الأربعاء، 7 ديسمبر 2016

خصوم ابن تيمية .. البغي ونسج الفرى !

    بسم الله الرحمـن الرحــيـم

     الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد :

  يعمدُ أحدُهُم إلى ما خوَّلَهُ الله مِن نعمةِ البحثِ والنَّظَرِ والقِراءة؛ فيُحمم وجهَهُ بتَرْكِ العَدلِ وودع النّصَفَة، وينسى شُكرَ ما نحله الله من هذه النّعمة، وذلك والله من أمارات الغبن في العلم وعدم البركة في البحث والتحصيل .

وبين يدي مصورة جمعت من كلام ابن تيمية في أحكام التكفير ونواقض الإسلام، أراد جامعها  - ممّن تقرَّحت كفوفه يفركها حنَقاً على ابن تيمية - أراد أن يُلبس ابن تيمية رداءَ الغلو في الديانة، والشذوذ عن الأمّة .

لقد رأيت ناشر هذه المصورة، يعلكُ ذَمَّ ابن تيمية صباحَه ومساه، يبدي القول ويعيد في ذم أتباع ابن تيمية الذين دلسوا على الأمة وسكتوا عن أرائه في القتل والتكفير !

وليس بي في هذه التّوّه دفاع عنه -رحمه الله- فقد نشَرَ اللهُ له مِن جميلِ الذِّكر ولسانِ الصِّدقِ ما لن يضيرَهُ معه عزيف -الأستاذ كاتب المنشور وأمثاله-، لكنَّني أودُّ هنا أن أبيِّن حال هذا الرجل وغيره من خصوم شَّيخ الإسلام ابن تيمية؛ في عدمِ قيامهم بأمانة العلم والقلم.

رأيت كاتب هذا المنشور ينعى على أتباع ابن تيمية كيف يدلِّسون! ويغشّون الأمَّةَ بدفاعهم عن تكفير ابن تيمية وشذوذاته!
ناقلًا من كُتُبِهِ تلك المواضع الَّتي جعل وَكْده إثبات الغلوّ عند ابن تيمية بها، وزعم تفرده وخروجه عن أقوال علماء الأمة!

وسأعرض إلى هذه النُّقول الَّتي نقلها، وشنِّعُ بها على ابن تيمية، وخفض القول فيها ورفعه، وسيتبيَّن للقارِئِ الكريم مكان كاتب المنشور .. مِنَ التَّدليس ونسج الفِرى وإيهامِ القُرَّاء.

• لقد أنكَرَ الكاتب على شيخ الإسلام ابن تيمية مسائِلَ هي محلُّ اتِّفاقٍ عند السَّلف وفقهاء الأمَّة أو هو قول أكثرهم !
لكنه زخرَفَ القولَ فيها وموّهه؛ لِيُوهِمَ قرَّاءَهُ أنَّ هذه المسائل من مفردات ابن تيمية الَّتي شَذَّ بها !

• فإن كان ناشر ذلك الكلام يعلم أنَّ هذه المسائل ممَّا اجتمَعَ عليها أكثر العلماء؛ ولكنه أخرجها مخرج الذَّمِّ لمن تقلَّدها فهذا خلع لزينة الإنصاف ولباسه، وحريٌّ بصاحبه أن يشتغل بالتَّزكية والتَّربية عن تتبُّعِ -ابن تيمية أو غيره من علماء الأمة.

وإنما الحقيق بالذَّمِّ مَن جَهِد طوْله أن يذمَّ مسلِمًا بما ليس فيه، وهذا ذنبٌ على حياله يوجب توبة.

وأمَّا إذا كان الأستاذ - ناشر ذلك الكلام - لا يعلَمُ أنَّ تلك المسائل الَّتي ذَمَّ بها ابن تيمية - لا يعلَمُ - أنَّ كثيرًا منها مسائل وفاقيَّة بين السَّلف؛ فهذه آبدة علميَّة ! تصيح على صاحبها بالجهالة .
فإنّ مَن جَهِلَ هذه المسائل مِن علوم الإسلام فما له وللقلم وأين هو من الكتابة والبحث؟

أفلا يتَّقي الله فيرجع ليتعلَّم قبل أن يتكلَّم؟

•• وسأعرض إلى هذه المسائل التي تداولها من تداولها، وهي تدل على ما وراءها، وتبين حال المبطلين الذين اتخذوا علماء الإسلام وأعلامه غرضا لسهامهم وتهمهم وبغيهم.

• فمِنَ هذه المسائل الَّتي أراد أن يشنِّعَ بها على ابن تيمية:

- تكفير ابن تيمية مَن قال بخَلْقِ القرآن !
• ولستُ أدري هل جَهِلَ الأستاذ الكاتب كلام السَّلف في الجهميَّة القائلين بخَلْقِ القرآن ؟ !
أرأيتم حال خصوم ابن تيمية ؟

إن جامع المنشور يزعم تعظيمه لكلام السلف وعلماء الأمة، ويحيص حيصات النكير على من يراهم مخالفين لعلماء الإسلام.
فهل سأحتاج أن أنقل من كلام السَّلف تغليظهم على من قال هذه القالة ؟
ماذا يريد الأستاذ .. حين يمضَغُ لعابَ التَّشنيع على خصومه بأمرٍ هو محلُّ إجماع السَّلف .

لقد نقل اللَّالكائيُّ عن مئين من السَّلف كلهم قد اجتمعَتْ كلمَتُهم على القول بتكفير مَن قال بخلق القرآن .

(شرح أصول الاعتقاد ٢/٢٧٤).

- وضميمة ذلك مسألة التَّكفير بإنكار رؤية الله تعالى يوم القيامة، فجعلها الأستاذ .. مورد نكير على ابن تيمية، وتلك شكاة ظاهر عنه عارها، فهذه القضية من منصوصات أئمَّةِ السَّلف، ودونك كتب الآثار والسُّؤالات والسُّنَّة مشحونة بذكر ذلك.

أفيكفيه ما روى أبو داود في مسائله: " عن أحمد فيمن كذب برؤية الله، فقال: هو كافر " .
( مسائل أبي داود - م ١٧٠٠ )
بل جعل إمامُ الأئمَّةِ ابنُ خزيمة منكِرَها أسوأ حالا في الدّنيا -عند العلماء- مِنَ اليهود والنَّصارى والمجوس !
(التّوحيد لابن خزيمة ٥٨٥/٢)

- وممَّا نقمه النَّاقمون على ابن تيمية -في مسائل التَّكفير- تكفيرُهُ لتارِكِ الصَّلاة !
فانظُر كيف احتملت القوم نبأة الخصومة حتَّى خاصموا في مثل هذه المسألة الَّتي اشتهر تكفير السَّلف بها، بل حكي عليه الإجماع القديم، ولو اقتصر الناقمون فجعلوا المسألة من مواطن الخلاف ثم ذكروا قول مَن خالف مِنَ السَّلف لكان أقلّ في اللَّومة والعذل، وأما أن يذموا من قال بقول أكثر السلف بل هو إجماع عند جمع منهم فتلك عثرة لا تقال .وأمَّا هذه المسألة فقد جعلها التَّابعيُّ الجليل عبد الله بن شقيق إجماع الصَّحابة كما رواه التّرمذي عنه (٢٦٢٢) .وقال أيّوب السّختيانيّ: " ترك الصَّلاة كفر لا يختلف فيه " . (تعظيم قدر الصّلاة ٢/٩٢٥).
وحكى الإجماع عليه إسحاق بن راهويه أيضا، كما نقله عنه محمّد بن نصر في كتابه الجليل تعظيم قدر الصّلاة .(٢ / ٢٢٩)

وليس يخفى الخلاف الحادث في مسألة تكفير تارك الصَّلاة، وأمَّا القول بقتل تاركها، فهو قولُ جمهور الفقهاء من المتقدمين والمتأخرين، ونصَّ عليه الشَّافعيُّ في الأم. (١/٢٩١)
وهو مذهب المالكية . (القوانين لابن جزي ١٢ - مواهب الجليل ١/٥٢١) .

