الأحد، 2 يونيو 2019

استحباب إخراج زكاة الفطر يوم العيد قبل الصلاة.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فتفضيل إخراج زكاة الفطر يوم العيد قبل صلاة العيد هو الذي تدل عليه الأدلة، وهو المعروف عن الصحابة وفقهاء التابعين وأصحاب المذاهب.
وقد تداول بعض الفضلاء كلامًا في المسألة لشيخ شيوخنا العلامة السعدي رحمه ﷲ ينفي فيه وجود الدلالة على استحباب إخراجها يوم العيد على غيره، ويقرر فيه عدم تفضيل هذا الوقت على غيره، فأحببت أن أكتب في المسألة كلامًا مختصرًا يشير إلى بعض ما يدل على خلاف كلامه رحمه الله، وأن أبين بعض ما يدل على استحباب إخراجها قبيل صلاة العيد، وأن هذا هو الذي عليه عمل الصحابة فمن بعدهم من العلماء من التابعين وعلماء الأمصار والمذاهب المتبوعة، والله المستعان.

فمما يستدل على هذه الأفضلية:
١ • ما في الصحيحين عن ابن عمر: "ﺃﻥ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﺃﻣﺮ بزكاة اﻟﻔﻄﺮ ﺃﻥ ﺗﺆﺩﻯ ﻗﺒﻞ ﺧﺮﻭﺝ اﻟﻨﺎﺱ ﺇﻟﻰ اﻟﺼﻼﺓ".
والمقصود أن تؤدى يوم العيد قبل الخروج للصلاة، ولذا بوّب البخاري على الحديث: (ﺑﺎﺏ اﻟﺼﺪﻗﺔ ﻗﺒﻞ اﻟﻌﻴﺪ).
قال ابن حجر: "ﻗﺎﻝ اﺑﻦ اﻟﺘﻴﻦ: ﺃﻱ ﻗﺒﻞ ﺧﺮﻭﺝ اﻟﻨﺎﺱ ﺇﻟﻰ ﺻﻼﺓ اﻟﻌﻴﺪ ﻭﺑﻌﺪ ﺻﻼﺓ اﻟﻔﺠﺮ".
وبوّب ابن زنجويه في كتابه الأموال على هذا الحديث "باب: ﻣﺎ ﻳﺴﺘﺤﺐ ﻣﻦ ﺇﺧﺮاﺟﻬﺎ ﻗﺒﻞ ﺻﻼﺓ العيد ﻳﻮﻡ العيد".

٢ • وهكذا كان شأن الصحابة رضوان الله عليهم:
- ولهذا قال أبو ﺳﻌﻴﺪ اﻟﺨﺪﺭﻱ ﺭﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ: "ﻛﻨﺎ ﻧﺨﺮﺝ ﻓﻲ ﻋﻬﺪ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﻳﻮﻡ اﻟﻔﻄﺮ ﺻﺎﻋﺎ ﻣﻦ ﻃﻌﺎﻡ" هذا لفظ البخاري.
فقال: (يوم الفطر).
- وقال ابن عباس: "ﻣﻦ اﻟﺴﻨﺔ ﺃﻥ ﺗﺨﺮﺝ ﺻﺪﻗﺔ اﻟﻔﻄﺮ ﻗﺒﻞ اﻟﺼﻼﺓ"، رواه ابن أبي شيبة.
ولا يقال: إن ابن عباس إنما أراد أنها تؤدى قبل الصلاة مطلقا لينفي أداءها بعد الصلاة، فقد روى عبد الرزاق عن اﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ قال: "ﺇﻥ اﺳﺘﻄﻌﺘﻢ ﻓﺄﻟﻘﻮا ﺯﻛﺎﺗﻜﻢ ﺃﻣﺎﻡ اﻟﺼﻼﺓ ﺃﻭ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻱ اﻟﺼﻼﺓ، ﻳﻌﻨﻲ ﺻﻼﺓ اﻟﻔﻄﺮ".

- وما جاء عن أنهم كانوا يخرجونها قبلها بيوم أو يومين، فإنما ذلك لمحل تيسرها، وحضور من يجمعها، ولذا روى عبد الرزاق ﻋﻦ ﻧﺎﻓﻊ ﻗﺎﻝ: ﻛﺎﻥ اﺑﻦ ﻋﻤﺮ ﻳﺨﺮﺝ ﺯﻛﺎﺓ اﻟﻔﻄﺮ ﻗﺒﻞ ﺃﻥ ﻳﺨﺮﺝ ﺇﻟﻰ اﻟﻤﺼﻠﻰ ﺣﻴﻦ ﻳﺠﻠﺲ اﻟﺬﻳﻦ ﻳﻘﺒﻀﻮﻧﻬﺎ، ﻭﺫﻟﻚ ﻗﺒﻞ اﻟﻔﻄﺮ ﺑﻴﻮﻡ ﺃﻭ ﻳﻮﻣﻴﻦ".
وعند ابن زنجويه: في الأموال عن ﻧﺎﻓﻊ ﺃﻥ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﻋﻤﺮ ﻛﺎﻥ ﻳﺒﻌﺚ بزكاة اﻟﻔﻄﺮ ﺇﻟﻰ اﻟﺬﻱ ﺗﺠﻤﻊ ﻋﻨﺪﻩ ﻗﺒﻞ اﻟﻔﻄﺮ ﺑﻴﻮﻣﻴﻦ ﺃﻭ ﺛﻼﺛﺔ".
فكان ذلك لحضور من يجمع الصدقات ويقبضها.
- ولهذا كان علماء أهل بيت ابن عمر يخرجونها غدوة، وهم أعرف الناس بعلم أبيهم، كما روى عبد الرزاق عن ﻋﺒﻴﺪ اﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﻋﻤﺮ ﻗﺎﻝ: "ﺃﺩﺭﻛﺖ ﺳﺎﻟﻢ ﺑﻦ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﻭﻏﻴﺮﻩ ﻣﻦ ﻋﻠﻤﺎﺋﻨﺎ ﻭﺃﺷﻴﺎﺧﻨﺎ، ﻓﻠﻢ ﻳﻜﻮﻧﻮا ﻳﺨﺮﺟﻮﻧﻬﺎ ﺇﻻ ﺣﻴﻦ ﻳﻐﺪو".

- وكان اﻟﺰﻫﺮﻱ يقول: "ﻻ ﺑﺄﺱ ﺃﻥ ﺗﺆﺩﻭا ﺯﻛﺎﺓ اﻟﻔﻄﺮ ﻗﺒﻠﻪ ﺑﻴﻮﻡ ﺃﻭ ﻳﻮﻣﻴﻦ ﺃﻭ ﺑﻌﺪ اﻟﻔﻄﺮ ﺑﻴﻮﻡ ﺃﻭ ﻳﻮﻣﻴﻦ".
وأما هو فكان  يؤخر ذلك ليوم العيد، ولذا ﻗﺎﻝ معمر: "ﻭﻛﺎﻥ ﻳﺨﺮﺟﻬﺎ ﻫﻮ ﻗﺒﻞ ﺃﻥ ﻳﻐﺪﻭ"، وجاء عنه مرسلا مرفوعا إلى النبي ﷺ أن ذلك السنة، رواها عبد الرزاق.

٣ • وهذا هو المعروف عن فقهاء التابعين: 
- فعن ﺇﺑﺮاﻫﻴﻢ ﺑﻦ ﻋﺎﻣﺮ ﺑﻦ ﻣﺴﻌﻮﺩ ﻗﺎﻝ: ﺭﺃﻳﺖ سعيد ﺑﻦ اﻟﻤﺴﻴﺐ "ﻳﺨﺮﺝ ﺯﻛﺎﺓ اﻟﻔﻄﺮ ﻗﺒﻞ ﺃﻥ ﻳﺨﺮﺝ" رواه ابن زنجويه في الأموال.
- وعن ﺇﺑﺮاﻫﻴﻢ: "ﺃﻧﻪ ﻛﺎﻥ ﻳﺤﺐ ﺃﻥ ﻳﺨﺮﺝ ﺯﻛﺎﺓ اﻟﻔﻄﺮ ﻗﺒﻞ ﺃﻥ ﻳﺨﺮﺝ ﺇﻟﻰ اﻟﺠﺒّﺎﻧﺔ".
 - وﻛﺎﻥ ﺃﺑﻮ ﻧﻀﺮﺓ «ﻳﻘﻌﺪ ﻳﻮﻡ اﻟﻔﻄﺮ ﻓﻲ ﻣﺴﺠﺪ اﻟﺤﻲ، ﻓﻴﺆﺗﻰ ﺑﺰﻛﺎﺗﻬﻢ ﻭﻳﺮﺳﻞ ﺇﻟﻰ ﻣﻦ ﺑﻘﻲ ﻓﻴﺆﺗﻰ ﺑﺰﻛﺎﺗﻪ، ﻓﻴﻘﺴﻤﻬﺎ ﻓﻲ ﻓﻘﺮاء اﻟﺤﻲ، ﺛﻢ ﻳﺨﺮﺝ". رواها ابن أبي شيبة.
-  وجاء ذلك عن عطاء وأبي سلمة وعكرمة كما عند عبد الرزاق.

٣ • ولأنه وقت الوجوب المتفق عليه بينهم، والأصل أن أداء العبادة في وقت وجوبها أفضل، والتعجيل بخلاف الأصل في العبادات المؤقتة.
٤ • ولأنها مضافة للفطر، والفطر إنما يكون في النهار، أي زكاة الفطر من رمضان بوجوده نهار العيد، ﻷﻥ اﻟﻠﻴﻞ ﻟﻴﺲ ﻣﺤﻼ ﻟﻠﺼﻮﻡ ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻳﺘﺒﻴﻦ اﻟﻔﻄﺮ اﻟﺤﻘﻴﻘﻲ ﺑﺎﻷﻛﻞ ﺑﻌﺪ ﻃﻠﻮﻉ اﻟﻔﺠﺮ.

٥ • وأما نصوص الفقهاء من المذاهب فمتوافرة متكاثرة، وانظر منها: المبسوط ٣/ ١٠٢، وتبيين الحقائق ١/ ٢٢٤، والمدونة ١/ ٣٨٥، والذخيرة ٣/ ١٥٧، الفواكه الدواني ١/ ٣٤٩، وتحفة المحتاج ٣/ ٣٠٨، والمغني ٣/ ٨٨، وكشاف القناع ٢/ ٢٥٢.


والعلم عند الله.

الجمعة، 31 مايو 2019

من أصول الجدل ورد المبطل عن مذهبه في سورة سبأ

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول ﷲ ، أما بعد: 
قال ﷻ: (قُلۡ إِنَّمَاۤ أَعِظُكُم بِوَ ٰ⁠حِدَةٍۖ أَن تَقُومُوا۟ لِلَّهِ مَثۡنَىٰ وَفُرَ ٰ⁠دَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا۟ۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِیرࣱ لَّكُم بَیۡنَ یَدَیۡ عَذَابࣲ شَدِیدࣲ)
• في هذه الآية خمسة أصول من أصول النظر وطلب الحق والتجرد له والنظر في دلائله:
 ١) القصد إلى القضية المركزية التي ينبني عليها ما بعدها، مما هي معدودة من أمات المسائل، وتكون الباب الذي يولج منه للإقناع، فالمصلح يبحث عن هذه القضية فيمسك بها ثم يجتهد في تجليتها لتفتح ما سواها، قال الله (ثُم تَتَفَكَّرُوا۟ۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍۚ)، فإن تفكرهم في أنه ﷺ ليس متهما في عقله مما يفتح لهم باب القناعة بصدقه.

 ٢) عدم تفريق النظر وتشتيت الفكر بكثرة الكلام، فيتجهم المخالف ويتقبض عن الإقبال للداعي إلى الحق، ولهذا قال هنا: (أَعِظُكُم بِوَ ٰ⁠حِدَةٍۖ)، فوصفه بأنه خصلة واحدة لئلا يستثقلوا النظر، لاسيما وهم معرضون من قبل، فكأنه قال: ليس بي إجهاد لكم ولا تضييع لوقتكم.

 ٣) ابتغاء وجه ﷲ في المحاجّة، وتحري الإخلاص عند طلب البراهين، فإنه قال ﷻ: (أَن تَقُومُوا۟ لِلَّهِ).

٤) طلب الحق بتأمل يتأمله الإنسان مع نفسه أو مع صاحب يعين على الكشف عن الحق ويدارس الحجج، دون تكثير الجموع، ولذا قال: (مَثۡنَىٰ وَفُرَ ٰ⁠دَىٰ).
فإن الجموع إذا كثرت تهيّب المتحدث الرجوع للحق، واحتملته عصبية لنفسه، وخاف التشنيع بالرجوع، وشجعته السمعة للتمسك برأيه، بخلاف لو كان خاليا فإنه يمحضها النصح بغير عائق يحمله على ضد ذلك.

٥) الوقوف بتروٍ للتفكير، والتمسك بالتفكير الحر المتجرد، فإن من الناس من إذا عُرض عليه الحق نابذه تقليدا، أو تركه بلا حجة إلا لما يهجم على قلبه من تركه من غير رويّة، ولهذا قال ﷻ: (ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا۟ۚ).

والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

الثلاثاء، 28 مايو 2019

المنافقون في سورة التوبة (السمات، والدوافع، وتزكية الصف) -١-


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول ﷲ، أما بعد:
فقد كان نزول سورة التوبة في السني الأخيرة من الدعوة النبوية، وإذا نظرت في هذه السورة ستجد أن قريبا من نصفها جاء في وصف المنافقين وذكر سماتهم وعلاماتهم.
ألم يبلغك ما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس ﻗﺎﻝ: "اﻟﺘﻮﺑﺔ ﻫﻲ اﻟﻔﺎﺿﺤﺔ، ﻣﺎ ﺯاﻟﺖ ﺗﻨﺰﻝ ﻭﻣﻨﻬﻢ وﻣﻨﻬﻢ ﺣﺘﻰ ﻇﻨﻮا ﺃﻧﻬﺎ ﻟﻦ ﺗﺒﻘﻲ ﺃﺣﺪا ﻣﻨﻬﻢ ﺇﻻ ﺫﻛﺮ ﻓﻴﻬﺎ" أي من المنافقين.

وكان ابتداء الحديث في سورة التوبة عن النفاق وصفات المنافقين من أول قول ﷲ ﷻ: "(لَوۡ كَانَ عَرَضࣰا قَرِیبࣰا وَسَفَرࣰا قَاصِدࣰا لَّٱتَّبَعُوكَ وَلَـٰكِنۢ بَعُدَتۡ عَلَیۡهِمُ ٱلشُّقَّةُۚ وَسَیَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسۡتَطَعۡنَا لَخَرَجۡنَا مَعَكُمۡ یُهۡلِكُونَ أَنفُسَهُمۡ وَٱللَّهُ یَعۡلَمُ إِنَّهُمۡ لَكَـٰذِبُونَ).
ومضى السياق يبين الصفات النفاقيّة ويكشف أسبابها، ويعقب عليها بما تقتضيه من كشف وتحذير وإصلاح وتزكية.

