وعلمتنا سورة يوسف أن الإخلاص ينجي العبد الصالح، قال ﷻ: (وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَاۤ أَن رَّءَا بُرۡهَـٰنَ رَبِّهِۦۚ كَذَ ٰ⁠لِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلۡفَحۡشَاۤءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِینَ)، وفي قراءة سبعية: (المخلِصين)، من الإخلاص.

      • وعلمتنا سورة يوسف أن المؤمن يجب عليه ألا يعرض نفسه لمواطن الفتن، وأنه يجب أن يفر من موضع الفتنة ومكانها، ولهذا لما عرضت الفتنة على يوسف فرّ وهرب: (وَٱسۡتَبَقَا ٱلۡبَابَ وَقَدَّتۡ قَمِیصَهُۥ مِن دُبُرࣲ)، وفي سنن أبي داود ﻋﻤﺮاﻥ ﺑﻦ ﺣﺼﻴﻦ، ﻳﺤﺪﺙ ﻗﺎﻝ: ﻗﺎﻝ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ: «ﻣﻦ ﺳﻤﻊ ﺑﺎﻟﺪﺟﺎﻝ ﻓﻠﻴﻨﺄ ﻋﻨﻪ، ﻓﻮاﻟﻠﻪ ﺇﻥ اﻟﺮﺟﻞ ﻟﻴﺄﺗﻴﻪ ﻭﻫﻮ ﻳﺤﺴﺐ ﺃﻧﻪ ﻣﺆﻣﻦ ﻓﻴﺘﺒﻌﻪ، ﻣﻤﺎ ﻳﺒﻌﺚ ﺑﻪ ﻣﻦ اﻟﺸﺒﻬﺎﺕ».

     • وتعلمنا سورة يوسف أنّ المؤمن داعية إلى الخير ولو كان في بأس وألم، انظر إلى يوسف عليه السلام وهو في البلاء لم تنسه المحنة والكرب أن يدعو إلى التوحيد، فقال: (یَـٰصَـٰحِبَیِ ٱلسِّجۡنِ ءَأَرۡبَابࣱ مُّتَفَرِّقُونَ خَیۡرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلۡوَ ٰ⁠حِدُ ٱلۡقَهَّارُ).

     وقد سلك معهما مسالك لطيفة في الدعوة:

     - فدعاهما بتقبيح الباطل فقال: (أأرباب متفرقون).

    - وقرن الدعوة بنفعهما تأويل الرؤيا، ليقبلا عليه بتيقظ، وليشعرا بالامتنان له والشكر.

     - وبدأ بذكر ما منّ ﷲ عليه به من العلم، وما اختصه من الحكمة، ليعلمهما أنه لا يتكلم بجهالة، (قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما)

     - وخاطبهما بصفة الصلة المماثلة (صاحبي)، توكيدًا للألفة.

     • وتعلمنا سورة يوسف أن الداعية الناجح، والمصلح النابه، هو الذي يبتدئ الناس بالبذل والعطاء والعطف والإحسان، فإنهم إذا رأوه على هذا الخلق قبلوا دعوته، ومالوا إليه، ولذا قال الرجلان له حين سألا تأويل الرؤيا: (نَبِّئۡنَا بِتَأۡوِیلِهِۦۤۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِینَ)!، وهذا دليل أنهما رأيا من إحسانه ما حملهما لوصفه بذلك.

     • بل إن سورة يوسف تؤكد على المؤمن أن يكون خلقه الإحسان في كل أحواله، قال له صاحبا السجن في السجن: (إنا نراك من المحسنين)، وقالها له إخوته وهو في أبهة الملك وعزّ السلطان: (إنا نراك من المحسنين)، ومن اللطيف أن إحسان يوسف اتسع ليشمل عدوه! الظالم له، فإن سجّانه بعث إليه في سجنه يستفتيه في الرؤيا! فهل امتنع عن العطاء؟ هل توقف عن الإحسان إلى القوم الذين ظلموه وآذوه؟ لا، وليس ذلك له بخلق ﷺ، بل عبّر لهم رؤياهم، وأفتاهم، وأعطاهم تلك الاستشارة الاقتصادية التي جنّبت بلادهم أزمة اقتصادية ضخمة، فماذا كانت عاقبة المحسنين؟ لقد كافأه ﷲ والله يحب المحسنين وخرج ممكنًا في الأرض، عزيزًا لمصر.