لكنهم قالوا: يُقتَلُ حَدًّا، بخلاف مذهب الحنابلة في المشهور عنهم أن قتله رِدَّة . ( الكافي لابن قدامة ١/ ١٧٨)

وهذا قول جماعات من العلماء، كالنّخعيّ وابن المبارك والطّيالسيّ وابن أبي شيبة وزهير بن حرب ومحمّد بن نصر، بل ذَكَرَ بعضُ العلماءِ أنَّ القولَ بإكفار تارك الصَّلاة هو مذهب أصحاب مالك، كما نقل ابن أبي زيد القيروانيّ في (النّوادر والزّيادات:

" قال ابن حبيب : وأمّا تارك الصّلاة إذا أمره الإمام بها فقال : لا أصلّي فَلْيُقْتَلْ ولا يؤخَّر إلى ما بينه وبين آخر وقتها، وهو بتركها كافر؛ تركها جاحدا أو مفرطًا أو مضيّعًا أو متهاونًا ".

(١٤/٥٣٧)
وكذا نقل المزنيُّ وجعله مذهب الشَّافعيِّ كما في مختصره، قال عن شيخه الشَّافعيِّ:
" قد جعل تارك الصَّلاة بلا عُذرٍ كتارِكِ الإيمان فله حُكمُهُ في قياس قوله؛ لأنَّه عنده مثله ولا ينتظر به ثلاثا " .
( مختصر المزني ٥٣ ) .
ومع هذا فلا شكَّ أنَّ جَمْعًا مِن أهل الحديث والسُّنَّة قد قالوا بعدم كُفر تاركِ الصَّلاة، ولهذا قال محمّد بن نصر المروزيّ بعد نقله لقول أكثر أهل الحديث القائلين بإكفار تارك الصَّلاة :

" وقد خالَفَتْهُم جماعةٌ أخرى من أصحاب الحديث فأبَوا أن يكفروا تارك الصّلاة، إلّا أن يتركَها جحودًا أو إباءً واستكبارًا واستنكافًا ومعاندةً فحينئذٍ يكفر"
(٢ / ٩٣٦)
فهذا بعض حال هذه المسألة، فأيُّ محلّ أراد الناقمون على ابن تيمية أن ينزلوا إذ فوّقوا نصال لائمتِهِم على مَن قال بقول جماهير السَّلَف -بل هو إجماع عند بعض العلماء-، وكيف يؤتَمَنُ على القلم مَن هذا صنيعُه، وذلك شأنه .

ومَن رأى هذا أيقَنَ أنَّ كثيرًا مِن خصومِ شيخِ الإسلامِ ابن تيمية لا يلوح في نقدهم للإنصاف لائحة، ولا للعدل رائحة، ولذا فإنَّكَ إن أكملت تلك المسائل الَّتي أثاروا بها الشَّنائع على شيخ الإسلام؛ رأيتها مِن جنس ما سبق، كاستحلال المحرَّمات، فمِمَّا نقلوه واستكبروه مِن كلامه رحمه الله: حكمه فيمن استحل أكل الحيَّات والعقارب، وأنه يستتاب من ذلك وإلا قتل، وهي مثال من مُسلّمة شرعيَّة ليس يخلو منها كتابٌ فقهيّ !

فإنَّ الفقهاء مجمعون على إكفار مَن استحلَّ محرَّمًا أو حرَّم حلالًا قطعِيًّا، وانظر في ذلك على نحو مختصر :
- كلام الطّبريّ في استحلال الفروج المحرّمة في (تهذيب الآثار ٥٧١ / ١) .
- ومن كُتُبِ الحنفيَّة انظر (البحر الرّائق - إكفار من اعتقد الحرام حلالا ١٧/٥) .
- ومن كُتُبِ المالكيَّة انظر (منح الجليل - في تكفير المستحلّ للمحرّم المعلوم من الدِّين كالخمر والزِّنا، أو أنكر حلّ البيع وأكل الثمار - ٩ / ٢١٠) .
- وفي كُتُبِ السَّادة الشَّافعيَّة انظر  (تحفة المحتاج - في استحلال ما تحريمه ضروريّ - ٣ / ٦) .
ومنه ما ذكره النّووي في (المنهاج - في تكفير من استحلَّ ترك القيام في الفريضة لغير عذر - ٦ / ١٤) .
- وفي ( المغني لابن قدامة فيمن استحلَّ الخمر، قال أحمد: يكفر - ٩ / ١٢ ) .
فما بالُ الأستاذِ جعل كُلَّ هذه التَّقريرات من كتُبِ علماءِ الإسلامِ دَبْر أُذُنَيه، ثمَّ راحَ ينعى على ابن تيمية موافقته لعلماء الأمَّة !
أما والله لقد شان نفسه مَن بلغَت به الخصومَةُ هذا المبلغ.

• ولربَّما قال قائل: فقد يكون الأستاذ الكاتب وأمثاله، أخطأوا فظنُّوا أنَّ هذه الأقوال ممَّا انفرد بها ابن تيمية، وسقط عنهم أنَّ هذه المسائل ممَّا اتَّفَقَت عليها الأمَّة أو كادت.

قلت: وأنا فربَّما يقع في نفسي مِن هذا شيءٌ؛ لولا أنِّي رأيتُهُم ينسبون له ما لم يقله مِن أصله !

كنقلهم عنه في مسألة المجاز في القرآن، فإنَّ مَن له أدنى اطِّلاع على كلام ابن تيمية في هذه المسألة يعلم أنَّه يحكي خلاف علماء الإسلام في المسألة خاصَّةً عند المتأخِّرين، وأمَّا النَّقل الَّذي نقلوه وزخرفوا أنَّه في مسألة إثبات المجاز في القرآن، فليس كما زخرفوا وموهوا، ولكنّ شيخ الإسلام كان يلزم من قال : بأنّ العموم إذا خصّص ولو بالاستثناء فهو مجاز، وأنّ قول: لا إله إلا الله مِنَ المجاز، فانظر دُلسة مَن جعَلَ الكلام في مسألة المجاز في القرآن، انظر ذلك في المجموع (٤٥٦/٢٠).
ومثله نقله في مسألة التَّوسُّل، فإنَّ النّاقم ذكر طرفها ثمَّ قطمر!
ولم يذكر الصُّورة الَّتي قال فيها ابن تيمية: "مَن أنكرها يُستتاب ".
وربَّما حمَلَهُ على ذلك عِلمُهُ أنَّ مسألة التَّوسُّل بالنَّبيِّ ﷺ هي المسألة الَّتي استطال بها الأشاعرة والصُّوفيَّة على ابن تيمية فكفَّروه، ويكأنَّ الأستاذ لم يرد أن ينبِّهَ المتابعَ له إلى حقيقةٍ يعرفها القارِئُ للحوادث الَّتي وقعَت لابن تيمية مِن خصومه، فإنَّ خصومَ شيخ الإسلام هم من ركب الصَّعب والذّلول لاستباحة دمه وتكفيره، كما قال ابن فضل الله العمري: "اجتمع عليه عصبُ الفقهاء والقضاة بمصر والشّام وحشدوا عليه خيلهم ورجلهم، فقطع الجميع وألزمهم الحجج الواضحات أيّ إلزام، فلمّا أفلسوا أخذوه بالجاه والحكّام" .