 فكان أول وصفٍ وُصِفَ به المنافقون: 
١) التخلف عن البذل للحق، والمثاقلة عن التضحية للدين، والتثبط عن العطاء في ذات ﷲ، فعقّبت هذه الصفة بتعقيبات قرآنية هادية، تزكي الصف المسلم وتربيه، وتذهب عنه رجز المنافقين، فعقبت بأربعة عشر تعقيبا كما تراها في سياق الآيات:
١- فجاء ذكر سبب هذا التخلف: (وَلَـٰكِنۢ بَعُدَتۡ عَلَیۡهِمُ ٱلشُّقَّةُۚ)، إنه مشقة التكليف، وثمن التضحية!.
والمنافقون موجودون في الصف المسلم، سيقفون بجوارك في المناسبات الناعمة، وسيكونون بجانبك في المواقف الرخيّة، فهم مع المسلمين ما دام الأمر سهلا لينا، فإذا جاءت الموجبات، وكانت العزائم، واستحقت التضحيات تولوا وتركوك قائما!

 ٢- ثم عقّب ﷻ ذلك بذكر عذرين من أعذارهم التي كانوا يتعللون به، فكان أوّل عذر حكاه ﷲ عنهم في هذه السورة ما جاء في قوله ﷻ: (وَسَیَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسۡتَطَعۡنَا لَخَرَجۡنَا مَعَكُمۡ)، فاعتذروا بالعجز عن البذل والعطاء والتضحية، وتعللوا بعدم القدرة عليه.
وسيأتي ذكر عذرهم الثاني في التعقيب الثالث عشر.
٣ - وكان من تعقيبات السياق: أنهم أكّدوا عجزهم باليمين والحلف الكاذب، فإنهم لمهانتهم يعلمون أن كذبهم لن يروج إلا بالحلف والقسم.

٤- ثم أخبر ﷲ بأن فعلهم هذا الذي أرادوا به السلامة من الهلك والتلف هو الهلاك الحقيقي فقال ﷻ: (یُهۡلِكُونَ أَنفُسَهُمۡ)!
ليس الهلاك أن تذهب النفس ويتلف المال في سبيل ﷲ، ولكن الهلاك حقا أن يتولى الإنسان عن البذل في سبيل ﷲ، ويترك التضحية في ذات ﷲ، ويقعد عن مقامات التقدمة للدين، ذاك هو الهلاك الحقيقي.

٥- ثم قال ﷻ: (وَٱللَّهُ یَعۡلَمُ إِنَّهُمۡ لَكَـٰذِبُونَ)، فأكذبهم في عذرهم، وألزمهم المذمة باختلاق المعاذير.
والنفس تنسج لصاحبها من التخييلات ما يقعده عن الواجبات، ثم تزيّن له ذلك بزيف من الدوافع، تخادع صاحبها، وتأتي له بالمعاذير، ولكن ﷲ يعلم الصادقين والكاذبين.

٦- ثم جاء العتاب الربّاني لمحمد ﷺ حين أذن لهؤلاء، فقال ﷻ: (عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمۡ حَتَّىٰ یَتَبَیَّنَ لَكَ ٱلَّذِینَ صَدَقُوا۟ وَتَعۡلَمَ ٱلۡكَـٰذِبِیـن)، وهو عتاب الودود ﷻ الذي يبتدئ بذكر العفو قبل المعتبة.
عفا ﷲ عنك لماذا لم تتركهم لينكشف نفاقهم، وليخلع عنهم لباس الزور الذي يدعونه!
سيذهبون الآن يتعللون بإذنك، ويتعذرون به، كلما لقيتهم ملامة من أحد قالوا: قد أذن لنا محمد ﷺ!
 اتركهم ولا تأذن لهم وسيتخلفون عن نصرة الحق!
فسواء عليهم أذنت أم لم تأذن سيتخلفون عن التضحية في ذات الله!
وهذا درس عظيم لأهل الدعوة والإصلاح؛ أن لا يفسحوا لأهل الباطل وسيلة يتعذرون بها، ولا يتركوا لهم ستارا من المعاذير ليستروا به باطلهم، ليحذر أهل الدعوة والعلم والإصلاح أن يعطوا المبطلين حجة أن يخفوا بها سوءتهم، فإن انكشاف أمرهم خير للدعوة، وظهورهم بادية عوراتهم من غير ستار خير للمسلمين، وافتضاح حالهم أنفع للأمة.

٧- ثم عُقّب السياق بنفي الإيمان عن هؤلاء المنافقين: (لَا یَسۡتَـٔۡذِنُكَ ٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِ أَن یُجَـٰهِدُوا۟ بِأَمۡوَ ٰ⁠لِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِیمُۢ بِٱلۡمُتَّقِینَ ۝  إِنَّمَا یَسۡتَـٔۡذِنُكَ ٱلَّذِینَ لَا یُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِ).
وهذا حكم ترجف له قلوب الخاشعين!
إن التخلف عن نصرة الدين، ثم التستر وراء المعاذير الكاذبة ليس من صنيع من يؤمن بالله، ولا يفعله الذي يؤمن بالآخرة!
والإيمان بالآخرة وعمران القلب بتذكرها مما يطيب على القلب المعاطب في ذات ﷲ!
 ودوام تذكير القلب باليوم الآخر ومشاهد القيامة ونعيم الجنة وعذاب القلب مما يزهّد في الدنيا ويعظم الرغبة في التضحية.

٨- ثم عقّب ﷲ ذلك بذكر دافع من دوافع المتخاذلين، وسبب من أسباب القاعدين قال ﷻ: (وَٱرۡتَابَتۡ قُلُوبُهُمۡ فَهُمۡ فِی رَیۡبِهِمۡ یَتَرَدَّدُونَ)!
إنه الريب والشك وفوات يقين القلوب!
فاليقين حاد يحدو القلوب للآخرة، ويثبتها للتضحيات، ويسوقها راضية للبذل، فإذا خرب القلب عن اليقين وتعطل نوره فيه؛ خارت قواه وتفسخت عزائمه!

٩- ثم ذكر ﷲ سببا من أسباب انغلاق الخير عن القلب وحجب النور عنه: إنه فساد الإرادة!
فقال سبحانه: (وَلَوۡ أَرَادُوا۟ ٱلۡخُرُوجَ لَأَعَدُّوا۟ لَهُۥ عُدَّةࣰ)
إن من أعظم مفاتيح الخير ومنافذه للقلب حسن القصد وصلاح التوجه لقبول الوحي، فإذا بالحق سهلا يسيرا محببا إليه.
وهذه قاعدة سلوكية عظيمة، فالقلب إذا صدق صاحبه في توجيهه للنور وجد من قبسه ولقي من هداه بحسب حسن القصد وقوة التوجه، فكما يجد البصر إدراكه بحسب توجهه للنور والضوء، فكذلك القلب في توجهه لنور الوحي.
لكن المنافقين فسدت مقاصدهم ولم تصلح مراداتهم.

١٠- ثم ذكر ﷲ بعد ذلك أمرا وشأنا عجباً!
أرأيت تخلفهم ذاك؟
أرأيت تثاقلهم عن الطاعة؟
إنما كان عقوبة لهم!
فإن العبد لا يزال يدْبر عن الطاعة حتى يكره ﷲ منه الطاعة ويثبّطه!
قال ﷻ: (وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمۡ فَثَبَّطَهُمۡ وَقِیلَ ٱقۡعُدُوا۟ مَعَ ٱلۡقَـٰعِدِینَ)!
إن ترك الطاعات والتولي عن القربات قد يكون لكراهية ﷲ الطاعة من العبد، فيخذله ويسد السدد في وجهه!

١١- ثم يسلّي ﷲ المؤمنين الذين يعز عليهم أن يتخلف عنهم من كانوا يظنونه من إخوانهم!
والذين يشقّ عليهم أن يروا من كان معهم وهو يتولى عنهم، وينفض يده منهم، فيسليهم ﷲ ويعظهم، وفيه أمر آخر فإن ﷲ لما كره انبعاثهم وصدهم عن الطاعة أخبر عن أن تقديره كان خيرا للمؤمنين، لما في خروجهم من المفاسد، فيقول: (لَوۡ خَرَجُوا۟ فِیكُم مَّا زَادُوكُمۡ إِلَّا خَبَالࣰا وَلَأَوۡضَعُوا۟ خِلَـٰلَكُمۡ یَبۡغُونَكُمُ ٱلۡفِتۡنَةَ وَفِیكُمۡ سَمَّـٰعُونَ لَهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِیمُۢ بِٱلظَّـٰلِمِینَ)!
لا تحزن إذا رأيت المتخلف قد تخلف عن الركب وترك اللحوق بالقافلة!
لا تأس على المتولين الذين انخزلوا وسئموا طول الطريق!
فإن في تخلفهم مصالح!
وإن في انتكاسهم خيرا!
وقد ذكر ﷲ في الآية ثلاث مصالح:
١- فقال: (لَوۡ خَرَجُوا۟ فِیكُم مَّا زَادُوكُمۡ إِلَّا خَبَالࣰا)
فلو بقوا في صف الدعوة والإصلاح لأعقبوه خبالا واﺿﻄﺮابا ﻓﻲ اﻟﺮﺃﻱ، فيفرقوه ويخالفوا بين كلمته، فيحصل الاﻧﻬﺰاﻡ ﻭاﻻﻧﻜﺴﺎﺭ ﻋﻠﻰ ﺃﺳﻬﻞ اﻟﻮﺟﻮﻩ.

٢- ثم بين أنهم لن يقتصروا على تخبيل الصف وتفريقه، بل (وَلَأَوۡضَعُوا۟ خِلَـٰلَكُمۡ یَبۡغُونَكُمُ ٱلۡفِتۡنَةَ)، فلو خرجوا لأوضعوا وساروا سيرا حثيثا ﺑﺎﻟﺘﻀﺮﻳﺐ ﻭاﻟﻨﻤﺎﺋﻢ، ﻳﺒﻐﻮﻧﻜﻢ اﻟﻔﺘﻨﺔ، فيمشون ﺑﻴﻦ اﻷﻛﺎﺑﺮ ﺑﺎﻟﻨﻤﻴﻤﺔ ﻓﻴﻜﻮﻥ اﻹﻓﺴﺎﺩ ﺃﻛﺜﺮ.

٣- المفسدة الثالثة: (وَفِیكُمۡ سَمَّـٰعُونَ لَهُمۡۗ)
وﺑﻌﺾ النفوس مجبولة ﻋﻠﻰ اﻟﻔﺸﻞ ﻭﺿﻌﻒ اﻟﻘﻠﺐ، فتؤثر فيها مقالات التوهين، وعبارات التخذيل، لاسيما إن جاءت مزوقة مزينة.

١٢- ثم جاء في ختام هذا السياق وآخر تلك التعقيبات ختام عظيم عظيم، الختام الذي يسلي المؤمنين فيذكرهم بأن الأمر لا جديد فيه، فالباطل يكيد من قبل، ولكن محاولاته القديمة قد اضمحلت، ومصاولته السابقة قد فشلت، وبقي الحق، قال ﷻ: (لَقَدِ ٱبۡتَغَوُا۟ ٱلۡفِتۡنَةَ مِن قَبۡلُ وَقَلَّبُوا۟ لَكَ ٱلۡأُمُورَ حَتَّىٰ جَاۤءَ ٱلۡحَقُّ وَظَهَرَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَهُمۡ كَـٰرِهُونَ)!
يا الله!
يا الله!
ما أعظم هذا التعقيب!
انظر لتوهين الباطل، وتصغيره، وتحقيره!
يا أيها المؤمنون! أرأيت هؤلاء الذين تخلفوا عنكم في تبوك، وخذلوكم، ومكروا بكم، لا تلتفتوا لمكرهم فلقد صنعوا ذلك من قبل، واجتهدوا في كيدكم، وابتغوا فتنتكم، وقلّبوا الأمر وردّدوه تدبيرا وإحكاما، فماذا كانت النتيجة؟
لقد ظهر الحق وتم أمر الله وانتشر النور وجاء الفتح!

 ١٣- ثم ذكر بعد ذلك عذرهم الثاني الذي كانوا يتعذرون به، قال ﷻ: (وَمِنۡهُم مَّن یَقُولُ ٱئۡذَن لِّی وَلَا تَفۡتِنِّیۤۚ)!
نعم هكذا!
يستأذنون النبي ﷺ!
 ويأتون بالأعذار التي يلبسونها لبوس الدين!
ويزخرفون أعذارهم بزخرف يطلونه بطلاء من الحكم الشرعي!
(وَلَا تَفۡتِنِّیۤۚ)!
يخافون على أنفسهم من فتنة النساء، ليظهروا بمظهر المتنسك الذي يخاف على دينه أن يخدش وعلى عفته أن تهتك!
هكذا ستراهم في كل وقت!
يتولون عن الشريعة، ويتركون الشعائر، وينبذون كتاب ﷲ، ثم لا يرضون حتى يلبسوا تركهم وتخلفهم وفحورهم بستار من الدين والحفاط على الدين والغيرة على الدين!

١٤- فعقّب ﷲ هذا العذر بذكر عقوبة أهل الزيف والكذب في عذرهم ذلك، فقال: (أَلَا فِی ٱلۡفِتۡنَةِ سَقَطُوا۟ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِیطَةُۢ بِٱلۡكَـٰفِرِینَ)!
(سَقَطُوا۟ۗ)
تأمل هذه الكلمة، بما توحي به من شدة الأمر وعظم العقوبة!
لقد سقطوا في الفتنة!
فالفتنة هي ترك الشريعة، والتولي عن نصره، ومن أحسن قصده وقام بأمر ﷲ حفظه الله من الفتنة وأحاطه برعايته.



الاثنين، 27 مايو 2019

أوراق فقهية: (١٦) فصل قيام الليل في العشر الأواخر إلى تراويح وتهجد.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فمما يستشكله بعض الفضلاء تقسيم الصلاة في العشر الأواخر إلى قسمين: تراويح في أول الليل، وتهجد وقيام من آخره، وربما ظنه من المحدثات التي ليست تعرف عن السلف الصالحين.
• فأما تلك التسمية بالتفريق بين التراويح والقيام والتهجد فليس مأثورا عن أحد، فصلاة الليل كلها قيام وتهجد، وهو لفظ شرعي، وإن كان لفظ التهجد أخص في اللغة، لما في استعماله من كونه بعد هجود ونوم، واستعمال الفقهاء على عدم التفريق، وأما لفظ التراويح فاستعمال قديم في صدر الأمة، وكانوا يتروحون بين الركعات لطول القيام.
• وكان الفقهاء يسمون الرجوع للمسجد للصلاة فيه بعد الخروج من التراويح: التعقيب.
وكان مستعملا عند الصحابة في المكوث لانتظار الصلاة، ففي المسند ﻘﺎﻝ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﻋﻤﺮﻭ: ﺻﻠﻴﻨﺎ ﻣﻊ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ اﻟﻤﻐﺮﺏ، ﻓﻌﻘﺐ ﻣﻦ ﻋﻘﺐ، ﻭﺭﺟﻊ ﻣﻦ ﺭﺟﻊ، ﻓﺠﺎء ﷺ ﻭﻗﺪ ﻛﺎﺩ ﻳﺤﺴﺮ ﺛﻴﺎﺑﻪ ﻋﻦ ﺭﻛﺒﺘﻴﻪ، ﻓﻘﺎﻝ: "ﺃﺑﺸﺮﻭا ﻣﻌﺸﺮ اﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ، ﻫﺬا ﺭﺑﻜﻢ ﻗﺪ ﻓﺘﺢ ﺑﺎﺑﺎ ﻣﻦ ﺃﺑﻮاﺏ اﻟﺴﻤﺎء، ﻳﺒﺎﻫﻲ ﺑﻜﻢ اﻟﻤﻼﺋﻜﺔ، ﻳﻘﻮﻝ: ﻫﺆﻻء ﻋﺒﺎﺩﻱ ﻗﻀﻮا ﻓﺮﻳﻀﺔ، ﻭﻫﻢ ﻳﻨﺘﻈﺮﻭﻥ ﺃﺧﺮﻯ" [المسند ٦٧٥٠، وابن ماجه ٨٠١].
- والتعقيب عند الفقهاء على نوعين: أن يوتر إمامهم ثم يرجعون فيصلون، فهذا قد كرهه من كرهه من السلف لتكرار الوتر.
الثاني: أن يصلي الناس أول الليل من غير وتر ثم يرجعون فيعقبونها بصلاة آخره، فهذا الذي قد جاء عن جمع من السلف فعله وجوازه.