     وأخيرًا: بماذا ختمت سورة يوسف؟ السورة التي سماها الله أحسن القصص، سورة الإبتلاءات، ابتلاءات الكيد والجب والرق وكيد النساء والاتهام والسجن ثم الامتحان بالملك والسلطة والمال، سورة الإحسان، الإحسان في حال الاستضعاف والإحسان في حال البلاء والسجن، والإحسان في حال الملك والقوة، سورة الدعوة في مراحل الحياة الخافضة والرافعة، سورة الثبات في مواجهة الإغراء، والثبات في السجن، والثبات عند فتنة الخروج من السجن بغير تبرئة، والثبات عند حصول الملك والقوة، السورة التي نزلت بعد موت أبي طالب وخديجة، سورة الفراق المحرق، واللهفة الأبوية، والحزن الطويل على الابن الأثير والعين الباكية، وآلام السنين، ثم روعة اللقاء وفرحة الاجتماع بالأبوين والإخوة والأهل.

لقد ختمت هذه السورة بخاتمة جليلة: ختمت بالدعاء بالثبات!كما قال ﷻ عن دعاء يوسف: (رَبِّ قَدۡ ءَاتَیۡتَنِی مِنَ ٱلۡمُلۡكِ وَعَلَّمۡتَنِی مِن تَأۡوِیلِ ٱلۡأَحَادِیثِۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ أَنتَ وَلِیِّۦ فِی ٱلدُّنۡیَا وَٱلۡـَٔاخِرَةِۖ تَوَفَّنِی مُسۡلِمࣰا وَأَلۡحِقۡنِی بِٱلصَّـٰلِحِینَ).

الأحد، 31 يناير 2021

حضارتهم

 أعوذ بالله من خبث حضارتهم!

أما بعد:

     فقد استحييت أن أبدأ هذه المقالة بحمد الله! ثم أنقل شيئًا قليلًا من خبر (ديمقراطية اللذة) على نحو تعبير الدكتور المسيري.

- لا تزال المجتمعات الغربيّة (غير المكبوتة!) تتطور صعودًا في تحقيق الإغراء وإشباع المتعة وتطويع السياسة لنيلها، ففي تلك الدول بدأت تنتشر ظاهرة نشوء أحزاب سياسية (جنسية)، وحصدت الأصوات في دول مثل هولندا!

- وفي استراليا يقول: بيونا باتين، أحد قيادات (الحزب الجنسي) إن السياسة المحافظة لسياسيي إستراليا منعت الإبداع في هذا الشأن! 

- كان الحزب قد اختار في واحدة من النشاطات الانتخابية؛ متجرًا لبيع الدمى الجنسية، للدعاية لأهدافه.

- (وديمقراطية) اللذة لها أهدافها السياسية الفلسفية، وعلى نحو ذلك تستنكر على الدول إغلاق المواقع الإباحيّة.

- وفي هولندا كان من الأهداف المعلنة لهذا الحزب:  تخفيض السن الأدنى للزنا إلى ١٢ عامًا، ووضع القوانين لركوب الفاحشة مع الحيوانات.

- وفي أسبانيا كان الأمر يتجاوز الوعود الانتخابية إلى العروض التخفيضية للناخبين بتخفيض سعر المضاجعة إلى نصف السعر! مع الوعود الانتخابية بتقديم دعم مالي لخفض أسعار الغرف الفندقية للفتيان الصغار.

- وهناك في الولايات المتحدة الأميركية (دولة الحروب واللذة) كانت التسهيلات من نوع آخر، المكافأة للجنود العائدين من الحروب، وقال المتحدث باسم إحدى تلك الجمعيات: "حب الوطن" يستدعي ذلك.

- وأما البرلمانية الإيطالية "إيلونا ستالر"، ممثلة الإباحية التي كان خلع ملابسها من ضمن دعايتها الانتخابية، فقد تجاوزت ذلك، واستعملت أداتها السياسية هذه بدعوة صدام حسين للمضاجعة المجانيّة لتجنيب الشرق الأوسط الحروب!

- وهناك في أرض تقديس العمل، حيث يذوب الإنسان في سبيل الإنجاز والانتاج، وحيث ظهر مصطلح: (كاروشي) أي: الموت بسبب الإرهاق من العمل، هناك في بلاد عجائب التقنية، في اليابان حيث العلم المادي، والتقدم الدنيوي، ستجد وكالات خدمة (وكاريساسيا [متاجر الوداع])، التي يمكن أن تجعلها أنموذجًا لآثار البعد عن هدي الوحي والرسالة.