(المسالك ٦٩٨/٥)

ولـمّا دالَت على خصومِهِ الدَّولةُ وأراد الأمير أن يأخذَهُم لحنقِهِ عليهم قال له ابن تيمية: "هؤلاء لو ذهبوا لم تجد مثلهم في دولتك، أمّا أنا فهُم في حلٍّ مِن حقّي ومِن جهتي وسكنت ما عنده عليهم "

قال ابن عبد الهادي : فكان القاضي -زين الدّين ابن مخلوف قاضي المالكيّة- يقول بعد ذلك: ما رأينا أتقى من ابن تيمية، لم نبق ممكنًا في السَّعي فيه، ولمّا قدر علينا عفا عنّا"
(العقود الدّرية ٢٩٨)

- وأمّا هذه المسألة فليست تشكل على أحد، فإنّ ابن تيمية تحدَّث عن أنواع التَّوسُّل الَّتي أجمَعَ عليها المسلمون، وهو التَّوسُّل بالإيمان بالنَّبيِّ ﷺ وبدعاءِ النَّبيِّ ﷺ وشفاعَتِه، ثمَّ قال: "فمَن أنكَرَها فهو كافِر".
(المجموع ١ / ١٥٣).

أفيُنكِرُ الناقمون.. هذا الأمرَ مِن دينِ الله ؟
فإن كانوا ممَّن ينكِرُ ذلك فَلْيُبْدوا لنا قولَهم ولْيُشهِروا لنا رأيَهم، وسيبدرهم أصحابهم - المتصوّفة والأشاعرة - بالنَّكير والتَّكفير، وإن كانوا لا ينكِرُون ذلك وهم فيه موافقون لعامَّةِ المسلمين، فلماذا أداروا كلمات الغيظ والغلظة على ابن تيمية بذلك ؟

• لست أكتم القارئ أنّي أطفت بحساب ناشر المصورة، فعجِبتُ كيف أدرَكَهُ ذلك البغي على ابن تيمية ! فقد رأيته مناصرًا لقضايا المسلمين، تنطف كلماتُهُ بالعزَّة الإيمانيَّة والتَّكرُّه للطُّغاة وأعوانهم، فكيف - لمن يحمل مثل هذه النَّفس العزيزة بين جنبيه - أن لا تستدعيَ سيرةُ شيخ الإسلام منه تفكُّرًا وتأمُّلا !

وقد كان العهد بأصحاب هذه النُّفوس ممَّن تتبغَّضُ للظَّالمين وأذانبهم؛ أنَّها أكثر النَّاس مَيلًا لتفهُّمِ كلامِ ابن تيمية واختياراتِه وتقريراتِه لِـمَا يجدون في كلامه -رحمه الله- من الإباء الإيمانيّ مع طهرة النّقاء الأثريّ ..

والحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله.


وكتب:

محمد آل رميح

@mohdromih

• أوراق فقهية - ٣- : ( حكم الإطالة في الدعاء للإمام عند آية رحمة أو عذاب ) .

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
أما بعد :
     فقد ‏ثبت في صحيح مسلم: " أن النبي ﷺ كان يصلي من الليل إذا مر بآية فيها تسبيح سبح وإذا مر بآية سؤال سأل وإذا مر بتعوذ تعوذ " مسلم ( ح 773 ) .
- ونصّ جمع من أهل العلم أن المأموم يصنع ذلك كما يصنعه الإمام .
- ولا شك أن ذلك لم يكن من مشهور فعل النبي ﷺ في الفرائض .
- فإن اعترض بما صح عن عمر أنه صلى خلف ابن السائب فقرأ: " فورب السماء والأرض إنه لحق مثلما أنكم تنطقون " 
فقال عمر : وأنا أشهد وملأ صوته المسجد"
رواه أبو عبيد في ( فضائل القرآن 150 ).
وفعل عمر كان في فريضة الفجر .
- قيل : نعم فإن المستمع للقرآن قد يجد من الواردات ما لا يستطيع دفعه، وربما تحرك القلب من الخشوع بما يؤثر على اللسان والجوارح، وهذا فقد كان يسيرا نادرا، وأما وقوف الإمام عند آية رحمة أو آية عذاب وقطعه للقراءة مطيلا للتضرع والدعاء مع جهره بذلك، وربما أمّن من خلفه؛ فالظاهر أنه ليس من مقتضى الامتثال للحديث، بل هو توسع بما لم تأت ِهيئته في الشرع، ولا يصح أن يلحق ذلك الصنيع بالدعاء والتسبيح النبوي اليسير، فإن العادة الشرعية جارية باغتفار الأمر اليسير ما لا تغتفره في الأمر الطويل.
- هذا وقد تناقل الناس مقاطع صوتية للشيخ العابد أحمد الحواشي فيها شيء من هذا التطويل، والذي يظهر أن هذا ليس من تمام تطبيق تلك السُنة، ولكن الشيخ اجتهد ولعله أخطأ .
ومَن مثل الشيخ أحمد في عبادته وزهده وتألهه، فإن الشيخ أعجوبة من أعاجيب الزمان في التعبد والتنسك، وله أحوال ومقامات وأنواع من التأثيرات يعرفها من شامّه وجالسه، وحقه على إخوانه النصح والتذكير ، والعلم عند رب العالمين .
والحمد لله والصلاة والسلام على رسوله محمد .
• كتبه / محمد آل رميح .

من فقه أحاديث الفتن

 بسم الله الرحمن الرحيم



     ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : " بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً ويمسي الرجل مؤمناً ويصبح كافراً يبيع دينه بعرَض من الدنيا قليل " . 

•هذا حديث جليل عظيم اجتمع فيه :
- تصوير الفتنة 
- وذكر نتاجها 
- وبيان أعظم أسبابها 
- والتذكير بالمخرج منها

* فوصفها ﷺ بشدة الظلمة حتى صورها كقطع الليل، كأنها لا منفذ فيها، فهي مظلمة " متراﻛﻤﺔ ﻛﺘﺮاﻛﻢ ﻇﻼﻡ اﻟﻠﻴﻞ اﻟﻤﻈﻠﻢ" ( النووي في شرح مسلم 2/133 ) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " ووصفت بذلك لأنها بضد العلم الذي هو النور ".

* وذكر ﷺ نتيجة تلك الفتن في صورة تخلع القلوب، وتبين شدة تلك الفتن، وعظيم زحزحتها للقلوب عن الإيمان، ولئن كان أشنع ما يقع فيه التبديل هو الدين، فإن الشناعة تشتد حين يكون ذلك الافتتان والتحول في ساعات : " يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً ".