وقد جاء خلاف بين أهل العلم في هذه المسألة:
• و (أﻛﺜﺮ اﻟﻔﻘﻬﺎء ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻪ ﻻ ﻳﻜﺮﻩ ﺑﺤﺎﻝ). [فتح الباري لابن رجب ٩/ ١٧٥].
وجاء جوازه عن أنس في رواية عنه، فإنه قد جاء عنه أنه ﻗﺎﻝ: «ﻻ ﺑﺄﺱ ﺑﻪ ﺇﻧﻤﺎ ﻳﺮﺟﻌﻮﻥ ﺇﻟﻰ ﺧﻴﺮ ﻳﺮﺟﻮﻧﻪ، ﻭﻳﺒﺮءﻭﻥ ﻣﻦ ﺷﺮ ﻳﺨﺎﻓﻮﻧﻪ». [ابن أبي شيبة ٧٧٣٣]
وجوّزه قتادة في قول عنه. [مختصر قيام الليل للمروزي ٢٤٦]
(وسئل أحمد عن الرجل يأتي ﺇﻟﻰ ﺃﺑﻮاﺏ اﻟﻨﺎﺱ ﻓﻴﻨﺎﺩﻳﻬﻢ للقيام في آخر الليل ﻗﺎﻝ: ﻫﺬا ﺃﻳﺴﺮ)، أي أيسر من أن ينادي كالمؤذن. [مسائل أحمد لأبي داود ٩١]
وجوّزه إسحاق بن راهويه. [مسائل إسحاق بن منصور كوسج ٢/ ٨٤٠].
قال ابن قدامة: (ﻭاﻟﺼﺤﻴﺢ ﺃﻧﻪ ﻻ ﻳﻜﺮﻩ؛ ﻷﻧﻪ ﺧﻴﺮ ﻭﻃﺎﻋﺔ، ﻓﻠﻢ ﻳﻜﺮﻩ، ﻛﻤﺎ ﻟﻮ ﺃﺧﺮﻩ ﺇﻟﻰ ﺁﺧﺮ اﻟﻠﻴﻞ). [المغني ٢/ ١٢٥].

• وجاءت كراهة ذلك عن سعيد بن جبير والحسن وقتادة في رواية، ولعله لمعنى آخر غير العود، كخوف المشقة على الناس. [فتح الباري لابن رجب ٩/ ١٧٥].
قال الحسن: «ﻻ ﺗﻤﻠﻮا اﻟﻨﺎﺱ». [ابن أبي شيبة ٧٧٣٤].
أو لمعنى تكرار الوتر، أو نحوه.
وﺳﺌﻞ أحمد ﻋﻦ اﻟﺘﻌﻘﻴﺐ ﻓﻲ ﺭﻣﻀﺎﻥ؟ ﻗﺎﻝ: (ﻋﻦ ﺃﻧﺲ ﻓﻴﻪ اﺧﺘﻼﻑ). [مسائل أبي داود ٩١]
ﻭقد ﻧﻘﻞ ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ اﻟﺤﻜﻢ عن أحمد اﻟﻜﺮاﻫﺔ، قال ابن قدامة: (ﺇﻻ ﺃﻧﻪ ﻗﻮﻝ ﻗﺪﻳﻢ، ﻭاﻟﻌﻤﻞ ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﺭﻭاﻩ اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ) [المغني ٢/ ١٢٥].
فتبين بهذا أن فصل صلاة الليل في العشر الأواخر جائزة عن أكثر السلف، وهو زمن فاضل ووقت كريم شريف، خليق بأن يجتهد فيه المجتهدون، والله المستعان.

الأحد، 26 مايو 2019

ختام قصة موسى ﷺ وبني إسرائيل في سورة الأعراف

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
أما بعد:
فقد ختمت قصة موسى ﷺ وبني إسرائيل في سورة الأعراف بختام ذي موعظة لهذه الأمة المباركة.
وقد طالت سياقة قصة موسى عليه السلام في سورة الأعراف بما لم يأت في سورة أخرى، وكانت قصة بني إسرائيل في الأعراف هي خاتمة قصص الأقوام في تلك السورة.
فانظر ماذا ختم به هذا السياق الجليل!
لقد تحدث القرآن في ختام القصة بثلاث أحدوثات كانت قد وقعت في بني إسرائيل، وهي مثال على ثلاثة أصناف من أصناف الأمم الكتابية في تفلتهم عن كتبهم وشرائعهم، وفيها موعظة لهذه الأمة أن تحاذر طريق بني إسرائيل.

١ • فتحدث القرآن عن قصة أهل القرية التي بسيْف البحر، قال ﷻ: (وَسۡـَٔلۡهُمۡ عَنِ ٱلۡقَرۡیَةِ ٱلَّتِی كَانَتۡ حَاضِرَةَ ٱلۡبَحۡرِ إِذۡ یَعۡدُونَ فِی ٱلسَّبۡتِ إِذۡ تَأۡتِیهِمۡ حِیتَانُهُمۡ یَوۡمَ سَبۡتِهِمۡ شُرَّعࣰا وَیَوۡمَ لَا یَسۡبِتُونَ لَا تَأۡتِیهِمۡۚ كَذَ ٰ⁠لِكَ نَبۡلُوهُم بِمَا كَانُوا۟ یَفۡسُقُونَ).
وهذا مثال التفلت من الشريعة بالتحايل عليها، وهو مسلك يسلكه المبدلون في كل وقت، تراهم يتحايلون على الشرائع بأنواع الحيل، فيحلون ما حرم ﷲ بما يصنعونه من حيلة.
وهؤلاء قوم كانوا على سيف البحر، فكانت الحيتان إذا كان يوم السبت أتتهم ترفع رؤوسها، يرونها ولا يستطيعون صيدها لما قد حرم عليهم من العمل في يوم السبت، فإذا مضى سبتهم لم تعد الحيتان، ابتلاء لهم وفتنة، فخدّوا أخاديد على ساحل البحر، حتى إذا مدّ البحر مده حبسوا الحيتان، فإذا جزر البحر ترك الحيتان محتبسة، ثم يأخذون الحيتان في اليوم الذي يليه، وقالوا: لم نصطد في سبتنا.

٢ • وتحدث القرآن عن خلف خلفوا هؤلاء المتحايلين، فقال ﷻ: (فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفࣱ وَرِثُوا۟ ٱلۡكِتَـٰبَ یَأۡخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلۡأَدۡنَىٰ وَیَقُولُونَ سَیُغۡفَرُ لَنَا وَإِن یَأۡتِهِمۡ عَرَضࣱ مِّثۡلُهُۥ یَأۡخُذُوهُۚ أَلَمۡ یُؤۡخَذۡ عَلَیۡهِم مِّیثَـٰقُ ٱلۡكِتَـٰبِ أَن لَّا یَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّ وَدَرَسُوا۟ مَا فِیهِۗ وَٱلدَّارُ ٱلۡـَٔاخِرَةُ خَیۡرࣱ لِّلَّذِینَ یَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ).
فحدثنا ﷲ عن صنف آخر من أصناف الناس مع الكتاب، إنهم قوم يخالفون الشرع ثم يتمنون على ﷲ الأماني، ويقولون: سيغفر لنا!

٣ • ثم تحدث السياق عن صنف أخير فقال ﷻ: (وَٱتۡلُ عَلَیۡهِمۡ نَبَأَ ٱلَّذِیۤ ءَاتَیۡنَـٰهُ ءَایَـٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنۡهَا فَأَتۡبَعَهُ ٱلشَّیۡطَـٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡغَاوِینَ ۝  وَلَوۡ شِئۡنَا لَرَفَعۡنَـٰهُ بِهَا وَلَـٰكِنَّهُۥۤ أَخۡلَدَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلۡكَلۡبِ إِن تَحۡمِلۡ عَلَیۡهِ یَلۡهَثۡ أَوۡ تَتۡرُكۡهُ یَلۡهَثۚ ذَّ ٰ⁠لِكَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِینَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔایَـٰتِنَاۚ فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ لَعَلَّهُمۡ یَتَفَكَّرُونَ).
فهذا مثال أهل التحريف للكلم عن مواضعه، وتبديل علماء السوء للشريعة، وقد كان هذا الرجل من علماء بني إسرائيل، ولكنه بدّل وغيّر لنيل لعاعة من الدنيا.

وﷲ المستعان.

الجمعة، 24 مايو 2019

ختام سورة يوسف.

     الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول ﷲ، أما بعد:
     فبماذا ختمت سورة يوسف؟
     السورة التي سماها الله أحسن القصص.
     سورة الإبتلاءات، ابتلاءات الكيد والجب والرق وكيد النساء والاتهام والسجن ثم الامتحان بالملك والسلطة والمال.
     سورة الإحسان، الإحسان في حال الاستضعاف والإحسان في حال البلاء والسجن، والإحسان في حال الملك والقوة.
     سورة الدعوة في مراحل الحياة الخافضة والرافعة.
     سورة الثبات في مواجهة الإغراء، والثبات في السجن، والثبات عند فتنة الخروج من السجن بغير تبرئة، والثبات عند حصول الملك والقوة.
     السورة التي نزلت بعد موت أبي طالب وخديجة.
     سورة الفراق المحرق، واللهفة الأبوية، والحزن الطويل على الابن الأثير والعين الباكية، وآلام السنين، ثم روعة اللقاء وفرحة الاجتماع بالأبوين والإخوة والأهل.

     •• ختمت هذه السورة بذكر بعض موانع الاستجابة للدعوة والحق، فذكرت منها:
- المانع الأول: الغرم المالي، والكلفة الدنيوية، يقول ﷻ: (وَمَا تَسۡـَٔلُهُمۡ عَلَیۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرࣱ لِّلۡعَـٰلَمِینَ)، وكثيرا ما تكرر في القرآن تجريد الداعية والمصلح من الأغراض الدنيوية وراء دعوته، إغلاقا لعذر أهل الباطل، وتزكية للمصلح الصادق في دعوته ألا يرقب مكسبا دنيويا، ولا يربأ مغنما ماديا.

- المانع الثاني: الإعراض عن الحجج، والإدبار عن البراهين، يقول ﷻ: (وَكَأَیِّن مِّنۡ ءَایَةࣲ فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ یَمُرُّونَ عَلَیۡهَا وَهُمۡ عَنۡهَا مُعۡرِضُونَ).

- المانع الثالث: الأمن من العقوبة والعذاب، قال ﷻ: (أَفَأَمِنُوۤا۟ أَن تَأۡتِیَهُمۡ غَـٰشِیَةࣱ مِّنۡ عَذَابِ ٱللَّهِ أَوۡ تَأۡتِیَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغۡتَةࣰ وَهُمۡ لَا یَشۡعُرُونَ).

- المانع الرابع: عدم الاعتبار عند السير في الأرض، قال ﷻ: (أَفَلَمۡ یَسِیرُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَیَنظُرُوا۟ كَیۡفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡۗ وَلَدَارُ ٱلۡـَٔاخِرَةِ خَیۡرࣱ لِّلَّذِینَ ٱتَّقَوۡا۟ۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ).
فإن السير في الأرض ربما أيقظ قلب المعرض، فيرحف قلبه إذا رأى آثار السالفين، وفناء عمارتهم.

     •• وختمت بتقسيم الناس في موقفهم من الحق إلى ثلاثة أقسام:
١ - من لا يؤمن بالوحي، وهم أكثر الخلق، (وَمَاۤ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوۡ حَرَصۡتَ بِمُؤۡمِنِینَ).
٢ - من يؤمن ثم يقدح في إيمانه بما يشوبه من الشرك!، بالرياء والسمعة والتفات القلب عن ﷲ في توكّله وتوجهه، ونحوها مما يشرك به، وهم أكثر أولئك القليل ممن لم يدخل في القسم الأول،  قال ﷻ: (وَمَا یُؤۡمِنُ أَكۡثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشۡرِكُونَ).
٣- أهل الإخلاص لله في دعوتهم وعبوديتهم، قال ﷻ: (قُلۡ هَـٰذِهِۦ سَبِیلِیۤ أَدۡعُوۤا۟ إِلَى ٱللَّهِۚ عَلَىٰ بَصِیرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِیۖ وَسُبۡحَـٰنَ ٱللَّهِ وَمَاۤ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِینَ)، وتأمل كيف أكد شأن الإخلاص، فقال: (إِلَى ﷲ)، ثم كرر فقال: (وما أنا من المشركين)، وقد جاء الثناء على أهل الحق والدعوة في الآية، بأن سبيلهم واحدة، لا تفرق فيها ولا اختلاف.
وأن أهلها أهل يقين بها لا يرتابون ولا يترددون، وهم أهل تميّز عن المشركين، في كل أحوالهم، ضعفا وقوة.
وهم سلسلة طاهرة يمضون على نهج من سلف، فليسوا خارجين عن طريقة النبوة الأولى، ولا مخترعين لسبيل لم تسلك، قال ﷻ: (وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ إِلَّا رِجَالࣰا نُّوحِیۤ إِلَیۡهِم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰۤۗ)

     •• ثم يأتي الختام الشجي، الختام بذكر سنة ﷲ في أهل الدعوات، بعد البلاء والتضحية والصبر، {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء}.
وهكذا يختم سياق قصة البلاء العظيم، العظيم في وقعه، وفي تنوعه، وفي طوله، إن العاقبة لأهل التقوى والإيمان والصدق. 

والحمد لله والصلاة والسلام على رسول ﷲ.
١٩ / ٩ / ١٤٤٠ هـ

الجمعة، 10 مايو 2019

قصة طالوت (الهدايات القرآنية في طريق الإصلاح وعقباته)

          بسم الله الرحمن الرحيم
        
     الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول ﷲ، أما بعد:
   فلما كانت سورة البقرة هي السورة التي جاء فيها من الأحكام والشرائع ما لم يأت له نظير في غيرها من السور، ناسب أن يُذكر فيها من أخبار المتولّين عن الشرائع من الأمم السالفة ما فيه تبصرة لهذه الأمة وذكرى.