(وكاريساسيا) هي مكاتب إنهاء العلاقات بين الرجل والمرأة -زوجيّة أو سفاحية-.

إنها وكالات تقوم تعاقداتها بين العميل (الزوج مثلا) والوكالة، ليقوم موظف الوكالة بمحاولات إيقاع الزوجة (مثلًا) في علاقة غرامية (وهمية) ثم توثيق ذلك، ليكون ذريعة في كف الزوج لينهي علاقته بزوجته بعذر خيانتها! أو ليقدمها دليلًا في المحكمة ليثبت الطلاق.

مئات المكاتب المنتشرة، وآلاف المخبرين السريين لهذه الوكالات، وآخرون يدافعون عن أخلاقية هذه التعاقدات!

الاثنين، 27 يوليو 2020

أنواع الاشتراك في الأضحية.

بسم الله الرحمن الرحيم
     الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول ﷲ، أما بعد:
    فمن المسائل التي يكثر دورانها على ألسنة المتفقهين في دين ﷲ، والسائلين عن أحكامه: حكم الاشتراك في الأضحية،  والاجتماع في الثمن والنسك والأجر.
     والاشتراك فيها على أنواع:
١- أن يضحي المضحي ويشرك معه أهل بيته، فهذا قد جاء الحديث بمشروعيته، كما ثبت في الصحيحين عن ﺃﻧﺲ ﺑﻦ ﻣﺎﻟﻚ ﺭﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ، ﻗﺎﻝ: «ﻛﺎﻥ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ ﻳﻀﺤﻲ ﺑﻜﺒﺸﻴﻦ»، وعن أبي ﺃﻳﻮﺏ اﻷﻧﺼﺎﺭﻱ قال: "ﻛﺎﻥ اﻟﺮﺟﻞ ﻳﻀﺤﻲ ﺑﺎﻟﺸﺎﺓ ﻋﻨﻪ ﻭﻋﻦ ﺃﻫﻞ ﺑﻴﺘﻪ، ﻓﻴﺄﻛﻠﻮﻥ ﻭﻳﻄﻌﻤﻮﻥ ﺣﺘﻰ ﺗﺒﺎﻫﻰ اﻟﻨﺎﺱ، ﻓﺼﺎﺭﺕ ﻛﻤﺎ ﺗﺮﻯ" رواه الترمذي.
فيضحي الرجل عنه وعن أهل بيته، وهذا مشروع مجزئ في قول أكثر السلف.
     وهم شركاء في الإجزاء في النسك على أصح أقوال العلماء، وليست مجرد شركة في الثواب كما هو قول بعضهم، وذلك أن الاشتراك نوعان: اشتراك في إجزاء النسيكة، واشتراك في الأجر.
٢- ويدخل في ذلك لو كان للرجل زوجتان أو أكثر، فتجزئ أضحية واحدة، لأن النبي ﷺ ضحى بكبشين وكان له تسعة أبيات.

٣- ويدخل في ذلك كل من سكن مع المضحي، ممن ينفق عليه، من ابن أو أخ أو قريب، فتجزئ أضحية واحدة، عند أكثر فقهاء الأمصار.

٤- ولا يدخل فيه الخدم والعاملون عنده.

٥- ولا يدخل في ذلك الأموات، فالميت لا يدخل في شِرك الأضحية، لأنه لم يعد من أهل البيت، وإنما يضحّى عنه استقلالًا، أو يشرك في الثواب، كما سيأتي.

٦- ويجزئ اشتراك سبعة فأقل في بدنة أو بقرة، عند أكثر أهل العلم، لحديث جابر في مسلم: أﻣﺮﻧﺎ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﺃﻥ ﻧﺸﺘﺮﻙ ﻓﻲ اﻹﺑﻞ ﻭاﻟﺒﻘﺮ، ﻛﻞ سبعة ﻣﻨﺎ ﻓﻲ بدنة"، وأمر الأضحية والهدي واحد، ولذا بوّب أبو داود والترمذي على الحديث في أحكام الأضاحي، وأما ما روي ﻋﻦ اﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ ﻗﺎﻝ: ﻛﻨﺎ ﻣﻊ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﻓﻲ ﺳﻔﺮ ﻓﺤﻀﺮ اﻷﺿﺤﻰ ﻓﺎﺷﺘﺮﻛﻨﺎ ﻓﻲ اﻟﺒﻘﺮﺓ سبعة، ﻭﻓﻲ اﻟﺒﻌﻴﺮ ﻋﺸﺮﺓ"، رواه الترمذي،  فهو معلول، ولذا قال عنه الترمذي: حسن غريب، كعادته حين يريد بيان وهن الحديث، وأشار لضعفه الطبري والبيهقي وغيرهما.