* ولقد نطق الحديث بسبب من أعظم أسباب الفتن، وأفتكها بالقلوب : " يبيع دينه بعرض من الدنيا" إنه استحباب الحياة الدنيا على الآخرة، والاطمئنان لها.
وأنت واجد لا محالة - إن تأملت - أن أكثر الشبهات التي حصدت أصحابها إنما جرّها وأخذ بعنقها حب الدنيا، والرضا بها .

* واستهل ﷺ الحديث فأمر المؤمنين بالأخذ بعروة النجا، وقطب السلامة " بادروا بالأعمال "، فأوصى بالاستعداد - قبل مور الفتن وموجها - بالتعبد، حتى إذا ما عصف عاصفها وضرب قاصفها كانت جذور شجرة الإيمان قد استمسكت بمدى القلب فلا تضره فتنة مادامت السموات والأرض .
                
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
                                                        

وكتب : محمد آل رميح

(الدكتور القرضاوي.. ومعضلة تعظيم الرجال)


     بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.. أما بعد :

فمَن عظَّمَ الكتابَ والسُّنَّة اقشعرَّ قلبُه مِن كُلِّ قولٍ يخالِفُ نصوصَ الوحي، ووجَدَ في قلبِه مِن أصحابها نفرة - لا يستطيع لها دفعاً - يثقل معها لسانه عن مدحهم والثّناء عليهم .

ولقد كان الشّيخ الدّكتور / يوسف القرضاوي؛ ممّن لان على قلبه ردّ صرائح النّصوص بأنواع التّأويلات غير هيّاب، وسهل عليه ليُّها عن مواضعها، حتّى إنَّك إن فحصتَ كثيراً من الأقوال التي تمضمضها المبطلون -اليوم- وجدت أنّ الدّكتور يوسف ممن نَقَب سدّ الشّريعة عنها.

• ولقد كان يكفي أنصاره وأحبابه أن يخرج منها كفافاً، يفرحون أن يلتمس له العذر، ويرجى له العفو، ويراجع ليتوب منها قبل مماته.

ولكن أن يذيعوا له المكارم وينشروا له المناقب ثم يُسكَت عن بواطيل ما كتَبَه ولم يرجع عنه، فتلك جنايةٌ علميَّةٌ توجِبُ توبةً واستغفاراً ورجوعًا إلى الله.

• ولستَ تحتاج إلى كثير بحثٍ وتفتيشٍ لتقبض على شذوذات الدّكتور في الأصول والفروع ومخالفته للنّصوص وإجماع السلف.

• لقد سعى الدّكتور جهدَهُ في كثيرٍ من كُتُبِه وندواته أن يفصمَ عروة البراءة مِن الكافر: فسمَّاهم إخوانًا لنا، حتّى زعَمَ جواز محبَّتهم، وسقوطَ الجزية وجوَّز تهنِئَتَهُم بأعيادهم، وتراه يقرِّرُ على طريقة -صحفية خارجة عن قانون العلم- أحكام الكفّار في الإسلام فيقول الدّكتور: "الإسلام ركّز على النّقاط المشتركة بيننا وبين النصارى"!.
ومِن عظيم الزُّور قول الدّكتور في قول الله تعالى: "لتجدَنَّ أشدَّ النَّاسِ عداوةً للَّذين ءامنوا اليهود..." : (أنَّ هذه خاصَّة بزمَنِ النَّبيِّ ﷺ)!.
ومَدحُهُ لنصارى مصر حتَّى قال: قدَّموا آلاف الشُّهداء.
ولكن ممّا يعرق له الجبين قوله: حين عزّى في كبير نصارى الأقباط بمصر "شنودة" حين قال في تعزيته: "نتمنّى لهم التّوفيق في اختيار بابا جديد !! ".
(طالع -على سبيل المثال- كتبه : فتاوى معاصرة 2/668، و2/671، غير المسلمين في المجتمع 68، برنامج الشريعة والحياة، في يوم 1997 / 12 / 7 ).

• وللدّكتور منهج اعتزاليّ في ردِّ النّصوص لما يراه مخالفًا للعقل بحسب ظنّه، كَرَدِّهِ لحديث:  "يوقف الموت كالكبش" وهو مخرَّجٌ في الصَّحيحين.
وقوله في حديث :" ما رأيت من ناقصات دينٍ وعقلٍ من إحداكُنَّ" قال: كان ذلك مزاحاً من النَّبيِّ ﷺ.
(انظر: كيف نتعامل مع السنة 97 - وهذا الكتاب شَحَنَه الدّكتور بالقواعد الفاسدة في ردِّ النّصوص على خلاف طريقة أهل العلم مِن سَلَف هذه الأمَّة).

• وأمّا موقِفُهُ من الاختلاط وفتح السُّدد بتسويغ مخالطة الرِّجال للنِّساء فهو مِن أشهر ما كان ينادي به منذ أكثر من أربعين عاماً كما ذكر هو في مواطن .
(انظر كتبه: أولويات الحركة الإسلامية 67، ملامح المجتمع المسلم 3 مركز المرأة 130 - 41).

• والدّكتور يوسف مِن أشهر القائلين في عصرنا بإباحة الغناء وكرَّرَ ذلك في كتبه (فتاوى معاصرة، والحلال والحرام)، لكنَّه زاد على الكِيلة فجاهر باستماعه لغناء المغنّيات. (ذكر ذلك في مواضع كمقابلته مع جريدة الراية القطرية ع 5969).

• ومِن أشنَع ما أتى به الشَّيخ يوسف رأيه في حدِّ الرَّجم، حيث جعله من العقوبات التَّعزيريَّة الَّتي قد تُعَطَّلُ بحسب ما يراه وليُّ الأمر.
(حاشيته على فتاوى الزرقا 394).

•  ومن شذوذ الدّكتور الفقهي: رأيه في نفي جهاد الطَّلَب، وجواز ولاية المرأة ولاية عامَّة، ومساواتها بالرَّجُل في الشَّهادة إن كانت من أهل البيع والشِّراء وتعطيل حَدِّ المرتدّ ما لم يحارب المجتمع، وجواز الانتساب للقوّات العسكريّة لبلاد الكفَّار، بل الغازية لبلاد المسلمين، إلى غيرها من المسائل التي تضيّف بها الدكتور مبوأ تحريف الكلم عن مواضعه .

• وأمَّا رأيه في مسائل الصِّفات وموقِفُه من فِرَقِ البِدَع وقوله في الدّيمقراطيّة؛ فلست أذكُرُه هنا لأنَّه قد يوجد في كلامِه مَخْلص من التَّأويل يحمل فيه كلامه محامل تزيل بعض المعرَّة عنه .

• هذا بعض ما قرَّره الدّكتور يوسف وأفتى به وأذاعه في عرض أربعين سنة مضت، كان له فيها - مع ذلك - تاريخ من التَّضحية والبلاء والبذل لمبادئه، والصَّدع ضدَّ بعض الطُّغاة بما ربَّما وسع له بسببها العذر عند بعض الفضلاء، فأعرضوا عن ذكر هذه الخبطات، وسكتوا عنها رعاية لأهل الدَّعوة والتَّضحيات .