     وقد كانت قصة طالوت في سورة البقرة مثالا من الأمثلة على تولي بني إسرائيل عن دين ﷲ وتفلتهم عن شريعته وإبائهم ومثاقلتهم.
     لقد كانت تلك القصة مثالا عظيما على قصة التساقط على هذا الطريق الطويل، وأنموذجا على تفسّخ العزيمة حين يبعد الأمد وتكثر العقبات.

- وقبل أن يأتي السياق القرآني على ذكر قصة أولئك القوم؛ جاء بتوطئة يعظ بها النفوس التي تسأم مصاولة الباطل وتستطيل الطريق وتثقل عليها العزائم، فقال ﷻ: "ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم ﷲ موتوا ثم أحياهم"!
     لقد كانت قصة طالوت مثالا على الفرار من التكاليف حذر الموت واستحبابا للحياة، فجاءت هذه التوطئة للتنبيه على حقيقة جُلّى.
     لقد خرج الألوف من ديارهم فرارا من الموت وحذرا منه فكان ماذا؟
     لقد ماتوا جميعا! ثم أحياهم ﷲ!
     هكذا جاء الخبر القرآني عن هذه الحادثة بإيجاز لا تفصيل فيه.
     ثم جاء الأمر بالقتال والنفقة في سبيل الله فقال: "وقاتلوا في سبيل ﷲ واعلموا أن الله سميع عليم من ذا الذي يقرض ﷲ قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط".
     جاءت هذه القصة متبوعة بهذه الأوامر للتذكير بأن الموت بيد الله والحياة بيد ﷲ، والقبض والبسط بيده ﷻ، والرزق والمنع بيده، فلماذا يخاف المؤمن ويجبن ويبخل؟
     والجبن والبخل خلقان رديئان يقترن ذمهما معا في النصوص، ففي الصحيحين عن أنس أن النبي ﷺ "كان يستعيذ من الجبن والبخل"، وفي المسند وأبي داود ﻋﻦ ﺃﺑﻲ ﻫﺮﻳﺮﺓ، ﻋﻦ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ ﻗﺎﻝ: "ﺷﺮ ﻣﺎ ﻓﻲ ﺭﺟﻞ ﺷﺢ ﻫﺎﻟﻊ، ﻭﺟﺒﻦ ﺧﺎﻟﻊ".
 وكانت تلك تقدمة تقدمة حسنى بين يدي هذه القصة.

- ابتدأت هذه القصة بالحديث عن قوم من بني إسرائيل من بعد موسى كانوا قد بلغوا من المهانة والضعة وشتات الأمر ما جاء في السياق القرآني أنهم كانوا مظلومين مستضعفين، قالوا لنبيهم: "وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا".
فقالوا لنبي من أنبيائهم: "ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله".
ولكن نبيهم قد خبر القوم وعرف خلق التلوّي، وعلم استحكام طبيعة التفلت فيهم، فاستخبر منهم خبرهم، واستوثق منهم عزيمتهم، فقال: "هل عسيتم إن كتب عليكم القتال أن لا تقاتلوا قالوا وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا"؟
فماذا كان حال القوم حين فُرِضت عليهم شريعة القتال؟

- لقد تولى أكثر القوم عند أوّل عقبات الطريق، وبدأت قصة التنازلات عن العزائم، وكان حبُ القعود عن نصرة الحق أول آفة عرضت للقوم، قال ﷻ في شأنهم: "فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين".

- ثم انتخب لهم نبيهم ملكا ليقاتلوا من وراءه، فقال: "إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا"
ولكن القوم هم القوم في توليهم وإبائهم الشريعة، فقالوا لنبيهم: "أنَّى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال".
     فلم يصبر أولئك على آفة حب الزعامة والنفاسة بالرياسة، فعثرت أقدامهم عند العقبة الثانية في الطريق إلى الله.
     وإنك قد تجد ذا صلاح وتنسك ظاهر، ثم عساه أن ينازع في رياسة ويجاذب في شرف وتقدّم؛ فيشاح ويخاصم، وربما باع دينه بعرض من الدنيا، وفي الترمذي وصححه عن كعب بن مالك قال ﷺ: "ﻣﺎ ﺫﺋﺒﺎﻥ ﺟﺎﺋﻌﺎﻥ ﺃﺭﺳﻼ ﻓﻲ ﻏﻨﻢ ﺑﺄﻓﺴﺪ ﻟﻬﺎ ﻣﻦ ﺣﺮﺹ اﻟﻤﺮء ﻋﻠﻰ اﻟﻤﺎﻝ ﻭاﻟﺸﺮﻑ ﻟﺪﻳﻨﻪ".
     وهما الأمران اللذان خاصم بهما الإسرائيليون نبيهم: "ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال"!
 هذه موازينهم التي يزنون بها المستحقين للزعامة، ومعاييرهم التي نصبوها لقياس من يصلح للرياسة الدينية، إنها موازين الدنيا، ومعايير المادة، وأما أهل العلم والإيمان فلهم موازين فارقوا بها أهل المادة والدنيا: "قال إن ﷲ اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم"، فالقيادة الدينية مفتقرة لصفة مركبة من خلقين: العلم والقوة، فإنه بالعلم تدفع آفات الجهالات، وبالقوة تدفع آفات العجز.

     ويمضي السياق ليبين أن من ضعفت استجابته للأمر الشرعي وتكرر تثاقله فربما كان لضعف يقين قلبه، ومثله ينهضه الآيات والدلائل: "وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة".

- وكان من مقتضى العلم الذي أعطاه طالوت أن الفتح والنصر ليس يستحقه إلا من جاز الممحصات وجاهد نفسه لترك الرغبات، ولذا قال طالوت بعدما خرج بقومه: "إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا".
     لقد عرض للقوم آفات وابتلاءات، والآن تولى كثير منهم حين أُريدوا على ترك مألوفات النفس ورغباتها، فلم يسلم منهم إلا نحو ثلاثمائة، كما ثبت في البخاري عن البراء: "ﻛﻨﺎ ﻧﺘﺤﺪﺙ ﺃﻥ ﺃﺻﺤﺎﺏ ﺑﺪﺭ ثلاثمائة ﻭﺑﻀﻌﺔ ﻋﺸﺮ، ﺑﻌﺪﺓ ﺃﺻﺤﺎﺏ ﻃﺎﻟﻮﺕ، اﻟﺬﻳﻦ ﺟﺎﻭﺯﻭا ﻣﻌﻪ اﻟﻨﻬﺮ، ﻭﻣﺎ ﺟﺎﻭﺯ ﻣﻌﻪ ﺇﻻ ﻣﺆﻣﻦ".

- لكن القلة التي ثبتت للأمر الشرعي وللبلاء القدري تزلزل كثير منها أمام عقبة اختلاف موازين القوى، ورهبة القوة المادية، فمن ثبت حين أمر بالقتال، ثم ثبت حين فات نصيبه من الملك والشرف، ثم ثبت حين جاوز النهر فلم يشرب؛ عثر هنا وتنازل في آخر الطريق!
قال ﷻ: "فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن ﷲ والله مع الصابرين".
إن تقلّب الذين كفروا في البلاد، وظهور صولتهم، وضجيج قوتهم الماديّة؛ فتنة لكثير.

     وقد جاء البيان القرآني منبها أن هذا السقوط إنما يعرض لضعف ما يضادّه من صفتي (التوكل والصبر)، ولذا قال الثابتون: "كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن ﷲ والله مع الصابرين".
فقولهم: "بإذن ﷲ" ناشيء عن التوكل على الله، ناتج عن استحضار تدبير الله للخلق.
وقولهم: "والله مع الصابرين" تحضيض لأنفسهم وإخوانهم على لزوم الصبر بذكر فضيلته.
وهما قرينان في القرآن، كما جاء في قوله ﷻ في الثناء على المهاجرين: "الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون"، وكقوله في وصية موسى لقومه: "استعينوا بالله واصبروا".

     فماذا كانت ثمرة الثبات على طريق الحق ولزوم الديانة؟
ما هي نتيجة الاعتصام بالعروة في شدة الفتن وتكرر البلاءات؟
قال ﷻ: "فهزموهم بإذن ﷲ وقتل داود جالوت"!
      لقد أكرم ﷲ أولئك المستضعفين ببركة ثبات الثابتين!
لقد أكرم ﷲ بني إسرائيل بالنصر والفتح!
لقد أهلك ﷲ الطاغية!
وهدّم ملكه!
وكسر شوكته!
بثبات قلة من المؤمنين، وتمسكهم بالشريعة وأخذهم بالعزيمة.
فعادت بركتهم وبركة طاعتهم على أمتهم كلها.

     ثم ختم السياق بقوله ﷻ: "ولولا دفع ﷲ الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض".
لولا تلك المدافعة بين الحق والباطل -ولو من فئة قليلة- لفسدت الأرض!
لولا بقاء المدافعين -ولو كانوا قليلا- لفسدت الأرض!
لولا ثبات أولئك في صراعهم للمبطلين لفسدت الأرض!
إن ثبات الثابتين ولزومهم الطريقة وبقاءهم على النهج باب عظيم من أبواب دفع الفساد عن الأرض.

• كتبه:
محمد آل رميح
٥ /٩ / ١٤٤٠

الاثنين، 6 مايو 2019

(وهم يستبشرون ١): حادثة تحويل القبلة (الهدايات القرآنية لمواجهة المبطلين).


                           بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فلما وصف ﷲ أثر الوحي على المؤمنين، وحالهم عند نزوله، ذكر من حالهم شيئا عجبا، فقال ﷻ: {فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون}، فأهل الإيمان والتقوى وطهارة القلب يفرحون بالقرآن، ويستبشرون بمواعظ سوره، وتتبشبش قلوبهم كلما قرأوه لما يتجدد لهم من التزكية والفهم والمعارف في آياته.
وهذه مواعظ من كتاب ﷲ، كتبتها بغير تطويل، وانتقيتها من غير استقصاء.

                         (حادثة تحويل القبلة)
لم تكن حادثة تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة حادثة عابرة في سيرة الدعوة المحمدية، ولم تكن ككثير من الشرائع التي كانت تنزل فيمتثلها الصحابة دون ضجيج من الباطل وتشويش، بل كانت واقعة تزلزلت لها قلوب كثير، وارتد بسببها عدد، وجعل منها اليهود والمنافقون مثابة مغمز في الشريعة، وسبب تشكيك وإرجاف، وقال ﷲ عنها في كتابه: {وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى ﷲ}، وجعل اليهود يقولون: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، وطفق المنافقون يرددون: ما بال هذا الرجل يوجّهنا كل يوم إلى قبلة؟!
فكيف عالج القرآن آثار هذه الحادثة التي سيتكرر في واقع الدعوة مثالها، وكيف ربّى الوحي القلوب على مواجهة أهل الزيغ الغامزين في الشريعة، وكيف علم أهل الدعوة والإيمان والعلم مواجهة المتخذين دين ﷲ هزءا وسخرية.
لقد جاء صريح الحديث عن هذه الواقعة على رأس المائة والأربعين من آيات سورة البقرة، فقال ﷻ: {سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها}.
ولكن التوطئة الإيمانية القرآنية جاءت سابقة على هذه الآية، ثم جاء التعقيب عليها، في سياق قرآني عظيم، يقوي القلب المؤمن على مواجهة الباطل، ويربي فيه الاستعلاء على الموشوشين المعترضين على شرائع الدين، ويعلمه كيف يقف في دفع تهويشات المنحرفين شبهاتهم.
  1. فجاء الحديث مطولا عن تولّي اليهود عن الامتثال، وتثاقلهم عن الاستجابة لأمر ﷲ، ومعاندتهم لأنبيائهم، فجاء توبيخهم باتخاذهم العجل، وبتباطئهم عن ذبح البقرة، وتحريفهم كلام الله من بعد ما سمعوه، ونقضهم الميثاق بسفك دمائهم وإخراج فريق منهم من ديارهم، واتباعهم لما تتلوه الشياطين على ملك سليمان، ليعلم من يسمع تشويش اليهود على هذه الشريعة أنهم حقيق بكل سوء، فهم المذمومون حقا، التاركون للشريعة.
  2. جاء الحديث عن نفاسة اليهود أن ينزل بالمؤمنين خير، وضنانة نفوسهم أن ينال المؤمنين هدى، فقال ﷻ: {ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم}، فإن تحويل القبلة للكعبة كرامة حسدتنا عليه اليهود، كما جاء في المسند عن عائشة قال النبي ﷺ: ( ﺇﻧﻬﻢ ﻻ يحسدونا ﻋﻠﻰ ﺷﻲء ﻛﻤﺎ يحسدونا ﻋﻠﻰ ﻳﻮﻡ اﻟﺠﻤﻌﺔ اﻟﺘﻲ ﻫﺪاﻧﺎ اﻟﻠﻪ ﻟﻬﺎ ﻭﺿﻠﻮا ﻋﻨﻬﺎ، ﻭﻋﻠﻰ القبلة اﻟﺘﻲ ﻫﺪاﻧﺎ اﻟﻠﻪ ﻟﻬﺎ ﻭﺿﻠﻮا ﻋﻨﻬﺎ، ﻭﻋﻠﻰ ﻗﻮﻟﻨﺎ ﺧﻠﻒ اﻹﻣﺎﻡ: ﺁﻣﻴﻦ)!.
  3. جاءت الدلالة على وقوع النسخ في الديانة، فقال ﷻ: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها}.
  4. جاء التفخيم لشأن إبراهيم ﷺ، واتباع ملته، وذكر قصة بناء الكعبة، توطئة لما سيأتي من حديث عن تحويل القبلة.
  5. ثم أتى الحديث بأسلوب استعلائي يواجه المشوشين على الشريعة، فقال ﷻ: {سيقول السفهاء}، فوصمهم بالسفه، ووصفهم بقبيح الوصف، وحطّ عليهم.
  6. ربّى القرآن المسلم أن يكون قوي القلب في مواجهة زيغ الزائغين، فقال ﷻ: {قل لله المشرق والمغرب}، في خطاب استعلائي يستأنف به المسلم صراعه مع الزائغين المستشكلين للشرائع، ليقول في بدء كل رد عليهم: أنا عبد لله، يأمرني بما شاء فأطيع، علمت حكمة ذلك أم لم أعلم، اطلعت على المقصد أم لم أطلع، فأنا عبد لله وهو يحكم ما يريد.
  7. ثم مدح المؤمنين مدحا مضمنا لتوجيه عظيم، فقال: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس}، أنتم يا أمة محمد ﷺ الذين تقيمون ميزان الناس بميزان الوحي الذي عندكم، وأنتم الذين توجهون لهم النقد على ضلالهم لا هم، أنتم الذين تملكون المعيار الحق لتقيّموا تصرفاتهم وأخلاقهم ونظرياتهم، لقد جاءت الآية لتعلم المسلم حين يستمع لنقد المنحرفين، ومغامزهم أن لا يستسلم وأن لا يقف موقف مدافع يرد العادية بضعف، بل يجب أن يعرف موقعه الذي شرفه ﷲ به وأقامه فيه.
  8. ثم جاء الخطاب القرآني مبينا لحكمة من حكم هذا التشريع، ومقصدا من مقاصد هذا الحكم، فقال ﷻ: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه}، لقد كان من مقاصد هذه الواقعة ابتلاء المؤمنين، ليتميّز أهل التسليم والخضعان لأمر ﷲ، المستجيبين لشريعته على أي نحو.
  9. ثم جاء الحديث عن معرفة أهل الكتاب لفضيلة مكة على بيت المقدس، وأن استقبال الكعبة هو الحق، فقال ﷻ: {وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم}.
  10. ثم جاء التوجيه الربّاني لأهل الإيمان أن لا يشغلهم الباطل وشبهاته وضجيجه عن الطاعة والمسابقة لأمر ﷲ فقال سبحانه: {ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات}.
  11. ثم جاء ذكر فائدة من فوائد تحويل القبلة، وإنه لشأن عظيم، فقال ﷲ: {ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة}، فإن اليهود لما رأوا محمدا ﷺ وصحابته يتوجهون لبيت المقدس اتخذوا من ذلك حجة لغمز الديانة، فكانوا يقولون: إن محمدا تابعنا في قبلتنا، وسيتابعنا في ديننا، فكانت تلك الحجة بابا يلج منه اليهود لتوهين صف المؤمنين ويقينهم، فجاء تحويل القبلة قاطعا لذلك، ثم تتابعت الشرائع التي يأتي فيها الأمر بمخالفة اليهود والنصارى في أفعالهم الدينية وخصائصهم الدنيوية.
فانظر كيف جاء النبأ القرآني يعلم المؤمنين ويزكيهم ويهدي قلوبهم في مثل هذه الحادثة، ثم اعتبر بها في كل موضع تجد فيها صاحب الزيغ معترضا على دين ﷲ مستشكلا لشريعته مقترحا عليه.
ثم لا تنس أن هذا السياق، وذلك النبأ جاء في سورة البقرة، السورة التي جاء فيها ذكر مباني الإسلام ودعائمه الخمسة، السورة التي جاء فيها من الأحكام ما لم يأت في سورة أخرى، وجاء فيها من الأوامر والنواهي ما لم يأت في غيرها، السورة التي جاء فيها ذكر تولي بني إسرائيل عن الشرائع، وتوبيخهم لعدم تسليمهم للنصوص، والسورة التي ختمت باستجابة الصحابة للشرائع كما في قوله ﷻ: {سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا}، فجاء الحديث عن هذه الحادثة، وهي أنموذج لهذه القضية الكبرى: قضية التسليم للنص والاستجابة للأمر.  