٧- ولا يصح الاشتراك في النسك في التضحية بشاة من ضأن أو معز، فإن ذلك إنما يصح ذلك عن الشخص وأهل بيته، وأما تشارك اثنين فأكثر في النسك بشاة فغير مجزئ، لمفهوم التقسيم في حديث جابر السالف، فإن الشريعة لما جوزت الشركة في البدن والبقر دلّ على اختصاصها بالحكم دون الشياه، وإلا فما هو المقتضى لاختصاص البدن والبقر به.
وأيضًا: فلو قيل بجواز الاشتراك لكان لابد له من حدّ في عدده يؤوب إليه، ولم يأتِ تحديد له في الشريعة ومن حدد فقد تحكّم.
وأيضًا فلا يصح أن ينصب في المسألة أصل تقاس عليه الشياه، وقد حكي الإجماع على ذلك، قال ابن رشد: "وأجمعوا على أن الكبش لا يجزيء إلا عن واحد".
     وأما حديث ﺃبي اﻷﺷﺪ اﻟﺴﻠﻤﻲ، ﻋﻦ ﺃﺑﻴﻪ، ﻋﻦ ﺟﺪﻩ، ﻗﺎﻝ: ﻛﻨﺖ ﺳﺎﺑﻊ سبعة ﻣﻊ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﻗﺎﻝ: ﻓﺄﻣﺮﻧﺎ ﻧﺠﻤﻊ ﻟﻜﻞ ﺭﺟﻞ ﻣﻨﺎ ﺩﺭﻫﻤﺎ، ﻓﺎﺷﺘﺮﻳﻨﺎ أضحية بسبعة اﻟﺪﺭاﻫﻢ"، رواه أحمد، والسبعة دراهم ونحوها إلى الدينار، ثمن الشاة في عهدهم، لا ثمن البقر والإبل، ولكن الحديث لا يفرح به فهو ضعيف.
     فإن تشاركوا في ثمن شاة، لم تصح الأضحية إلا عن واحد، ولكن هم شركاء في الأجر دون النسك، فالنسك لا يقع في الشاة إلا عن شخص واحد وأهل بيته، فإن كانوا جماعة ليسوا أهل بيت فاشتركوا في الثمن فليهبوها لأحدهم، وينسك النسيكة وينوي التضحية.
     ومثله لو تشاركوا لشراء أضحية ليهدوها لحي أو ميت كأب وأم، جازت الشركة هنا، لأن التضحية ليست عن المجموع، بل هي عن شخص واحد.
     ومما أتعجب منه عند نظري لكلام الفقهاء وتعظيمهم لشأن الأضحية أن منهم من لا يرى الاشتراك حتى في البدن والبقر كمالك، وأن بعض من يرى الاشتراك في البدنة والبقرة يقول: هو على خلاف الأصل والقياس، ويجعل القياس أﻥ اﻹﺭاﻗﺔ ﻗﺮﺑﺔ ﻻ ﺗﺘﺠﺰﺃ، ولهذا فسترى أن كتبًا كثيرة من كتب الفقهاء لا ينوّهون بمسألة اشتراك أكثر من واحد في الشاة، فكأنها لوضوحها لا تحتاج لتنويه.

٨- ولا يصح أن يشتري من أراد التضحية سبع بدنة أو بقرة، بل لابد أن تذبح على نية التقرب منه، والأقرب أنه يجب أن ينوي جميع المشتركين القربة في الأضحية ببدنة إبل أو بقرة، خلافًا لمن قال: تجوز اختلاف نيات المشتركين، بين متقرب ومريد لحم، لأن إهراق الدم لا يتجزأ.

٩- ويصح أن يشرك المضحي من شاء في أجر الأضحية، فعن ﺟﺎﺑﺮ ﺑﻦ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﻗﺎﻝ: ﺷﻬﺪﺕ ﻣﻊ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ اﻷﺿﺤﻰ ﺑﺎﻟﻤﺼﻠﻰ، ﻓﻠﻤﺎ ﻗﻀﻰ ﺧﻄﺒﺘﻪ ﻧﺰﻝ ﻣﻦ ﻣﻨﺒﺮﻩ ﻭﺃﺗﻲ ﺑﻜﺒﺶ ﻓﺬﺑﺤﻪ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﺑﻴﺪﻩ، ﻭﻗﺎﻝ: «ﺑﺴﻢ اﻟﻠﻪ، ﻭاﻟﻠﻪ ﺃﻛﺒﺮ، ﻫﺬا ﻋﻨﻲ، ﻭﻋﻤﻦ ﻟﻢ ﻳﻀﺢ ﻣﻦ ﺃﻣﺘﻲ»، فهو محمول عند كثير من العلماء على أنه ﷺ أشركهم في الأجر، لا في النسك.