ولكن صيانَة المنهج والدَّفع عن وجه السُّنَّة والذَّب عن الشَّرع ونفي  غرائب الأقوال والنَّهي عن منكراتِ الأقوال والآراء أحقُّ وأوثَقُ .
هذا مع أنَّه قد خاصمه قومٌ بغوا عليه وتجاوزوا؛ فتعطَّفت له قلوبُ كثيرٍ من الصَّالحين الَّذين يرفضون الظُّلم ويأبون البَغي، ونمط السَّلف الأوسط الرَّدُّ بِعلمٍ وعَدل .

والحمد لله، والصَّلاةُ والسَّلام على رسول الله .


وكتب:

محمد آل رميح

٤ / ١٠ / ١٤٣٧

@mohdromih


ويل لحزب الفرية الهمزة.



الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ..
أما بعد :
فمن المعلوم بالضرورة من فقه الدعوة؛ أن لا يزال أهل الإصلاح والعلم رميةَ غَرضٍ لأهل الشقاق والإفساد، يديرون أسماءهم على ألسنة حداد يبغونهم العنت .

ولقد عدّد ابن القيم حيل الشيطان وعوائقه فذكر آخر ما يعلقه الشيطان من أهل الإيمان فقال :" ﻟﻢ ﻳﺒﻖ ﻟﻬﻢ ﺇﻻ ﺣﻴﻠﺔ ﻭاﺣﺪﺓ، ﻭﻫﻲ ﺗﺴﻠﻴﻂ ﺃﻫﻞ اﻟﺒﺎﻃﻞ ﻭاﻟﺒﺪﻉ ﻭاﻟﻈﻠﻤﺔ ﻋﻠﻴﻪ ﻳﺆﺫﻭﻧﻪ، ﻭﻳﻨﻔﺮﻭﻥ اﻟﻨﺎﺱ ﻋﻨﻪ، ﻭﻳﻤﻨﻌﻮﻧﻬﻢ ﻣﻦ اﻻﻗﺘﺪاء ﺑﻪ؛ ﻟﻴﻔﻮﺗﻮا ﻋﻠﻴﻪ ﻣﺼﻠﺤﺔ اﻟﺪﻋﻮﺓ ﺇﻟﻰ اﻟﻠﻪ ﻭﻋﻠﻴﻬﻢ ﻣﺼﻠﺤﺔ اﻹﺟﺎﺑﺔ " .
( إعلام الموقعين 256/3) .

• وإن من حكمة هذا القضاء الكوني والأمر القدري أن يستخرج الله به من عبوديات المصلحين - ما لن يتم لولا افتراء المفترين على المتقين - فيستخرج به من عبودية الصبر على الأذى والتذلل لله لرد كيد البغاة، والرجوع للنفس لاستكمال الفضائل، وصرف القلب عن مدائح الخلق والتعلق بثناء الله ومدحته، وعظيم استقذار ذنب الافتراء واستقباحه - بعد أن وجد حرقته ولذعته - وغيرها من التعبدات .
• ومن تصدّر للدعوة وهداية الناس وجمع شعث الأمة؛ فلابد أن يعد للأذى تجفافاً من الصبر يقي به ظهره من طعنات الطاعنين، وهمزات الهُمزة المفترين، فلقد جرى قضاء الله الكوني أن يبتلي المتقين بالمفترين ، كما قال - جل شأنه - في تسلية نبيه محمد ﷺ بعد تهويمات قريش على الدعوة المحمدية، وتساؤلاتهم الباردة :" مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق " ..
فقال الله : " وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون " .


• وإذا ابتلي العبد المؤمن بجفاء أهل الأذى فمن الأدب الواجب عليه أن لا تحمله هجنة الزور أن يقع في الزور، ولا تأخذه خصومة الفجور أن يركب الفجور، فيردّ البغي بالبغي والكذب بالكذب ، بل يتجمل بالحلم والعفاف، ويضم لحييه عن الافتراء والبهتان، ويحذر أن تبدره الغضبات فينتقم لنفسه بغير حق .

• ثم لا يمنعه تحامق المفترين من قبول ما في طيّات كلامهم من الحق، فالحق نشيد المؤمن أينما وجده انتحله، وكثير من أهل الباطل يخلط باطله بنوع من الحق لتسوغه آذان السامعين، وصاحب التقوى يرعى أمر ربه، ويستجيب للحق لذات الحق، فيَسُل الحسن من القبيح، وينفض الكلام لينخل ما فيه من الباطل ويقبل ما فيه من الحق لا يبالي من أي وجه جاءه ، وفي ذلك معاملة لخصمه بنقيض قصده حين أراد شينه ! فيتزين بزينة الحق الذي في كلام خصمه ويفيد من نقده، ليكون له غنمه ولخصمه غرمه .
• ومن ابتلي ببهتان المفترين وتلبيسهم؛ فليس عليه من بأس أن يدفع قالة السوء عن نفسه ويستبرئ لها، وذلك لا ينافي العمل بمقتضى قول الله : " إن الله يدافع عن الذين ءامنوا " فإن هذا الوعد لا يحصر الدفع عن المؤمنين في القضاء الكوني القدري، ولا يدل على المنع من دفع المرء عن نفسه التهمة والفرية، فالدفاع الربّاني عن المؤمن قد يكون بالقضاء الكوني الذي يقدره الله ، وقد يكون بامتثال الأمر الشرعي بمدافعة أهل الباطل، وقد ثبت في الصحيحين من حديث اﻟﻨﻌﻤﺎﻥ ﺑﻦ ﺑﺸﻴﺮ قال : ﺳﻤﻌﺖ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﻳﻘﻮﻝ: " اﻟﺤﻼﻝ ﺑﻴﻦ، ﻭاﻟﺤﺮاﻡ ﺑﻴﻦ، ﻭﺑﻴﻨﻬﻤﺎ ﻣﺸﺒﻬﺎﺕ ﻻ ﻳﻌﻠﻤﻬﺎ ﻛﺜﻴﺮ ﻣﻦ اﻟﻨﺎﺱ، ﻓﻤﻦ اﺗﻘﻰ اﻟﻤﺸﺒﻬﺎﺕ اﺳﺘﺒﺮﺃ ﻟﺪﻳﻨﻪ ﻭﻋﺮﺿﻪ " .
قال ابن رجب في شرحه لهذا الحديث :" ﻭﻓﻴﻪ ﺩﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﻃﻠﺐ اﻟﺒﺮاءﺓ ﻟﻠﻌﺮﺽ ﻣﻤﺪﻭﺡ ﻛﻄﻠﺐ اﻟﺒﺮاءﺓ ﻟﻠﺪﻳﻦ " 
جامع العلوم والحكم 213 .