• كتبه أبو المثنى.
٢ / ٩ / ١٤٤٠
الرياض

الأحد، 7 أكتوبر 2018

(وهم يستبشرون) سورة المائدة: ضبط القوة الشهوانية والغضبية.

بســــم الله الرحمـن الرحــــيم

     الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
     فلما كانت سورة المائدة سورة ضبط القوتين القوة الغضبية والشهوانية، افتتحت بالتأكيد على الوفاء بالعقود، وعطف عليه حل بهمية الأنعام، فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ).
     وهما مثالان لضبط تلك القوتين، فإنما يحمل الشخص على نقض عقده طمع باعثه الشهوة، أو بغي باعثه الغضبة.
     ثم عطفت الآيات على ذلك بذكر محرمات تضبط عليه قوتيه بتحريم مؤقت، في أزمنة وأمكنة فاضلة، فجاء تحريم إحلال الشهر الحرام والبلد الحرام، فقال ﷻ: "(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا).
     ثم عطف بعد ذلك بذكر المحرمات من المطعومات، لكن مما حرم تحريما دائما، وهو ضبط دائم للقوة الشهوانية، فقال تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ).
     ثم تأمل سياق الحديث عن الجوارح في الصيد، حين قال ﷻ: (قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ۖ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ)، يظهر لك من ذلك بيان ارتباطه بمقصد السورة، فإن الجارحة لو تجاوزت في قوتها الغضبية فأكلت حرم ذلك الصيد، فكان ضبط القوة الشهوانية مؤثرا في المكلف بفعل نفسه ومؤثرا فيما يعلمه من الجوارح.
     ثم ذكر فيها آية الوضوء، فقال:  (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) إلى آخر الآية.
     والوضوء ضبط للقوتين للقوة الغضبية والشهوانية، أما ضبطها للقوة الغضبية فلما جاء في سنن أبي داود من حديث السعدي أن النبي ﷺ أمر الذي  غضب أن يتوضأ.
     وأما من جهة القوة الشهوانية فلأن الوضوء يشرع بعد نواقض متعلقة بالشهوة وهذا مبني على مسألة فقهية شهيرة، في نواقض الوضوء هل هي معللة أم تعبدية؟
     فمن جعلها معقولة المعنى صح معه هذا السياق، عن تأثير القوة الشهوانية على الإنسان فأوجب ذلك الوضوء، ولهذا يجب من خروج النجاسة من السبيلين، وهو من آثار الشهوة، فإذا زاد الأمر فأمذى الانسان أو نحوه، وجب عليه الوضوء أيضا.
     ومنه أكل لحم الجزور، فلما كان لحم الجزور لحماً فيه زيادة في القوة الغضبية، لأنها خلقت من شياطين ، كما في سنن أبي داود، فإذ بلغ تأثيرها إلى هذا الحد أوجب ذلك الوضوء، على قول كثير من السلف وهو مذهب جمع كبير من الصحابة و مذهب فقهاء المحدثين كأحمد وغيره.
     ومما له علق بذلك، ما ذكره بعض أهل العلم: أنه لو أبيح أكل الجوارح للاضطرار كمن لم يجد إلا كلبا أو ثعلبا أو أسدا وأكله فهل يجب فيه الوضوء؟ باعتبار أن فيه من الروح الغضبية ماهو أولى من الجزور.
     فيه خلاف بين الفقهاء على روايتين عند الحنابلة، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية القول الثاني أنه يجب أن يتوضأ، قال: لأنه إذا كان ذلك واجب في الحيوان المباح من أصله، فلأن يوجب ذلك في الحيوان الذي يجوز للعارض للاضطرار من باب أولى.
     وفي سورة المائدة جاء ذكر الأمة الغضبية وهم اليهود والأمة الشهوانية وهم النصارى بسياق طويل على خلاف المعتاد في الحديث القرآني، فإن المعتاد عند ذكر هاتين الأمتين أن يختص طول السياق بإحداهنّ، ولكن أن يأتي ذكرهما معًا في سياق طويل فليس هو العادة القرآنية، فقد اختصت سورة البقرة بذكر الأمة الغضبية وهم اليهود، وفي سورة آل عمران طال سياق الأمة الشهوانية وهم النصارى، وأما سورة النساء فجاء فيها ذكر الأمة الغضبية، والأنعام لم يأت فيها ذكر شيء من ذلك، وفي الأعراف جاء  ذكر الأمة الغضبية اليهود وهكذا، ولكن ذكر الأمتين بسياق مطول مما يقل في القرآن كما في سورة المائدة، بل إنها السورة التي جاء فيها المقارنة بين الأمّتين، فقال: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ)، فإن البأس بتسلط الغضب أشد منه بالشهوة، فغلبة الشهوة تكون لضعف في الإنسانيّة، وهي ذنب آدم الأول، بخلاف غلبة الغضب فهي غلبة إبليسية، ومنها كان ذنب إبليس الأوّل.
     ثم انظر كيف جاء في سورة المائدة، تقرير التوحيد من جنس موضوعها و مقصدها .
     فلما ذكر الله تعالى عيسى ابن مريم وأمه قال: (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَام)، فانظر كيف نفت عنهم الربوبية والألوهية، قال عز وجل: (كانا يأكلان الطعام)، فجاء ذكر تقرير نفي ألوهيتهما من جهة وجود الشهوة فيهما أو القوة الشهوانية فيهما.
     ثم انظر مناسبة قصة قوم موسى حين أبوا الدخول على قرية الجبارين، مع قصة ابني آدم، فإن قصة قوم موسى مثال على الاستخذاء والخور والجبن، وذاك تخاذل في القوة الغضبية عن المأمور به، وأما قصة ابني آدم فهي مثال للبغي والاعتداء وذاك تجاوز في القوة الغضبية بقتل النفس المعصومة، ثم إن الباعث على التخاذل ذاك والاعتداء هذا هو الطمع وشهوة الدنيا.
     ثم عقبت قصة موسى مع قومه وقصة ابني آدم بخواتيم تداوي البغي في القوة الغضبية:
     - فقال ﷻ: (إِنَّمَا جَزَ ٰ⁠ۤؤُا۟ ٱلَّذِینَ یُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَیَسۡعَوۡنَ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن یُقَتَّلُوۤا۟ أَوۡ یُصَلَّبُوۤا۟ أَوۡ تُقَطَّعَ أَیۡدِیهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَـٰفٍ أَوۡ یُنفَوۡا۟ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ)، فهذا حجاز اجتياز القوة الغضبية بالردع العقابي، وذاك مما يفعل فعله في كثير من الناس.
     - ثم قال ﷻ: (یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱبۡتَغُوۤا۟ إِلَیۡهِ ٱلۡوَسِیلَةَ وَجَـٰهِدُوا۟ فِی سَبِیلِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ)، وهذه طريق ثانية في شفاء الأمّة من البغي والعدوان، فإن هذه القوى لا تزال تجيش بها الصدور، وتطلب لها منفذًا، فإن لم تُستفرغ في الحق استفرغت في الباطل، وإن لم تشف القلوب نفثاتها في عدو ﷲ وعدوها؛ عادت نارها لتأكل بعضها.
     ثم إن هذه السورة العظيمة تبين معنى عظيما، وهو أنه لا بد للإنسان من ضبط يضبط به قواه الشهوانية والغضبية، فالإنسان فيه جوعة إلى الضبط والمنع، ولا يزال متطلبا إلى ضبط قوته الغضبية والشهوانية بحق أو بباطل وزيف، ولهذا جاء في هذه السورة لوم الجاهليين لما اتخذوا ضبطا غير شرعي، ألم يقل الله تعالى: ((مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ ۙ وَلَٰكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۖ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ)) فاتخذو لهم ضوابط ضالة، ومحرمات زائفة، ليضبطوا قوتهم الشهوانية بتحريم السائبة والوصيلة والحامي، وغير ذلك من أنواع ما يحرمونه، من دون مسوغ ولا حجة ولا أثارة من علم، فدل ذلك على أنه مما فطرت عليه النفوس، وأن فيها جوعة إلى الضبط، فمن لن يضبطها بالحق والنور دعته نفسه لضبطها بالزور.
     وأيضا فقد تكرر في هذه السورة الضبط على أنحاء، حتى جاء ذكر الضبط المؤقت، وهو ضبط المُحْرمين، فضبطت القوة الشهوانية للمحرمين، ولهذا ذكر الله في هذه السورة أحكام ما يجتنبه المحرم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ)، فالإنسان بحاجة إلى أن يضبط، ثم إنه يترقى في ذلك، فيمر عليه أحوال وأزمان وربما أماكن كما في الحرم يحتاج فيها أن يمتنع من محرمات يترقى بذلك من ثقلة الأرض وترابيتها إلى السماء.
     وفي ختام هذه السورة العظيمة جاء ذكر قصة جليلة نعى الله فيها ولام وعتب على النصارى، الذين سألوا نبيهم مسألة، لم تكن كمسألة اليهود، حين سألوا كتابا لينظروا، لكن لأنهم أمة شهوانية، قالوا: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ ۖ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)!، وتكاد تنطق لي الآيات بعظيم من المعاني من هذه القصة وعلاقتها بالقوة الشهوانية ثم لا تستمسك معي بجلاء، ولكن المقصود أنه قد جاءت فتنتهم من هذا النحو، وهم إلى يومنا هذا تغلب عليهم القوى الشهوية، فإن غالب الفساد الذي مادته الشهوات إنما يخرج اليوم من أمة النصارى، وقد قال ابن تيمية رحمه الله في هذا: "ﻭﻏﻠﺐ ﻋﻠﻰ اﻟﺮﻭﻡ اﻟﻘﻮﺓ اﻟﺸﻬﻮﻳﺔ ﻣﻦ اﻟﻄﻌﺎﻡ ﻭاﻟﻨﻜﺎﺡ ﻭﻧﺤﻮﻫﻤﺎ ﻭاﺷﺘﻖ اﺳﻤﻬﺎ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ ﻓﻘﻴﻞ ﻟﻬﻢ اﻟﺮﻭﻡ ﻓﺈﻧﻪ ﻳﻘﺎﻝ: ﺭﻣﺖ ﻫﺬا ﺃﺭﻭﻣﻪ ﺇﺫا ﻃﻠﺒﺘﻪ ﻭاﺷﺘﻬﻴﺘﻪ. ﻭﻏﻠﺐ ﻋﻠﻰ اﻟﻔﺮﺱ اﻟﻘﻮﺓ الغضبية ﻣﻦ اﻟﺪﻓﻊ ﻭاﻟﻤﻨﻊ ﻭاﻻﺳﺘﻌﻼء ﻭاﻟﺮﻳﺎﺳﺔ ﻭاﺷﺘﻖ اﺳﻤﻬﺎ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ ﻓﻘﻴﻞ ﻓﺮﺱ ﻛﻤﺎ ﻳﻘﺎﻝ ﻓﺮﺳﻪ ﻳﻔﺮﺳﻪ ﺇﺫا ﻗﻬﺮﻩ ﻭﻏﻠﺒﻪ".
والحمد لله.

الأحد، 12 أغسطس 2018

أوراق فقهية (١٥): (حكم التصويت على القضايا الشرعية في وسائل التواصل)



     بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله:
أما بعد:
• فإنه لمّا استقر المنع من التصويت في مجالس الأمة والبرلمانات، وتحت القباب النيابية المشرعة بغير ما أنزل الله؛ توهم بعض أهل الفضل والعلم انسحاب الحكم إلى كل تصويت على أمر محرم ولو اقترن بلواحق وأوصاف ليست من جنس التشريع والحكم بغير ما أنزل الله.

• وهذا التوهم يلحق كثيرا من المسائل التي تدل الأدلة فيها على حكم من الأحكام في حال غالب؛ ثم قد تأتي من الحادثات ما تماثل تلك المسائل في الصورة وتختلف في العلة والوصف، فلربما أُلحقها بعضهم بتلك المسألة فأعطاها حكمها توهما وظنا:
- لسلطان الحال الغالب على النفوس.
- أو لاتباع ظواهر الألفاظ دون التفات للعلل الفارقة.
- أو لتوهم وجود العلة فيها مع الغفلة عن الفرق بين النظائر، وعدم التحقق من مناطات الأحكام الذي علقت عليه المسألة.

• وهذا الشأن له أمثلة كثيرة، لا تخطئ أن تراها في كتب الفقهاء :
- فمن تلك المسائل؛ ما نصّ عليه جمع من الفقهاء من مشروعية القصر في عرفة ومنى لأهل مكة في كل زمان، فإنهم لما رأوا أن النبي ﷺ في حجته قصر وقصر الناس معه دون تفريق بين مكي وغيره، ظن أن أهل مكة في كل عصر يلحقون بحكم أهل مكة في العهد النبوي دون تنبه لمناط القصر آنذاك، هذا مع أن بعض من يقول ذلك هو ممن يقول بأن القصر للسفر لا للنسك، ثم حين أراد تحقيق الحكم في الحادثة أثّر عليه سلطان ما ظنه من صراحة النص دون تنبه للفرق بين المناطين.