١٠- ﻭﻟﻮ اﺷﺘﺮﻙ اﺛﻨﺎﻥ ﻓﻲ ﺷﺎﺗﻴﻦ ﻋﻠﻰ اﻟﺸﻴﻮﻉ ﺃﺟﺰﺃ، نص عليه أحمد.

١١- ويجوز أن يشرك الميّت في أجر الأضحية، فيضحي هو أصالة، وينوي أن يهدي للميت من ثوابها، وإن أراد التضحية عن الميت فقد جوز كثير من السلف أن يضحي عنه استقلالًا، وهي أولى ما يدخل في إهداء القربات المالية.

١٢- أما جمع نيتين في ذبيحة كعقيقة وأضحية،  فقد جوزه بعض السلف كالحسن وابن سيرين، وقال به بعض فقهاء الأمصار، والقول بالمنع قول كثير، وهو قول قوي.

والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول ﷲ.

من فقه الآثار

الحمد لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله، أما بعد:
فمن الأحاديث الجليلة ما ثبت ﻋﻦ ﺃﺑﻲ ﻫﺮﻳﺮﺓ قال ﷺ: "الملائكة ﺗﺼﻠﻲ ﻋﻠﻰ ﺃﺣﺪﻛﻢ ﻣﺎ ﺩاﻡ ﻓﻲ ﻣﺼﻼﻩ اﻟﺬﻱ ﺻﻠﻰ ﻓﻴﻪ، ﻣﺎ ﻟﻢ ﻳﺤﺪث، ﺗﻘﻮﻝ: اﻟﻠﻬﻢ اﻏﻔﺮ ﻟﻪ، اﻟﻠﻬﻢ اﺭﺣﻤﻪ".
• هذا حديث جليل القدر عظيم المبوأ عند أهل التنسك، وفيه مسائل أذكر بعضها: 
• ﻫﻞ اﻟﻤﺮاﺩ بمصلاه ﻧﻔﺲ اﻟﻤﻮﺿﻊ اﻟﺬﻱ ﺻﻠﻰ ﻓﻴﻪ ﺃﻭ اﻟﻤﺴﺠﺪ اﻟﺬﻱ ﺻﻠﻰ ﻓﻴﻪ ﻛﻠﻪ ﻣﺼﻠﻰ ﻟﻪ؟
ﻫﺬا ﻓﻴﻪ ﺗﺮﺩﺩ وخلاف بين العلماء:
 القول الأول: أن ذلك لا يختص بالمصلى، بل يشمل جميع المسجد، وقد ﺫﻫﺐ لهذا ﻃﺎﺋﻔﺔ ﻣﻦ اﻟﻌﻠﻤﺎء، ﻣﻨﻬﻢ: اﺑﻦ ﺑﻄﺔ.
وقال العراقي: (وهذا ﺃﻇﻬﺮ ﻭﺃﺭﺟﺢ ﺑﺪﻟﻴﻞ ﺭﻭاﻳﺔ اﻟﺒﺨﺎﺭﻱ اﻟﻤﺬﻛﻮﺭﺓ ﻓﻲ اﻷﺻﻞ: "ﻣﺎ ﺩاﻡ ﻓﻲ اﻟﻤﺴﺠﺪ" ﻭﻛﺬا ﻓﻲ ﺭﻭاﻳﺔ اﻟﺘﺮﻣﺬﻱ، ﻓﻬﺬا ﻳﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ اﻟﻤﺮاﺩ بمصلاه ﺟﻤﻴﻊ اﻟﻤﺴﺠﺪ).
وقال ابن حجر: (ﺃﻱ ﻓﻲ اﻟﻤﻜﺎﻥ اﻟﺬﻱ ﺃﻭﻗﻊ ﻓﻴﻪ اﻟﺼﻼﺓ ﻣﻦ اﻟﻤﺴﺠﺪ، ﻭﻛﺄﻧﻪ ﺧﺮﺝ ﻣﺨﺮﺝ اﻟﻐﺎﻟﺐ، ﻭﺇﻻ ﻓﻠﻮ ﻗﺎﻡ ﺇﻟﻰ ﺑﻘﻌﺔ ﺃﺧﺮﻯ ﻣﻦ اﻟﻤﺴﺠﺪ ﻣﺴﺘﻤﺮا ﻋﻠﻰ ﻧﻴﺔ اﻧﺘﻈﺎﺭ اﻟﺼﻼﺓ ﻛﺎﻥ ﻛﺬﻟﻚ).
القول الثاني: أنه خاص بمحل صلاته.
ﻭﻗﺪ ﺭﻭﻱ ﻋﻦ ﺃﺑﻲ ﻫﺮﻳﺮﺓ ﻣﺎ يدل عليه.
ﻭﻳﺆﻳﺪه ﻗﻮﻟﻪ ﷺ: ﻓﻲ ﺭﻭاﻳﺔ ﻣﺴﻠﻢ ﻭﺃﺑﻲ ﺩاﻭﺩ ﻭاﺑﻦ ﻣﺎﺟﻪ: "ﻣﺎ ﺩاﻡ ﻓﻲ ﻣﺠﻠﺴﻪ اﻟﺬﻱ ﺻﻠﻰ ﻓﻴﻪ".
وكأن هذا القول أقرب، ومع هذا فليحرص المتعبد أن لا يتحول من موضعه لغير مقتضى، والعلم عند رب العالمين.