• وضميمة ذلك أن ينظر - من وقع عليه الأذى - في فعال عدوه الذي آذاه بالباطل، فإن رأى مصلحة شرعية في كشف سوءاته - التي نادته للافتراء على الخلق - فليبثبثها وينشرها ويهتك حجبها، فتستبين سبيل المفترين، وينكشف حالهم، وليس هذا من الاعتداء المذموم بل هو من العقوبة الشرعية التي نهجها القرآن، فحين قذف رأس المنافقين عبد الله بن أُبَي عرضَ النبي ﷺ، أنزل الله تعريضاً به - في السورة التي أنزل فيها براءة الصديقة رضي الله عنها - أنزل قوله :" ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا " 
وفي صحيح مسلم ﻋﻦ ﺟﺎﺑﺮ بن عبد الله :" ﺃﻥ ﺟﺎﺭﻳﺔ ﻟﻌﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﺃﺑﻲ اﺑﻦ ﺳﻠﻮﻝ ﻳﻘﺎﻝ ﻟﻬﺎ: ﻣﺴﻴﻜﺔ، ﻭﺃﺧﺮﻯ ﻳﻘﺎﻝ ﻟﻬﺎ: ﺃﻣﻴﻤﺔ ﻓﻜﺎﻥ ﻳﻜﺮﻫﻬﻤﺎ ﻋﻠﻰ اﻟﺰﻧﺎ، ﻓﺸﻜﺘﺎ ﺫﻟﻚ ﺇﻟﻰ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ ﻓﺄﻧﺰﻝ اﻟﻠﻪ: ( ﻭﻻ ﺗﻜﺮﻫﻮا ﻓﺘﻴﺎﺗﻜﻢ ﻋﻠﻰ اﻟﺒﻐﺎء ) " .
( صحيح مسلم 3029 )

فتأمل هذا المسلك القويم في الرد على أهل الافتراء والبغي، فإنه يكسر من سَوْرة بغيهم، ويرد من ظلمهم، لما يتخوفونه من تتبع الناس لزلاتهم بالحق حين تتبعوا عنت الخلق بالباطل .
وإني أبشرهم بقول النبي ﷺ : " ﺷﺮاﺭ ﻋﺒﺎﺩ اﻟﻠﻪ اﻟﻤﺸﺎؤﻭﻥ ﺑﺎﻟﻨﻤﻴﻤﺔ، اﻟﻤﻔﺮﻗﻮﻥ ﺑﻴﻦ اﻷﺣﺒﺔ، اﻟﺒﺎﻏﻮﻥ اﻟﺒﺮﺁء اﻟﻌﻨﺖ " .
( رواه البخاري في الأدب عن أسماء بنت السكن 323، ورواه أحمد في المسند عن ابن غنم 17998) .

• وينبغي للمصلح - حين يبلغه أذى الهمازين - أن لا يحتويه الحزن ويأخذ به فيشاغله عن مشروعه الإصلاحي، ولئن كان الحزن مما لا يد له في دفعه عن قلبه، إذ قد أحزن كلامُ المفترين سيدَ ولد آدم ﷺ ، فقال الله عن نبيه ﷺ :" قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون " .
ولكن ليحذر أن يفتنوه عن مشروع نهضة الأمة، فإنه إن تشاغل بهم حقق لهم بعض ما يريدون، وليس يغيظهم شيء كمعاودة المصلح لإصلاحه وإكمال بنائه، وليس عليه إلا أن يرقب كيف ستذوي زوابع باطلهم .

• وختاماً فلست أنعى في مقالتي هذه من عادته تتبع عورات المؤمنين والافتراء عليهم - فلكل امرئ من دهره ما تعودا - ، لكن جُمع ملامتي على بعض أهل الفضل ممن غرهم الهمّازون بزخرف القول، فأرخوا لهم آذانهم وأدنوا منهم رؤوسهم، ولقد بلوت هؤلاء ورأيت تقلبهم في الوعر والسهل ووقفت على عظيم تفريقهم لصفوف المؤمنين، وعدم تحريهم للورع في النقل، وشهدت من رواج باطلهم على بعض أهل الصلاح ممن صدقهم في دعاويهم، ولم يطالب بالبينات على ما قالوه، وهذا أول القصور في هيئة التلقي وأدب المتلقي، وهو ما لا يليق بأهل العلم والصلاح والتقوى، وربما رأيت بعضهم إذا دعي يلوي برأسه يأبى أن يتثبت أو أن يتحرى وهذا إثم على حياله، وربما زاد - فنغر الجرح - فأصبح ينقل ما سمعه مما لم يتثبته ، وأخذ يروي عن الهُمَزة همزهم وينقل عن أهل الباطل باطلهم و ( إن الله لا يصلح عمل المفسدين ) .

كتبه محمد آل رميح .
1437/7/29

تقرير مختصر عن كتاب : "نقض عثمان بن سعيد على المريسي"

     الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وسلم: أما بعد فهذا تقرير مختصر عن كتاب : " نقض عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله من التوحيد" وهو كتاب من أعظم كتب السلف رضوان الله عليهم، جمع فيه مؤلفه فأوعى، وأتى فيه بأنواع الحجج السمعية - من الكتاب والسنة - وثنّى ذلك بالحجج العقلية ، والردود اللغوية، فأثار النقع في معامع مصاولة المبتدعة، وهزّ لواء السنة في باح الجهاد باللسان، إذ قد ثبت في سنن أبي داود من حديث أنس مرفوعاً : " جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم" .
ولقد كان الناس في عصره في بُلَهنْية من العيش بالسنة، وصولة الشرع، والجيوش المحمدية ترعد بالتكبير من أقصى المغرب وجزيرة الأندلس، إلى ممالك الخطى والهند، في عز ومنعة وقيام بالحق وخضد للباطل، وكانت البدع مصرومة الرؤوس، مهدودة الأركان، إلا بسبب من الناس وحبل، فارتفعت شأواً بسلطان المأمون، وترعرعت بقضاة السوء، ولقي علماء السنة العنت، وشد عليهم الطاغي بالسماسم .
ثم مالبثت البدعة أن خبت وخمدت وأدبرت ولها ضراط، ورفع أهل السنة الرؤوس ، ولم يخفضوها يوماً من الدهر، ولكن المتجبر لايرعى ذمماً ولا يأوي على مسلم .

وكانت بدعة التجهم قد شرقت شرقة الموت بالسكاكين المحمدية، وظل الحال على علو للسنة وسفال للبدعة، حتى لبست بدعةُ التجهم لباساً آخر، وصيغت في صوغ ثانٍ !
فراجت على بعض الناس، فأشربتها قلوبهم ، وكان صائغها وصانعها - أبا الحسن الأشعري - وهو رجل تربى في حجر المعتزلة، ورضع لبان البدعة ، ثم اعتزل المعتزلة وقلاهم وعاداهم وأتى ببدعة بين البدعتين وقول له شطرين، فأراد نصر السنة والحق، ورد الباطل والضلال، لكنه غصّ بما أكل من موائد البدعة، وبقي منها بقية فقد كان زوج أمه إمام المعتزلة في عهده فتربى في كنفه ودرج في عشه .
وصنف أبو الحسن الأشعري في ذلك، وبقي عليه حتى بان له الحق بصحبة أهل الحديث من أتباع الإمام أحمد، وألف كتاب الإبانة فنصر فيه السنة في الجملة، وأوى إلى أهل الحديث والسنة .

ثم أتى بعده من انتحل بدعته الوسطى فبقي عليها، ونشرها وزاد عليها، ولا زالت يزيد شرها وينقص خيرها، كلما جاءت أمة من الأشاعرة زادوا على من سبقهم وأربوا، حتى أصبحتَ حين تقرأ في كتبهم ترى بدع الجهمية في ثوب آخر، فتأتي إلى قولهم وتأصيلهم فإذا هم إن خالفوا المعتزلة تضيفوا عند الجهمية، وإن خالفوا هؤلاء وهؤلاء ووافقوا السنة وضعوا لها من اللفظ ما يعيد الأمر إلى البدعة الأولى .
    ولهذا كان رد الإمام الدارمي على الجهمية رداً على الأشاعرة وزيادة، فإنك ترى فيه من أقوال الجهمية ماهو صريح مذهب الأشاعرة - كنفي أو تأويل الصفات الفعلية، ونفي العلو - وربما رأيت اختلافاً بين البدعتين في قالب اللفظ، ولكنك تجدها إلى مآل واحد، كما في مسألتي: " الكلام، والاسم والمسمى" .