- ومن أمثلة ذلك ما يُتوهم من قول النبي ﷺ: "لا تبع ما ليس عندك "، فظن بعضهم أن المنع معلق بكل وجه يترتب عليه بيع ما ليس موجودا حال المفاوضة من الأعيان، دون أن يفرق بين العقود على الأعيان الموصوفة في الذمة وعقود السلم والآمر بالشراء، وما يدخل تحت الضمان وما يخرج عن ذلك، والفرق بين العقد والوعد بالعقد وهكذا، وهذا مثال للانطلاق في تنزيل النص مع الغفلة عن مناطه.

- وقل مثلك ذلك في مسألة التصوير، فإنه قد غلب اعتبار اللفظ على اعتبار المعنى المقصود من النص، فذهب بعض الفقهاء في أواخر القرن الماضي إلى حرمة الفوتوغرافيات لتوهم مماثلة بين النوعين، وتتابع عليه جمع من العلماء دون تنبه للفرق بين الحالين، حتى إنه حينما نصب الفرق بين الحالين، وذكر المجوزون ما يختلف فيه الأمران -وأن التصوير المذكور في النص هو ما كان عن عمل وتخليق وهو ما ليس في هذه المسألة- ردّ المانعون بأن التصوير الفوتوغرافي فيه عمل أيضا وحركة لليد فيه بضغط زر التصوير!
وهذه غفلة أخرى عن حقيقة الإيراد.

• والمقصود أنه قد يغلب على النفس معنى معين مرتبط بمسألة في حال؛ فإذا ما جاءت مسألة تماثلها في الصورة بدر إلى العقل إلحاق هذه بتلك دون تحقيق للفرق.

• وهذا مما تراه بيّنا في مسألتنا هنا، فإن إلحاق التصويت على أي حال بالتصويت التشريعي البرلماني جنَف ظاهر، فإن التصويت هناك له مقتضى في التشريع والتبديل لا يلزم وجوده في كل حال على هذا النحو.

• فالتصويت -مثلا- في وسائل التواصل الاجتماعي على أمر معين، يغلب عليه المصاولة الإعلامية لإظهار ما تعتقده جماعة معينة أو بلد معين.
ولما كان من مقاصد الشرع إظهار شعار الإسلام وصولة التدين كانت المشاركة في مثل هذه التصويتات لا تعدو الأثر الإعلامي، وليست من الرضا بالمعصية في شيء، ولا هي من عرض الشرع على آراء الناس، وإلا فهل يقول قائل : إنك لو سألت قوما في موضع محصور عن دينهم ومعتقداتهم، ثم أخذت إحصائيات بذلك فهل يمكن أن يقول قائل إن هذا من (إخضاع شرع الله للآراء)!

• وأما التفريق بين إنشاء التصويت والمشاركة فيه فهو تفريق صحيح، مبني على علة الحكم الذي بني عليه أصل الكلام، فإنما منع من إنشاء التصويت لأن من أنشأه جعل آراء الخلق في مقابل شرع الله، وهذا ليس موجودا في من شارك بإظهار صولة أهل الحق، فإنه لم يجعل لآراء الناس سبيلا على الشرع بل باينها وضادها.

وأيضا فإنه يمنع من إنشاء التصويت لما يفتح به لأهل النفاق والفجور من إظهار رأيهم، وهذا ليس موجودا في المشاركة.

ولأنه لا يؤمن أن يظهر لهم غلبة تفتن الناس، وهذا عكس ما في المشاركة.

• ولا يلزم من القول بجوازه= القول بجواز المشاركة في البرلمانيات المشرعة بغير ما أنزل الله، فإن ذلك يترتب عليه من التشريعات والعمل ما لا يوجد هنا.

• وأما الإنكار على من جوّز المشاركة في هذه التصويتات مع منعه من ابتدائها، ومماثلة قوله بمن يقول: سأشرب الخمر مع اعتقاد حرمته ، فإنكار في غير مورده، وتشبيه في غير محله .
فإن المسألة الواحدة قد يختلف متعلقها من الحل والحرمة باختلاف طرفيها، ولهذا نظائر في الشرع:
- فإن بيع الكلب حرام بدلالة النص، ومع هذا جوز جمع من أهل العلم شراء كلب الصيد لمن لم يجده إلا بالثمن، وهو قول قوي، فهو حرام على الآخذ مباح للباذل.

- بل ربما كان واجبا على الباذل كمثل فداء الأسرى، فإنه يجب على المسلمين بذل ذلك مع حرمة ذلك على آخذه من الكفار وتأثيمه، فاختلف الحكم هنا لاختلاف متعلقه .

- ومثل ذلك كسب الحجام، فإنه خبيث بالنص النبوي، وسواء قلنا إن الخبيث دال على التحريم أو على ما دونه، فإن النبي ﷺ قد بذل للحجام أجرته، ولا يجوز أن يظن أن الخبث متعلق بالإعطاء، فاختلف الحكم لاختلاف المتعلق، فإنه ﷺ لم يقل (إعطاؤه خبيث).

• ولهذا فلا يمنع أن يقال: بحرمة ابتداء التصويت ويقرر ذلك وينصر ثم إذا أراد مفسد أن يوهن من ديانة المجتمع ويضعف إرادته شددنا عليه بالنكير على التصويت وصوتنا ضده ليظهر مبلسا من الحق ومن الأعوان.

والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

الأحد، 1 يوليو 2018

دفع اختلاط مجوّز الاختلاط.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول ﷲ.
 أما بعد:
فكم أود لو أن بعض من يأبى ويصر على الحدَث في الدين والاختراع فيه؛ أن يترك الإملال! ويريحنا من السآم! بذكر شبهٍ قد لاكها قبله ألف لسان!، وسأم أهل العلم والدعوة من ردها وكرروا بيان خطئها!. فلو أن هؤلاء الطرآء إذ أبوا إلا ركوب الزيف؛ أتوا بشيء جديد يجد الإنسان في رده لذة العلم وكسر جديد الباطل!
لكنهم يصرون على مضغ مقالات قيلت، ويتسقطون لشبهٍ سلفت وماتت.

ولذا فانظر إلى بعضهم حين يرأى حديث ابن عمر: "ﻛﺎﻥ اﻟﺮﺟﺎﻝ ﻭاﻟﻨﺴﺎء ﻳﺘﻮﺿﺌﻮﻥ ﻓﻲ ﺯﻣﺎﻥ ﺭﺳﻮﻝ ﷲ ﷺ ﺟﻤﻴﻌﺎ" الذي رواه البخاري.
تطير به عصافير رأسه، ويظن أنه قد أتى بالقمر في الجؤنة!
ويفرح يأمل أن يكون فيه دليل على إباحة اجتماع الأجنبيات مع غير محارمهن.
وهذا فهمُ من لم يعرف كامل هذه المسألة!
وهذا حديث لا إشكال فيه عند فقهاء الأمة من الصحابة فمن بعدهم، فإنه حديث يُذكر في شطر مسألة معروفة عند أهل العلم موسومة (بحكم وضوء الرجل بماء توضأت به المرأة، وهي مسألة على قسمين: حكم مشاركتها، وحكم الوضوء بفضل وضوئها)
فكان ابن عمر في هذا الحديث يبين أنه لا جناح على من فعل ذلك، وأن الرجال كانوا يشاركون (النساء) في الوضوء، فهو حديث سيق لبيان حال الصحابة في عدم امتناعهم عن الوضوء مع النساء وبعدهن، ولم يسق لمسألة اختلاطهم، ولا مدخل لما انتفخ به نحْر أهل التغريب وسَحَره، فابن عمر يريد أن يبين أن الرجل من الصحابة كان يتوضأ مع زوجته وأمه وبنته ليس يتحاشى ذلك.
ولهذا بوّب البخاري في صحيحه على هذا الحديث بقوله: "باب وضوء الرجل مع امرأته، وفضل-أي بقية- وضوء المرأة" فهذا سبب ورود الحديث، وهذا فهم السلف للحديث.
ومن يعرف كامل المسألة يعرف سبب سياق مثل هذا الاستدلال، ولهذا لما ذكر عبد الرزاق حديث ابن عمر سبقه برواية ابن جريج ﻗﺎﻝ: "ﻻ ﺑﺄﺱ ﺃﻥ ﻳﺘﻮﺿﺄ اﻟﺮﺟﺎﻝ ﻭاﻟﻨﺴﺎء ﻣﻌﺎ ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻦ ﺷﻘﺎﺋﻘﻜﻢ ﻭﺃﺧﻮاﺗﻜﻢ ﻭﺑﻨﺎﺗﻜﻢ ﻭﺃﻣﻬﺎﺗﻜﻢ" مصنف عبد الرزاق.

وسيتبين لك بما سأذكر من الأدلة كيف أن الأدلة التي جاء فيها الرخصة للنساء بالخروج جاءت حياطتها بالتستر وعدم الاختلاط.

•• قال ﷻ: (وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن).
فقد جعل ﷲ الحجاب سببا لطهر قلب المرأة والرجل، وإذا كان ذلك في زوجات النبي ﷺ مثابة طهرة فكيف بغيرهن.

•• ثبت في البخاري ﺃﻥ ﺃﻡ ﺳﻠﻤﺔ ﺭﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻬﺎ، ﻗﺎﻟﺖ: «ﻛﺎﻥ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﺇﺫا ﺳﻠﻢ ﻗﺎﻡ اﻟﻨﺴﺎء ﺣﻴﻦ ﻳﻘﻀﻲ ﺗﺴﻠﻴﻤﻪ، ﻭﻣﻜﺚ ﻳﺴﻴﺮا ﻗﺒﻞ ﺃﻥ ﻳﻘﻮﻡ» ﻗﺎﻝ اﺑﻦ ﺷﻬﺎﺏ الزهري راويه: "ﻓﺄﺭﻯ ﻭاﻟﻠﻪ ﺃﻋﻠﻢ ﺃﻥ ﻣﻜﺜﻪ ﻟﻜﻲ ﻳﻨﻔﺬ اﻟﻨﺴﺎء ﻗﺒﻞ ﺃﻥ ﻳﺪﺭﻛﻬﻦ ﻣﻦ اﻧﺼﺮﻑ ﻣﻦ اﻟﻘﻮﻡ".

• وتأمل مسألة لطيفة هنا: فإنه مع إذن النبي ﷺ للنساء في حضور الجماعات والذهاب للمساجد، إلا أن خروجهن قد حيْط بحياطات تمنع الخلطة والفتنة، ومن ذلك:
• فمنه منع النساء من الجهر بالتسبيح للإمام، ولكن يصفقن، كما في الصحيحين: "فليسبّح الرجال، وليصفق النساء".
وأنت تعرف أن التصفيق ليس من شأن العبادة، بل هو إلى اللهو أقرب، لكنه مع ذلك كان بدلا لجهر المرأة بصوتها، مما يجزم فيه النلظر بعظيم تشوّف الشريعة المطهرة لصيانة المرأة عن الخلطة.

• ومن ذلك أنه جعل فضلا علقه على استئخار صفوف النساء عن الرجال، فعن ﺃﺑﻲ ﻫﺮﻳﺮﺓ، ﻗﺎﻝ: ﻗﺎﻝ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ: "ﺧﻴﺮ ﺻﻔﻮﻑ اﻟﺮﺟﺎﻝ ﺃﻭﻟﻬﺎ، ﻭﺷﺮﻫﺎ ﺁﺧﺮﻫﺎ، ﻭﺧﻴﺮ ﺻﻔﻮﻑ اﻟﻨﺴﺎء ﺁﺧﺮﻫﺎ، ﻭﺷﺮﻫﺎ ﺃﻭﻟﻬﺎ". رواه مسلم.

• ومن ذلك أنه ﷺ نبّه النساء أن يراعين عدم الاختلاط بالرجال عند الخروج للمسجد، فعن ﺃﺑﻲ ﺃﺳﻴﺪ اﻷﻧﺼﺎﺭﻱ ﺃﻧﻪ ﺳﻤﻊ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﻳﻘﻮﻝ: ﻭﻫﻮ ﺧﺎﺭﺝ ﻣﻦ اﻟﻤﺴﺠﺪ -ﻓﺎﺧﺘﻠﻂ اﻟﺮﺟﺎﻝ ﻣﻊ اﻟﻨﺴﺎء ﻓﻲ اﻟﻄﺮﻳﻖ- ﻓﻘﺎﻝ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﻟﻠﻨﺴﺎء: «اﺳﺘﺄﺧﺮﻥ، ﻓﺈﻧﻪ ﻟﻴﺲ ﻟﻜﻦّ ﺃﻥ ﺗﺤﻘُﻘْﻦ اﻟﻄﺮﻳﻖ ﻋﻠﻴﻜﻦ ﺑﺤﺎﻓﺎﺕ اﻟﻄﺮﻳﻖ»
 رواه أبو داود

• ومنها أن الشريعة جاءت بتفضيل صلاتهن في البيوت مع إذنها لهن بالخروج، فإذا استحضرت أن القاعدة الأغلبية: أن العمل الواحد إذا زادت أبعاضه كان أفضل مما هو أنقص منه، ثم رأيت هنا أن صلاة المرأة في المسجد زادت أجزاء صلاتها وأبعاضها؛ ومع ذلك نقص أجرها، بان لك وجه من تشوف الشريعة لعدم اضطراب المرأة بالخروج لأدنى داعية.
فقد روى أحمد في مسنده بسند حسن: "عن أم حميد رضي الله عنها:
أنها قالت : يا رسول الله، أني أحب الصلاة معك!
فقال ﷺ: "قد علمت أنك تحبين الصلاة معي,وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاة في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي).

• ومن ذلك أن نساء الصحابة كنّ يراعين ذلك في الطواف ودخول المسجد الحرام:
فقد روى البخاري عن عطاء أنه ذكر طواف النساء ثم نبّه على نفي الاختلاط فقال: "لم يكن يخالطن!، كانت عائشة رضي الله عنها تطوف حجرة (أي معتزلة) من الرجال لاتخالطهم، فقالت لها امرأة: انطلقي نستلم يا أم المؤمنين! قالت: انطلقي عنك، وأبت".

• ومن ذلك أنهن كن يراعين عدم الاختلاط عند دخول الكعبة، كما ذكر البخاري في الحديث الماضي، فقالت عائشة: "يخرجن متنكرات بالليل! فيطفن مع الرجال، ولكنهن كنّ إذا دخلن البيت قمن حتى يدخلن وأخرج الرجال".
فذكرت أنهن يقفن حتى يخرج الرجال ثم يدخلن.