• وهنا مسألة أخرى:
هل يشترط لحصول الثواب أن يكون انتظارا لصلاة؟
قال العراقي: (ﻗﻮﻟﻪ: "ﻣﺎ ﺩاﻡ ﻓﻲ ﻣﺼﻼﻩ اﻟﺬﻱ ﺻﻠﻰ فيه"، ﻳﻘﺘﻀﻲ ﺣﺼﻮﻝ اﻟﺜﻮاﺏ اﻟﻤﺬﻛﻮﺭ ﺑﻤﺠﺮﺩ ﺟﻠﻮﺳﻪ ﻓﻲ ﻣﺼﻼﻩ ﺣﺘﻰ ﻳﺨﺮﺝ، ﻟﻜﻦ ﺭﻭاﻳﺔ اﻟﺒﺨﺎﺭﻱ ﺗﻘﺘﻀﻲ ﺗﻘﻴﻴﺪ ﺣﺼﻮﻝ اﻟﺜﻮاﺏ ﺑﻜﻮﻥ ﺟﻠﻮﺳﻪ ﺫﻟﻚ ﻻﻧﺘﻈﺎﺭ اﻟﺼﻼﺓ، ﻓﺈﻧﻪ ﻗﺎﻝ ﻓﻴﻬﺎ: "ﻣﺎ ﺩاﻡ ﻓﻲ اﻟﻤﺴﺠﺪ ﻳﻨﺘﻈﺮ اﻟﺼﻼﺓ"، ﻭﻫﻮ ﻭاﺿﺢ).
وقال ابن حجر: (ﻭﻳﺆﺧﺬ ﻣﻦ ﻗﻮﻟﻪ: "ﻓﻲ ﻣﺼﻼﻩ اﻟﺬﻱ ﺻﻠﻰ ﻓﻴﻪ" ﺃﻥ ﺫﻟﻚ ﻣﻘﻴﺪ ﺑﻤﻦ ﺻﻠﻰ ﺛﻢ اﻧﺘﻈﺮ ﺻﻼﺓ ﺃﺧﺮﻯ).

• وهنا مسألة ثالثة مليحة:
وهي هل يلحق بذلك النساء والمعذورون، ممن لم يصلوا في المساجد، إن حبسوا أنفسهم في مصلياتهم:
ألحق بعض أهل العلم هؤلاء بمن لزم مصلاه في مسجد الجماعة، كالحافظ ابن عبد البر، فقد ألحق النساء إذا حبسن أنفسهن في مصلاهن.
بل ﻗﺎﻝ اﺑﻦ ﺑﻄﺎﻝ: (ﻭﻳﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﻣﻦ ﺃﺷﺒﻬﻬﻢ ﻓﻲ اﻟﻤﻌﻨﻰ ﻣﻤﻦ ﺣﺒﺲ ﻧﻔﺴﻪ ﻋﻠﻰ ﺃﻓﻌﺎﻝ اﻟﺒﺮ ﻛﻠﻬﺎ ﻭاﻟﻠﻪ ﺃﻋﻠﻢ).
فالله أعلم.