وهنا تأتي أهمية هذا الكتاب، فإنه وإن كان رداً على الجهمية؛ إلا أن في طياته من الردود على أقوال الأشاعرة ما يثلج صدور المؤمنين، ولذا ترى تبغض الأشاعرة للإمام الدارمي وذمهم له ما ينبيك بما وراء ذلك .
ومما يزيد من جلال الكتاب؛ أنه ولد قبل بدعة الأشاعرة فهو أكبر سناً منها ! وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يسمي متأخري الأشاعرة بالجهمية الأشاعرة، وذلك لشدة ما بينهما من الشبه .
    وأما مؤلف الكتاب فإمام من أئمة السنة والأثر، بل هو من مقدميهم، فقد ولد سنة مائتين، وتلمذ على سادة الدنيا في عهده كأحمد بن حنبل وابن المديني وابن راهويه وابن أبي شيبة ووافق البخاري في كثير من شيوخه .
وكان فقيهاً محدثًا أديباً، أثنى عليه كبار علماء الدنيا، فقال عنه أبو زرعة : " ذاك رزق حسن التصنيف " .

وقال عنه يعقوب القراب : " ما رأى عثمان مثل نفسه ! " .
وكان ت رحمه الله - شديداً على أهل البدع، مغلظا عليهم، وهو صاحب حملة الاحتجاج على محمد بن كرام، وسبب طرده من هراة .
وللدارمي كتاب آخر في الرد على بدعة التجهم، وله كتاب المسند، وتوفي - رحمه الله سنة- ثمانين ومائتين .
ولقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية يثني على هذا الكتاب ويوصي به، فإنه قد جمع بين أمرين في نسيج واحد :

- فأتى بنقض أقوال بشر المريسي بالدلائل الشرعية، والحجج السمعية .
- وناقض بدعهم بالبرهان العقلي، وكانت كتب السنة في ذلك الوقت إنما تعتني بذكر الحجج الشرعية السمعية، إذ كان الناس في غالب أمرهم معظمين للسنة وقّافين عند حدودها .
ولكن هذا الإمام الجليل افترع هذه الطريقة في الرد على المبتدعة، فأتى لهم من جنس ما يموّهون، فكان يأتي بالدليل من الكتاب والسنة ثم يكر عليها بالغارة العقلية كما سأذكر بإذن الله .
     وهذا السفر المبارك طبع عدة طبعات، منها طبعة حامد الفقي وهي طبعة كثيرة الأخطاء، وفيها سقط وتقديم وتأخير، وطبع طبعة أخرى بتحقيق الدكتور رشيد الألمعي وهي رسالة علمية ( رسالة ماجستير ) ، وفيها قصور في توثيق النقل عن النسخ الخطية، مع ما أثقل حواشي الكتاب، وربما ألجأته أكاديمية البحث لشئ من ذلك، وطبع طبعة ثالثة بتحقيق الشيخ منصور السماري، وهي طبعة جيدة ولكنها ينقصها التنبيهات على بعض مسائل الكتاب ، وبيان صحة بعض الآثار والأحاديث وهي جيدة على كل حال، وطبع طبعة أخرى بتحقيق الشيخ القفيلي وفيها استدراك للمآخذ في الطبعات الماضية وهي جيدة أيضاً.


- والكتاب رد على بعض المتفقهة، حين صنع مؤلفا قرر فيه مذهب بشر المريسي وابن الثلجي، وصرح فيه بالنقل عنهما والرواية لهما، فجعل الإمام الدارمي رده على بشر رأساً، وكان ينقل من الكتاب مواضع كثيرة : يأتي للمسألة فيذكر الشبهة ثم يمحص القول ويبينه ويجلي السنة، ويروي بسنده من الأحاديث والآثار ما يزيف شبه الجهمي، ويرد عليه ما يورده من الآثار المعلولة، ويبين أخطاء الاستدلال لديه وأوجه الوهم .

وربما كانت تعتريه حدّة في البحث والتقرير، فيشتد على خصمه حتى يأتي بالتسفيه لقول المبتدع ما يضحكك أحيانا -كقوله: " هذا الذي لا يدري ما يخرج من رأسه " أو " هذا الذي أتى بمعنى ليس في العربية ولا في الفارسية " أو " انظر إلى هذا القول الذي لا يقوله الصبيان " ! .
    واستهل المصنف كتابه بذكر سوءة بشر وذم السلف له، ورد على من موّه على الناس وزخرف لهم، بأن بشراً من أهل الأقوال المعتبرة والرواية والدراية .
ونبه على كلمة خطيرة لايزال أهل الضلال يرددونها حتى يومنا هذا، ويجعلون منها مثابة تهوين للبدعة، ( وهو إيهام الناس أن الخلاف في هذي المسائل خلاف معتبر، من جنس غيره من الخلاف بين علماء أمة الإسلام )، فبين الحافظ الدارمي أن هذا تزوير وخيانة علمية، وأن خلاف الجهمية لعلماء الإسلام خارج عن قانون خلاف أهل الإسلام .
- ثم صدر الكتاب بمسألة خلق الأسماء، وقرر مذهب السنة فيها، وأن أسماء الله ليست مخلوقة، وأن الله لم يزل متصفاً بصفات وله الأسماء لم يحدث له ما لم يكن، والأشاعرة وإن لم يقولوا بقول الجهمية في هذه المسألة؛ إلا أن مآل القول إليه، وهي من جنس اختلاف قول الجهمية في خلق القرآن مع قول الأشاعرة في الكلام النفسي، فيجعلون ألفاظ أسماء الله مخلوقة ويسمونها - التسميات - فعاد قولهم كقول الجهمية القائلين بأن أسماء الله مخلوقة .
- ثم رد على الجهمي في صفات الله الفعلية كالسمع والبصر، ورد على بشر في نفي رؤية الله، وكسر شبهته في نفي الرؤية حين قال : أن النصوص التي تثبت رؤية الله مقصودها رؤية أفعاله وآياته ! وتعجب من هذا التأويل، الذي هو من جنس حجج الصبيان، فإن أفعاله وآياته مرئية في الدنيا للمؤمن والكافر، فما معنى تأقيتها بيوم القيامة .
- ثم ذكر أحاديث النزول ورد تأويل الجهمي لها، وأتى بقول علماء السلف، وهنا مدرك عظيم يجب التنبه له:  وهو أن الأشاعرة وافقوا الجهمية حذو القذة بالقذة في هذه القضية، فرد الإمام تأويلهم له بأنه نزول الرحمة والأجر، بأن رحمة الله وأجره وفضله ليس له اختصاص بثلث الليل، وزيّف ما نقل عن بعض السلف في تأويل ذلك وبين بطلانه عنهم، ونقل مذهب السلف فيه .
- ومن اللطائف أنه نقل عن الجهمية لمزهم لأهل الحديث بالتجسيم، وهو عين ما تلمز به الأشاعرة أهل الحديث أيضاً، فلا أدري كيف يتبرأ الأشعري من مذهب التجهم وهو يحرث حرثه ويبذر بذره .
- وتمم الكلام في العرش والحد والمباينة واليدين والعينين والإتيان والكلام والغضب والرضا وغيرها من الصفات .