• ومن ذلك أن الشريعة حثتهن للخروج لصلاة العيد، ولكن حاطتهن بما يجنبهن الخلطة بالرجال، كما في البخاري عن ابن عباس قيل له: أشهدت العيد مع النبي ﷺ؟ قال: نعم، ولولا مكاني من الصغر ما شهدته، صلى النبي ﷺ ثم خطب، ثم أتى النساء ومعه بلال، فوعظهن وذكرهن وأمرهن بالصدقة).
ففيه أن النساء كن مجانبات لرجال غير مختلطات بهم، ولذا احتجن أن يأتيهن ﷺ.
• وهذا الأمر كان أمرا معروفا عند الصحابيات، ولهذا ثبت في البخاري أنهن قلن للنبي ﷺ: "غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يوما من نفسك، فوعدهن يوما لقيهن فيه فوعظهن وأمرهن".
فدل على تمايزهن وعدم خلطتهن.

• ولما وقع في عهد عمر -رضي الله عنه- شيء من اختلاط الرجال بالنساء في الطواف نهى أن يطوف الرجال مع النساء، فرأى رجلاً معهن فضربه بالدرة". كما رواه الفاكهي في أخبار مكة.

• وهذا الشأن مستقر في تصاريف الأدلة تجده يد كل لامس للأدلة ناظر فيها غير متبع لهواه، فاسمع لعائشة كما في البخاري حين استأذنت عائشة رسول الله ﷺ في الجهاد، فقال: "جهادكن الحج".
فقد تاقت نفسها للعمل الصالح في الجهاد، فأراد النبي ﷺ أن يبين أنه ليس من شأن النساء، ولهذا فإنما كن يخرجن أحيانا مع النبي ﷺ للحاجة للسقي والمداواة، عند قلة عدد الرجال المقاتلين.

والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول ﷲ.


الجمعة، 16 مارس 2018

مسألة: (الترحم على المشركين)

     الحمد لله والصلاة والسلام على رسول ﷲ وعلى آله وصحبه:
أما بعد:
فمن الناس من هو مولع بكل غريبة، يلذّ له مخالفة المؤمنين، ويطرب لسلوكه غير سبيلهم، ويتمايل لبخبخة العلمانيين والليبراليين.
ففي حينٍ ترى المسلمين من أتباع الوحي على شأن مجتمع في مسألة قد استقروا عليها في دينهم، تراه يتقافز يتشعب بهم فيها بتمويه ودلَسات كما سأذكر هنا بإذن ﷲ.
وقد جاء اليوم من يجوّز الترحم على الكافر بعد موته! ولكنه رأى أن أدلة المنع من الاستغفار لا يقدر على ردّها لقطعيتها أخذ يفرّق بين الاستغفار والترحم بغير حجة، وجاء يستدل على ذلك بما لا تقوم به حجة، ثم زاد فزعم عدم ثبوت دليل في منع الترحم على الكفار وهكذا في هوَر الاحتجاجات ووهائها.

•• فأما المنع من الترحم على الكفار فقد دل على ذلك حجج من وجوه:
• الوجه الأول: أنه قد صح امتناع النبي ﷺ عن ذلك للكفار الأحياء فضلا عن الأموات، كما ثبت في المسند والترمذي عن حكيم بن ديلم عن أبي بردة عن أبي موسى قال: "ﻛﺎﻧﺖ اليهود ﻳﺘﻌﺎﻃﺴﻮﻥ ﻋﻨﺪ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ ﺭﺟﺎء ﺃﻥ ﻳﻘﻮﻝ ﻟﻬﻢ: ﻳﺮﺣﻤﻜﻢ اﻟﻠﻪ! ﻓﻜﺎﻥ ﻳﻘﻮﻝ ﻟﻬﻢ: "ﻳﻬﺪﻳﻜﻢ اﻟﻠﻪ ﻭﻳﺼﻠﺢ ﺑﺎﻟﻜﻢ"، وقال الترمذي: (حسن صحيح) ورجاله أئمة كبار غير حكيم بن ديلم وهو ثقة مأمون كما قال الثوري وغيره.
والترك هنا ليس تركا مجردا، بل ترك على خلاف أصل التشميت، فينحل إلى النهي، وبابه التحريم لا مطلق المنع.

• الوجه الثاني: أن ﷲ قد أخبر بحجب رحمته عن الكفار في الآخرة وآيسهم من رحمته، كما قال تعالى: "والذين كفروا بآيات ﷲ ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي".

الوجه الثالث: أن ﷲ قد حرّمها عليهم، فقال: "ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون".
وقد تقرر أن من الاعتداء في الدعاء؛ الدعاء بالممنوع شرعا وكونا.

• الوجه الرابع: أن الرحمة أعظم من المغفرة، فإذا جاء القطع بمنع الدعاء بالمغفرة فالمنع من الدعاء بالرحمة أولى، ولو جاز ما قاله: من أن الدعاء بالرحمة لتخفيف بعض العذاب، لصح أن يقال: ويجوز أن يدعى بمغفرة الذنب دون الشرك ليخفف عنه العذاب، كما قد قاله بعضهم.

الوجه الخامس: أن المخالف حين يريد نفي الإجماع في المسألة ينتقل إلى مسألة أخرى، وهي مسألة: اختلاف السلف في تخفيف العذاب على الكافر في النار، وتلك دلسة من الدلسات، فالحديث عن الدعاء للكافر بالرحمة، وليس في وقوع الخلاف في حقيقة التخفيف على بعضهم في النار، فهي خلافية بلا إشكال، وأما الأولى فالخلاف فيها من الشذوذ لمخالفته النص والإجماع المتقدم.

الوجه السادس: أن المخالف يرد في مسألة خارجة عن نزاع المسلمين المتبعين للسنة مع المترحمين على الكفرة، فإن المترحم على الكافر يجوّز دخول الكافر الجنة وقد ظهر ذلك في ردوده وتعليقاته، فتطوّع المخالفون للاستدلال في مسألة لم يقصدها الطرفان، وذاك فضول استدعاه حب المخالفة والتشغيب.

• الوجه السابع: يردد المخالفون في مثل هذه المسائل الحديث عن الخلاف كلما نوقشوا وأبلسوا من الأدلة ويتكئ عليه كأنه حجة مستقلة في المسائل، وهنا إجماع لا يوجد خلاف معتبر، وإنما جاء الخلاف في تكفير من استغفر للمشركين، والرحمة أعظم فهي أولى بالتكفير، فهل سيراعون الخلاف هنا؟

• الوجه الثامن: أن الأصل المنع من الدعاء لأموات الكفار لقوله تعالى: "ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره".
والقيام على القبر كما قال ابن الجوزي: "قال المفسرون: ﻛﺎﻥ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﺇﺫا ﺩﻓﻦ اﻟﻤﻴﺖ ﻭﻗﻒ ﻋﻠﻰ ﻗﺒﺮﻩ ﻭﺩﻋﺎ ﻟﻪ ﻓﻨﻬﻲ ﻋﻦ ﺫﻟﻚ ﻓﻲ ﺣﻖ اﻟﻤﻨﺎﻓﻘﻴﻦ".
والدعاء عبادة، والأصل فيها التوقيف فالمطالب بالدليل هو المخترع المبتدع لهذا التفريق، الذي كان يميل بعنقه كلما ناقشه أحد يقول برزانة سوداء: هاتوا الدليل على التحريم! مع أنه هو المطالب بالدليل والحجة الخاصة على جواز ذلك. 

وبقي هناك وجوه من وجوه الاستدلال والرد تركتها اكتفاء بما مضى، فإن صاحب الاتباع يكفيه حرف واحد من الكتاب والسنة ليسلم، وصاحب الباطل لو أتيته بكل آية لوّاها عن وجهها وقعد يفتل الأغلوطات على الأدلة والله المستعان.

السبت، 10 مارس 2018

طبائع الفتن



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.. أما بعد:
• فمن حكمة الله تعالى ابتلاء المؤمنين بتعاقب الفتن وتتابعها، وقد جاءت أدلة تبين وجوها من ذلك:
فانظر قول ﷲ ﷻ عن كلام هاروت وماروت: "إنما نحن فتنة"، فإنه دال على أن من قضاء ﷲ الكوني ترتيب الفتن في الأرض، اختبارا لإيمان العباد وتمييزا للصف وامتحانا لهم، ولذلك نظائر دلت عليها الأدلة.

وإن من استحكام الغفلة على القلب؛ الأمن من مواقعة الفتنة وعدم محاذرة آثارها، وقد ثبت في الصحيحين أن عمر كان يسأل الصحابة:
‏"أيكم يحفظ حديث النبي ﷺ في الفتنة؟
‏فأجابه حذيفة:
‏أنا
-ثم قال بعدُ- : "إن بينك وبينها باباً مغلقاً".
فهذا عمر يخشى الفتنة ويحذرها ويتطلب علمها ويستعلم صفاتها، وهو عمر ومن يأمن الفتنة بعد عمر؟!
وقد دل الدليل على أن قبول الفتنة يظلم القلب كما ثبت في مسلم أن النبي ﷺ قال عن أثر الفتن وعاقبة قبول القلب لها: "وأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء".

وقد دلت الأدلة على تنوع الفتن وكثرتها، وأن منها أنواعا لا يسلم منه أحد، كما ثبت في الصحيحين لما سأل عمر الصحابة عن الفتن، فقال حذيفة: "فتنة اﻟﺮﺟﻞ ﻓﻲ ﺃﻫﻠﻪ ﻭﻭﻟﺪﻩ ﻭﺟﺎﺭﻩ ﺗﻜﻔﺮﻫﺎ اﻟﺼﻼﺓ، ﻭاﻟﺼﺪﻗﺔ ﻭاﻟﻤﻌﺮﻭﻑ" (البخاري ١٤٣٥، ومسلم ١٤٤).
فهي فتن منوعة ذات تلاوين واختلاف، ‏كفتنة الولد وفتنة الدنيا وفتنة العلم، وفتنة الاضطهاد وفتن سلطان الجمهور وفتن زلة العالم، وهلم هلم من أنواعها.

وقد جاء ذكر تفاوتها كما في مسلم، قال ﷺ في وصف الفتن: "ﻭﻣﻨﻬﻦ ﻓﺘﻦ ﻛﺮﻳﺎﺡ اﻟﺼﻴﻒ ﻣﻨﻬﺎ ﺻﻐﺎﺭ ﻭﻣﻨﻬﺎ ﻛﺒﺎﺭ" (٢٨٩١).

والفتن في ذاتهما نوعان:
فتن شهوات وفتن شبهات، وقد جمعهما الله في قوله تعالى: (كالذي من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالاً وأولاداً فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا ).
وفتن الشهوات تدفع بالصبر، وفتن الشبهات تدفع باليقين، ولذلك جمع الله بين الصبر واليقين في قوله تعالى (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون).
- ومن أنواع الفتن: الفتن العلمية!
- وقد كان لمتقدمي هذه الأمة من الفحص عن دقيق علم الفتن! ما يتعجب منه أمثالنا.
ومن ذلك ما جاء عن سحنون وكانت تأتيه المسائل المشهورة فيأبى الجواب فيها، فسئل عن ذلك فقال:
‏سرعة الجواب بالصواب أشد فتنة من فتنة المال".
‏ترتيب المدارك ١/ ٣٥٧
وقد دلت الأدلة أيضا أن العلماء الصالحين مغاليق للفتن في كل زمان، فقد روى البزار في مسنده أن أبا ذر كان يقول لعمر رضي الله عنهما: "يامغلاق الفتنة"، وإنما ذلك -والعلم عند الله- لما يعلمون من الكمالات التي وهبها ﷲ عمر، في العلم والعمل، وهو إذن لكل من نال نصيبا من العلم والعمل.

ومن الفتن العلمية: الفتنة بكلمة الضلالة، يقوم ناشرا للعلم يبثه ويتقفره ثم يميل بكلمة ضلالة يتبعه عليها خلائق، وقد ‏روى الدارمي عن ﺯﻳﺎﺩ ﺑﻦ ﺣﺪﻳﺮ ﻗﺎﻝ ﻟﻲ ﻋﻤﺮ: "ﻫﻞ ﺗﻌﺮﻑ ﻣﺎ ﻳﻬﺪﻡ اﻹﺳﻼﻡ؟
‏ﻗﻠﺖ: ﻻ!
‏ﻗﺎﻝ: ﻳﻬﺪﻣﻪ ﺯﻟﺔ اﻟﻌﺎﻟﻢ، ﻭﺟﺪاﻝ اﻟﻤﻨﺎﻓﻖ ﺑﺎﻟﻜﺘﺎﺏ ﻭﺣﻜﻢ اﻷﺋﻤﺔ اﻟﻤﻀﻠﻴﻦ".
الدارمي (٢٢٠).
وسواء عليها أكانت زلة فرَطَت منه وندرت بغير قصد، أو كانت أحموقة ركبها بإصرار وعلم، فهي فتنة للخلق.
وزلة العالم فتنة لطائفتين:
‏- طائفة تقلده دينها فتشرب زلَلَه.
‏- وطائفة تجعل من زلَلِه مثابة تشنيع على أهل العلم، وترك بياض الحق لديه لسواد الزلة.
ولهذا كان العلماء يعلمون المبوأ الذي نزلوه، فيتحصنون غاية التحصّن أن يغدو أحدهم بابا لضلالة، ولما امتحن أحمد قال:
‏"رأيت العلماء ممن كان معي يميلون!
‏قلت:
‏من أنا؟
‏وما أقول لربي غداً إذا وقفت بين يديه فقال:
‏بعت دينك كما باعه غيرك!".
‏المقصد الأرشد ١/٣٢٨
ومن الفتن العلمية العظيمة: فتنة طلب الممادح، وحب الشرف، ولقد كان يشتهر في مدح العلماء الصادقين أنهم قد استوى مادحهم وذامهم في ذات الله، كما جاء في ترجمة ابن تيمية : "وكان مادحه وذامه في الحق عنده سواء".
الرد الوافر ٦٦، الشهادة الزكية ٣٣.
وهذه تراجمهم وتواريخهم ملئت بأخبار تجردهم من حب المدح وخلوصهم من تأثير المدح والجرح على أقوالهم.

• ومن أعظم ما ينبغي أن يتنبه له السائر إلى الله في أنواع الفتن؛ أن يتنبه إلى أن الفتن والابتلاء على نوعين:
الابتلاء الشرعي، والابتلاء الكوني القدري.
فمن الابتلاء الشرعي ما يكون من حكمة تشريع بعض العبادات والشرائع، ألم ترَ إلى قوله تعالى عن تحويل القبلة: "وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه"!
فمن أعظم مقاصد تغيير القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ليعلم الله من يتوجه إلى الكعبة ممن ينكص على عقبيه ويشك في دينه ويقول أي دينٍ هذا الذي تحولنا فيه من قبلةٍ إلى قبلة!

وأبلغ من ذلك أن الله جعل في القرآن من الآيات فتنة لمن قلبه زيغ،  كما قال تعالى: "فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله"!

وأما الابتلاء الكوني فكما جاء في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيءٍ من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب )!
فانظر كيف تعرض الفتنة على العبد وهو في حال التنسك والحج، وليس في حال إدبار وإعراض!
لكن صاحب الزيغ ومن في قلبه مرض تسرع إليه الفتنة لما في قلبه من قابلية للزيغ، وتشرّب لهذه الفتنة، فمن كان في قلبه زيغٌ ومرض أسرعت إليه الفتنة أكثر من غيره كما  قال تعالى (يانساء النبيّ لستنّ كأحدٍ من النساء إن اتقيتنّ فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض)، فمن كان كذلك كان عنده الاستعداد لأن تخمشه الفتنة بخمشاتها!
هذا في الشهوات.
وأيضاً يقال ذلك في الشبهات:
قال تعالى: (ليجعل مايلقي الشيطانُ فتنةً للذين في قلوبهم مرضٌ والقاسية قلوبهم).