الخميس، 23 يوليو 2020

حين يثلم القلب!

    الحمد لله:
     هكذا يا أبا عبد ﷲ سُكب البارحة ما بقي من كأس صحبتنا في هذه الدنيا!
    وهكذا تنسرب الحياة كما ينسرب الماء بين الأصابع! قبل أن نرتوي من لقاء الأحبة الصالحين، ومجالس الإخوة المتقين.

     كنَّا طلابًا في الجامعة، في كلية الشريعة بأبها، وتعرفت على أبي عبد ﷲ، كان شابًا بسّامًا لا تغادر البسمة وجهه، طلق المحيّا، خفيف الظلّ، حافظًا لكتاب الله، ظل إمامًا لمسجد لبنان بأبها سنين عددًا.
     كان أبو عبد الله من أسرة من كرائم أسر عسير، جدّه لأبيه كان قاضيًا في أيام العثمانيين، وأبوه -الشيخ عبد ﷲ- من قدماء مشايخ المعهد العلمي بأبها، وفي بيت الكرم والدين هذا نَبَتَ الحسن.
وفي أبها ومحاضنها التربوية، ومواعظ دعاتها، وحماسة أهلها للدين درَج الحسن الهنيدي.

لن تجد أحدًا من أصحابه إلا سيقول: كان الحسن أخصّ أصحابي!
فقد كان يحفُل بالجميع، ويحنو عليهم، ويعطيهم من نفسه، ويخصّ كل أحد بمكرمة، حتى يخيّل إليه أنه أخص أصحاب أبي عبد ﷲ!

والرأي الجامع في صفة أبي عبد ﷲ الذي لا يختلف فيه اثنان: أنه لم تكن له خصومة مع أحد! ولم تجر له عداوة مع مؤمن!
فرحمة ﷲ عليك يا أبا عبد ﷲ!

     كان من القلة الذين أشاركهم همومي، وأستودعهم أسراري، ولقد كان يكفيه ما يحمل على كتفيه من أثقال البلاء وأعباء المرض، لكنني كنت آنس لكلماته، وأسكن لرأيه.

     ابتلي أبو عبد ﷲ بالفشل الكلوي قبل نحو ١٧ عامًا، وأجريت له عملية زراعة للكلى ثم فشلت الزراعة، وابتلي بعدم الذرية، وكان مع ذلك بسامًا رحْب الوجه، لم تبدّله الغِيَر، ولم تنل من سعادة روحه البلايا، ولا والله ما سمعته يومًا بَرِمًا، وما لقيته قط ضجرًا، وما اشتكى يومًا فقدَ الذرية، ولا اعترض على بلاء المرض، وأحسب أن هذا الرضا عن ربه، وعن قدره؛ من أعظم أعماله الصالحة، جازاه ﷲ بأحسن عمله.

     كنت أنتظر لقائي به دائمًا، وأفرح به، وأتشوّف له، وكان من عادتي كلما سافرت للأهل في الخميس، أن أزور الشيخ الحسن في بيته في أبها، وإن زرته فلابد أن يجتمع عنده شباب الدعوة، وإخوة الطريق، فللّه ما أطيب تلك الجلسات، وما أُحَيْلى تلك الأمسيات.
كانت أخبار المسلمين، وأنباء الدعوة هي عُظم ما يدور في مجلسه، مع حلاوة المفاكهة، وجميل المذاكرة.
ولا تسل عن حزنه لمصاب إخوانه، ولا عن وقوفه في نصرتهم، ولقد كان له معي مقامات مشهودة، نصرني فيها حين تَذاءَب بعض المنحرفين، فقام رحمه ﷲ في الأمر وقعد، مع تعبه ومرضه؛ حتى ردّ ﷲ به عنّي بأسًا كثيرًا، فجزاه الله عنّي خير ما جزى أخًا عن أخيه.

ولقد شهدت منه مواقف من غيرته على الشريعة، وهمّه للدين، ما أرجو أن تكون شفيعة له عند ربه.

وكان أكثر ما يُشْجيه ويكربه أن يسمع خلافًا بين حملة الدعوة، أو أن تبلغه خصومة بين أهل العمل الإسلامي، فيغتمّ لذلك ويحزن، ويضيق ويكرب، فإنه كان مطبوعًا على جمع القلوب، يألف ويُؤلف، يحب الاجتماع، وينشز عن الخلافات، ويفر من الخصومات.