وهنا مأخذ عظيم:
فقد يقول قائل: كيف يكون في القرآن العظيم والنور المبين سبب واصل للضلالة؟!
قال تعالى: "وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا.."، ثم قال: "وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم"
وقال: " ولا يزيد الظالمين إلا خسارا".

وللفتن طبائع، ولها صفات وصبغة، لا يسلم للعبد تعبد حتى ينال حظا من علم ذلك.
فمن طبائع الفتن: أن أسرع من تنصبّ إليه الفتن من ابتلي بقسوة القلب، يقول ﷲ: "ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم ".

ومن طبائع الفتن: إنها تؤثر في القلوب حتى لو زالت ودفعت، لا تعود كل القلوب كما كانت عليه!
 بل إن هناك من القلوب مايبقى فيها أثرٌ من الفتنة!، وقد دل على ذلك ماثبت في مسند الإمام أحمد من حديث حذيفة وهو يسأل النبي ﷺ  وهل بعد هذا الخير من شرّ؟
قال: "نعم، صلح على دخن وجماعةٌ على أقذاء"، قلت يارسول الله ومادخنه؟ قال: "لا ترجع كثيرٌ من القلوب إلى ماكانت عليه".
فتضعف القلوب عن العبادة وتضعف عن التسليم، وتتربى شكوك، وتغذو معارضات القطعيات.
حتى لو أنه قام قائم العلم والدعوة والجهاد فقمع البدعة ودمغها فزالت ستبقى هناك من القلوب يفوح فيها دخَنٌ من تلك الفتنة!

ومن طبائعها: أنها ربما أزاغت القلب في أعظم أمرٍ وفي أقصر مدة!
كما في مسلم: "يمسي مؤمناً ويصبح كافرا، ويصبح مؤمناً ويمسي كافراً".

ومن طبائع الفتن أنها إذا حضرت عزبت النصوص عن كثير من الناس، حتى لربما عزبت عن فضلاء من فضلاء القوم كما ثبت في البخاري من حديث عائشة في وفاة النبي ﷺ، حين أنكر ذلك من أنكره من الصحابة.

ومن طبائع الفتن عظم إحاطتها بالقلب، وقد جاءت الأدلة أيضا بذكر إحاطتها للقلب، كما في سياق مسلم ‏قال ﷺ: "تُعْرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا " (١٤٧).
وفيه أنها تعرض على القلوب كنسج الحصير، فإن الناسج ينسجها بالعود بعد العود يتابع فيه نسجا بعد نسج.

وفي قول النبي ﷺ: "فأيما قلبٍ أنكرها نُكتت فيه نكتة بيضاء" دلالة على أن قلب المؤمن إذا قوي على دفع الفتنة الأولى، قوي قلبه على رد مابعدها، ثم لا يزال يرد الفتن حتى يقوى قلبه على رد كل الفتن.

وفي قوله ﷺ: "حتى تكون القلوب على قلبين: أبيض كالصفا لاتضره فتنة مادامت السماوات والأرض"، وصف لقلب المؤمن الذي جمع بين الطهارة و الصلابة في الحق، جزاء رده للفتن، فينجو من كل مدلهمة، ويسلم من كل فتنة، سواء كانت من فتن الدنيا أو فتن القبر أو فتن الآخرة.
بخلاف القلب الثاني فهو: "أسود مربادًّا كالكوز مجخياًّ لا يعرفُ معروفاً ولا يُنكر منكراً"
أسود: ظلماتٌ بعضها فوق بعض.
مرباد: كما قال القاسم بن سلام: بين السواد والغُبرة.
مُجخياً: أي مقلوباً لا ينفذ فيه الماء ولا يدخله.
كذلك ذلك القلب حين قَبِل الفتنة بعد الفتنة بعد الفتنة، أصبح قلبه لا يقبل الحق! ولا يعرف معروفاً، ولا يرى نوره، وكذلك لا ينكر منكراً، ولا يرى ظلام المنكر!.

ألم ترهم؟! في هذه الأيام -وقبل ذلك وبعد ذلك- يردون القطعيات من الشريعة!
تتعجب كيف تنكر قلوبهم واضحات المعاني في كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ، لكنهم أذنوا للفتنة أن تلج قلوبهم! ثم لا تزال قلوبهم تضعف وتسوَدّ حتى غدت بذلك النحو.

• ولكن من رحمة ﷲ تقدير العواصم التي تعصم المكلف من آثار الفتن وتحفظه من شينها، ومن تلك العواصم:
- الفقه في الدين:
‏ولذا أخبر النبي ﷺ أن الجهالة قد تكون سببا للتشديد القدري والشرعي، وفي سنن أبي داود عن أنس عن النبي ﷺ قال: "لا تشددوا على أنفسكم فيشدد ﷲ عليكم".
 فالعلم بالكتاب والسنة، فإن العلم حصن حصينٌ من الفتن، وقد جاء عن حذيفة في حديث عند أبي شيبة قال: "لا تضرك  الفتنة ماعلمت دينك، إنما إذا التبس عليك الحق والباطل".
وإنما نعني به العلم النافع، الذي يعود على القلب بالتقوى، وأما العلوم التي لا نفع فيها في دنيا وآخرة، فقال فيها الشاطبي: "ﻋﺎﻣﺔ المشتغلين ﺑﺎﻟﻌﻠﻮﻡ اﻟﺘﻲ ﻻ ﺗﺘﻌﻠﻖ ﺑﻬﺎ ﺛﻤﺮﺓ ﺗﻜﻠﻴﻔﻴﺔ؛ ﺗﺪﺧﻞ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻓﻴﻬﺎ اﻟﻔﺘﻨﺔ ﻭاﻟﺨﺮﻭﺝ ﻋﻦ اﻟﺼﺮاﻁ اﻟﻤﺴﺘﻘﻴﻢ ﻭﻳﺜﻮﺭ ﺑﻴﻨﻬﻢ اﻟﺨﻼﻑ " الموافقات ١ / ٥٣

- ومن العواصم: العمل الصالح، ولهذا قرن النبي ﷺ بينهما اقتران السبب بالمسبب، فجاء في مسلم من حديث أبي هريرة: "بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل".
فالمبادرة إلى الطاعة وليس الطاعة المجردة!
فلا يدري المؤمن في تأجيله ما يعرض له من إضعاف للقلب، إذا راث عنه المدد الرباني.

- ومن عواصم الفتن: الصبر: فقد ثبت في السنن أن النبي ﷺ  قال: (إن السعيد لمن جُنّب الفتن ولمن ابتلي فصبر فواهاً) فمن عُرّض للفتن فصبر فواهاً لعلو منزلته وعلو رتبته وشريف مقامه.

- ومن العواصم التي بيّن ﷺ عصمتها للأمة عن الفتن: الجهاد، وقد بوّب أبو داود في سننه: "باب ارتفاع الفتنة عند الملاحم"، وأسند فيه حديث عوف بن مالك قال النبي ﷺ: "لايجمع الله على أمتي سيفين، سيفا منها وسيفا من عدوها".

- ومن العواصم من الفتن كثرة الإنابة إلى ﷲ بالتوبة، فقد ‏ذكر الله في سورة ص قصص ابتلاء أنبيائه، ثم ذكر سبب الخلوص من الفتنة، فوصف كل واحد بوصف الإنابة والتوبة، فقال: "نعم العبد إنه أواب".

أسأله ﷻ أن يعصمنا من الفتن، وأن يرحم حالنا وضعفنا وقلة حيلتنا، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

السبت، 30 ديسمبر 2017

أوراق فقهية (١٤): (حكم مصافحة الأجنبية)

     الحمد لله والصلاة والسلام على رسول اللّه أما بعد:
فإن عامة الصحابة فمن بعدهم، على القول بتحريم مصافحة الأجنية الشابة لا يعرف مخالف من الأمة في هذه المسألة إلا في قول شاذ في هذا العصر
⁦⁩للنبهاني ومن تبعه من أتباع حزب التحرير مما لا يبلع على آرائهم الريق، وكفى ضلالة بقول لم يعرفه الصحابة فمن بعدهم حتى قال به هؤلاء.
وفي حديث عائشة قالت: "لا والله ما مست يد رسول ﷲ يد امرأة قط" البخاري ومسلم
وهذا الحديث دليل على تحريم مصافحة الأجنبية، فإن الأصل سنية جنس المصافحة، فلما جاء الترك النبوي لبعض أنواعه دل ذلك على تحريم هذا النوع المتروك، فإن السنة لا تترك لمعارضة المشروعية المطلقة.
ووجه آخر: أنه ثبت في مسلم عن جرير قال: "سألت النبي ﷺ عن نظر الفجأة فأمرني أن أصرف بصري".
⁦فهل تأتي الشريعة بالنهي عن النظر للأجنبية ثم تبيح المس؟ وبهذا استدل غير واحد من أهل العلم على منع المصافحة.
ثم على هذا الشأن مضى أهل الإسلام وفقاؤه:
- فمن الحنفية (الهداية ٨/ ٤٦٠)
- ومن المالكية (ابن العربي في عارضة الأحوذي ٧/ ٩٥).
⁦⁩- ومن الشافعية: (النووي في الأذكار ٢٢٨
وابن حجر فتح الباري ١٦/ ٣٣٠)
- ومن الحنابلة: (ابن مفلح الحنبلي الآداب الشرعية ٢/ ٢٥٧).
• على أن بعض المشوشين ربما أتى باستدلالات لا يُفرح بها في الباب، ذلك إن ثبوت الأحكام الشرعية لا يكون إلا بأمرين:
- صحة الدليل
- وصحة الاستدلال.
فمما يشبّه به أهل الانحراف: حديث أنس: "أن الأمة من إماء المدينة كانت تأخذ بيد النبي ﷺ فتنطلق به حيث شاءت" وهو مخرج في الصحيح.
ولكن الأمة قد تطلق في لسان العرب ويقصد به الفتاة الصغيرة، والمستدل لابد أن يجمع بين قول النبي ﷺ: "إني لا أصافح النساء" وبين هذا الحديث، والنفي صريح فلابد أن يحمل قول أنس
⁦⁩على وجه لا يعارض به النفي، ثم إن النص جاء للدلالة على تواضع النبي ﷺ والعرب تستعمل مثل ذلك لوصف الطواعية ولا تعني حقيقة المساس، وإذا تعارضت الحقيقة مع ما هو محتمل للمجاز قدم ما يدل على الحقيقة.
ومما استدلوا به حديث أم حرام حين كانت تفلي شعر النبي ﷺ، وهو مخرج أيضا في الصحيح، ولكنه من حوادث الأعيان التي يرد عليها الاحتمال
⁦⁩ما لا يرد على الأحاديث الدالة على المنع، وهذه جادة مطردة في الاستدلال، فإن الأصول والنصوص التأسيسية لا تعارض بحوادث الأعيان، وأم حرام قد جزم جمع من السلف أنها من خالات النبي ﷺ.
وهكذا ما يذكر هؤلاء من حديث أبي موسى مع امرأة من قومه في الحج، فإن السياق لم ينفِ أنها من محارمه، فكيف يستدل به على
⁦⁩هذه المسألة.
وهذه كتب الإسلام ودواوين العلم هاتوا لنا من قال بقولكم من سلف الأمة المباركة، ثم لو سلم لهم بظاهر ما موهوا به هل يجوز هؤلاء مطلق المسيس والترجيل والمشط وغير ذلك مما لا شك أنه من المحرمات، فإن أقروا به خُصِموا، وإن منعوا منه بوجه من التأويل قيل: لست ما منعتم منه بأولى من الذي جوزتموه، والله المستعان.

السبت، 18 نوفمبر 2017

الوعظ وظيفة الأنبياء.

     الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
ف‏من أفاعيل المنحرفين توهين الوعظ ولصق النقيصة بالواعظين، تراهم يغمزون أهل العلم والدعوة والتضحية (بالوعّاظ) تنقّصا ولمزا، وما درى المسيكين أن الوعظ وظيفة الأنبياء وأتباعهم، يقول الله لنبيه: "قل إنما أعظكم بواحدة..".
ومن شريف مقام الوعظ أن الله سمى كتابه موعظة، فقال: "قد جاءتكم موعظة من ربكم"، بل إن الله وعظ عباده! فقال في عتابه لنوح: "إني أعظك أن تكون من الجاهلين " .
ومن أهل الانحراف من يحول ويصول لذم الشرع ولا يطيق جهرا بذلك ويجبن عن الصدع به، ثم لا يجد إلا أن يخرج ذمه في ألوان من الألفاظ، فيذم الوعظ حينا والصحوة تارة والتشدد تارات .
ثم إن الوعظ لا يقتصر على تزكية القلوب وتطهيرها والتذكير بالتعبدات والنوافل والتحذير من غضب الجبار ونحوه، بل إن القرآن والسنة والشريعة كلها موعظة للمؤمنين، هذا وإن الوعظ بالتذكير وتزكية القلوب من أعظم ما تحتاجه النفوس، وليس من أحد في غنى عن الوعظ والتذكير بطهرة القلب وحياة الأفئدة، ومهما نال المكلف من العلم وبلغ من الاجتهاد في النسك فإنه مفتقر إلى من يذكره ويعظه، وهذا أمر أجمع عليه أرباب السلوك والتنسك والكلام يأخذ بأعناق بعضه، فما دام أني ذكرت الوعظ والموعظة فيحسن أن أذكر أن الوعظ لا يقتصر على درس يلقى أو كلمة تقال، بل إن المؤمن ينوّع على قلبه أنواع المواعظ، وأحب أن أختم بذكر مواعظ وعظني بها مستفتون، لم يخطر ببالهم أن يعظوا، ولكن كان في أسئلتهم أعظم الوعظ وأزكاه.
فمن ذلك أن مستفتيا فاضلا -لا أعرفه- راسلني يسأل يقول: إني أدهن رجل أمي بما يدهن به (فازلين)، وأجد في نفسي حرجا أن أغسله من يدي!
أن لا يكون تقذرا! فيكون من الجفاء للوالدة!.
غفر الله له ولوالدته.
- وآخر اتصل يسأل يقول: ما حكم الزواج من امرأة (ليست تدرك كامل الإدراك)، ولمّا آنس مني تعجبا من سؤاله قال: أما إني متزوج وذو مال وشباب وخير، ولكن هذه فتاة ليس لها عائل يقوم عليها إلا أم تهوّر بها العمر وكبرت وأود أن لو رزقها الله مني بولد أو بنت تقوم عليها وتؤنس وحشتها إن فقدت يوما من يقوم عليها!.
وإذ قد بدأت بذكر الجفاة قذى العيون، فقد ختمت بذكر أحوال من أحوال أناس من عرض هذه الأمة المباركة، أخبارهم تروى فتخشع لها القلوب ، والحمد لله رب العالمين.