وكان -رحمه ﷲ- وفيّا لإخوانه، يتفقدهم بالسؤال، ويصلهم بالرسالة أو بالاتصال، ولا ينقطع لانقطاعهم، بل لا يزال مادًّا حبل الصلة مع القريب والبعيد.

وكنت أقارضه ملاطفةً بملاطفة، وممازحةً بممازحة، فكان كلما أدار دائرة المناقضة عليّ قلت له مضاحكًا: أنا شيخك، وذلك أنّي كنت أدارسه الفرائض في المستويات الأخيرة من الجامعة، فإنّه حين مرض انتسب في الدراسة، ولم يكمل الانتظام، فكان إذا سمع كلمتي هذه اعتدل في جلسته، وسوّى من ملابسه، وقال: صدقت صدقت، وعاد عن غارته، وأذكر أنّنا زرنا عالمًا من العلماء مرة، وأجلسه بجواره، وخصّه بمزيد من الإكرام، فكان أبو عبد الله بعد ذلك يناقضني إذا قلت له: أنا شيخك، فيقول ممازحًا لي: قد استوت الرؤوس، كلنا صرنا شيوخًا، أما تذكر حين أجلسني الشيخ بجواره، ولم يجلسك بجواره، فضحكنا بها زمنًا.
وكان رحمه ﷲ حُفَظَة للأحداث والغرائب، يحفظ عن كل منّا أحدوثة، ذا ملكة في القصة والوصف، فلا تزال معه في ملاحة الحديث، ولذاذة المجالسة.

     وكنت لا أكاد أكتب شيئًا إلا علّق عليه بتعقيبه، تارة بتأثره مما قرأ، وتارة بممازحة، وتارة باستفسار، حتى أصبح مما اعتدته معه في أول لقائنا بعد أي كتابة أكتبها أو بحث أرسله له؛ أن أسمع تعليقه عليه، وكان آخر تعليق له: رسالة أرسلها لي، يمازحني فيها عن مقال لي كنت كتبته عن -طه حسين- ورآه يتداول في صفحة من صفحات بعض من يُغْمز في دينه بالغلو، فراسلني يمازحني يقول: انظر هؤلاء ينشرون مقالك!
وظل يطايبني بكلامه الطيّب ومزحه الحاني.

     قبل الحظر كنت ألحّ عليه ليزورني، وكان يشتكي ضيق وقته في آخر أيام تدريبه في المعهد العدلي، وما كنت أظن أني لن أراه بعد ذلك.
وجاء الحظر واعتزل الخلطة، وما زال على عزلته، محاذرة المرض، لضعف صحته، ووهن بدنه، ثم كلمته قبل أيام، فشكى لي تعبًا في جسمه، وأحاله على جهد غسيل الكلى، ولم نكن نعلم أنه أصيب بالمرض، وأنه وهن المرض لا وهن الغسيل، تحدثت أنا وهو طويلًا، وليتني أطلت أكثر، فقد كان آخر حديث بيني وبينه!
ثم بلغني دخوله المستشفى، فراسلته، وأجابني يشكو ضيق التنفس، ولما كان البارحة أرسلت له رسالة أطمئن على صحته، فكانت الرسالة الأخيرة التي لا جواب بعدها، فلم يرد أبو عبد ﷲ عليّ، وظننته نائمًا، أو متعبًا قليلًا، فلما استيقظت للفجر، وتجهزت للمسجد، رأيت الفاجعة في رسائل الأحبة، رأيت رسائلهم تعزي وتواسي، فدارت بي الأرض.
وهكذا الموت سيقف حجازًا بينك وبين حبيب من أحبابك، ترسل له يومًا فلا يجيب، وتكتب له فلا يردّ، فلنحسن وفادة بعضنا في هذه الدنيا.
حين أيقنت بالخبر أخذتني كظمة في صدري، ولم تخرج دمعة تريحني، وذهبت فصليت بالجماعة، وأنا مكروب النفس وﷲ.
فلما رجعت من الصلاة، وعدت في طريقي للبيت، كلمني أحد أحبابنا يعزّي، فلمّا سمعت صوته، تذكرت مجالسنا الطيبة مع أبي عبد الله، وأيامنا الماضية، تذكرت أسفارنا ولقاءاتنا، تذكرت ما تشاركناه من أفراحنا وأحزاننا، فما تمالكت دمعي، وانبعثت كظمة صدري، وبكيت عليه بكاءً ما بكيته على قريب، فرحمك ﷲ يا أبا عبد ﷲ وجمعنا بك في جنات النعيم.
والله المستعان.
 ٢/ ١٢ / ١٤٤١