• وقد نبّه الحافظ - رحمه الله - إلى قواعد عظيمة منها:
- أن هؤلاء المبتدعة هربوا من تشبيه الله بالمخلوقات - بزعمهم - فشبهوه بالمعدومات ، وهذه قضية مما ينبه عليها شيخ الإسلام في مواضع ويشنع بها على النفاة .
- ومنها : أن تأويل الكلام إنما يكون على معهود لغة العرب ولسانهم، ولذا فإنك ستجد أن  كثيرا من المبتدعة إنما أُتوا من جهة جهلهم بلغة الوحي .
- ومن القضايا التي لا تخطأها عين الناظر في هذا السفر المبارك؛ أنه يورد الشبهة من كلام الجهمية باستدلال قرآني يظنه البدعي ناصراً لبدعته، فيبين الحافظ جهة الفساد في فهمه للقرآن ويورد نظائر ذلك من القرآن، ويبين وجه الخلل في استدلال البدعي لبدعته .


*  وأود أن أختم بنقلين جليلين تكون خاتمة هذا التطواف اخترتهما للطافتهما :


• قال رحمه الله - في معرض الرد على بشر حين نفى صفة اليدين - : " أنا ما عرفنا لآدم من ذريته ابناً أعق منه إذ ينفي عنه أفضل فضائله، وأشرف مناقبه، أن خلقه الله بيده، فقال اليد هي القدرة " .


• وقال رحمه الله : "وما أحسب هذا المريسي إلا هو على يقين من نفسه أنها تأويل وضلال، ودعوى محال، غير أنه مكذب الأصل، متلطف لتكذيبه بمحال" .


هذا وقد رأيت أني مع طول ما كتبت؛ قد قصرت عن بلوغ مرادي في وصف الكتاب، ولكن هلم أخي المبارك واكرع من الكتاب كرع الظمئ، ولا تنسني من دعوة مباركة .

وكتبه محمد آل رميح.

موافقة المشركين أنواع وتقاسيم

 دلت النصوص الشرعية أن جنس مخالفة المشركين مقصود للشارع في الجملة، ولكن دلت النصوص أيضاً أن موافقة المشركين لها أنواع وتقاسيم وليست على وزن واحد في الحكم والوصف، بل لها رتب تتدرج فيه.. ولهذا قلت: جنس مخالفة المشركين، ولم أقل مخالفة المشركين. والفرق واضح بينهما والواجب على أهل الفضل تأمل تلك الرتب، وتفريق أحكامها بافتراق صورها.

 

فمن الموافقة ما تكون كفراً و ردة-عياذاً بالله-ومنها ما تكون معصية ومنها ما دون ذلك حتى تكون خلاف الأولى والأفضل.. بل إن من موافقة المشركين ما هو مباح سائغ.. كما سيأتي بيانه.

فموافقة المشركين على أمر كفري كفر على حياله وأُعطي لقب"الموافقة" لبيان الحال وكشفه. وهذه الموافقة للكفار على أمر دينهم لها صور، كموافقتهم بإظهار الغبطة بدينهم ومشاركتهم في تعبداتهم وما هو من جنس ذلك. وكلام أهل العلم في نقض الإسلام بالموافقة هو في هذا الباب، ويدل على ذلك إجماعهم على عدم التكفير بأنواع أخرى من الموافقة.. ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين:"خالفوا المشركين ووفروا اللحى" فإن حلقها من موافقة المشركين بدلالة الحديث وهو ليس كفراً بلا إشكال.

ومن ذلك حرمة الشطرنج بلا تكفير لصاحبها بالإجماع، وهي ملهاة وردت من الكفار، وفيها من اصطلاحاتهم وقوانينهم ما ليس له عِلْق بدينهم ولم تكن الموافقة في هذه الهزالة من وجوه الردة. ومن ذلك الصلاة في وقت النهي، فقد دلت النصوص في الصحيحين وغيرهما على حرمة ذلك وعلل النبي ﷺ ذلك بالمنع من موافقة المشركين في توقيت صلاتهم، وهو ليس كفراً بلا خلاف وهذا واضح بين.

ومن موافقة المشركين ما هو دون ذلك كما ثبت في الصحيحين:"إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم". والصبغ ليس واجباً عند جماهير السلف، مع دلالة الحديث على أن عدم الصبغ موافقة 

ومن ذلك ما ثبت في السنن:"خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم" وهو سنة بالإجماع؛ بل إن النبيﷺ"كان يصلي حافياً ومنتعلاً"كما في السنن 

ومن الموافقة التي وقعت للكفار في أمر دنيوي لا تعلق فيه بأمر دينهم، ما ثبت من تدوين عمر للدواوين، وهي طريقة فارسية ولفظ فارسي ولم تكن هذه الموافقة المجردة مما يذم به صاحبه.. وأصرح من ذلك، أن النبي وصحابته تعاملوا بسكة الكفار في دنانيرهم ودراهمهم، وعليها صور ملوكهم ولم تكن هذه الموافقة في السكة والوزن والمعيار النقدي من الموافقة المحرمة مع وجود الصورة المحرمة، ولكن لما عسر وتعذر سك نقود في أول تاريخ المسلمين، تسومح في ذلك ولم تثقل فيه العبارة. بل من جليل ذلك أن النبيﷺحين ورد عليه رسل مسيلمة وهم مرتدون قال:"لولا أن البُرد لا تقتل لقتلتكما"كما في السنن.

فلما كان للمسلمين مصلحة في عدم قتل الرسل، حتى يأمن المسلمون أيضاً على رسلهم، ترك النبي ﷺ إقامة حد الردة 

تركاً جزئياً؛ وفيه موافقة للعرف الحربي الجاري في تلك الأيام. ومن ذلك ما ثبت في الصحيح من محو النبيﷺ"لاسم الرحمن الرحيم"من وثيقة الصلح مع ووافقهم على ترك ذلك، ولم تكن موافقة ممنوعة لأنه لم يكتب باطلاً، ولكنه كتب"باسمك اللهم".. وترك الاسم الأفضل والأكمل.

ومن ذلك ما روى القاسم بن سلام في كتاب الأموال"أن نصارى تغلب أنفوا من اسم الجزية لما أراد عمر أن يضربها عليهم؛ وقالوا: نحن قوم من العرب لا نعطيها جزية، فصالحهم عمر فأضعف عليهم الصدقة"وحكاه ابن قدامة إجماع الصحابة.

فلو تأملت صنيع عمر وكيف ترك اسم الجزية تركاً جزئي وإن من الأمور التي أنكرناها وتعجبنا منها تلك الألفاظ المجملة التي استعملها بعض المجاهدين في مواثيقهم، لما فيها من موافقة مشكلة موافقة لنصارى تغلب، وحذار من بأسهم بمعاونة الكفار لو خرجوا من بلاد المسلمين، لرأيت أن ذلك على منوال الشرع، وليس فيه نقض للديانة للكفار، ومع هذا فإن مثل هذه الموافقة ليست كما قد يظن بعض الأفاضل بأن يبلغ بها نقض الإسلام وحل عقدته..

 

ولو فحصت مثلاً لفظاً كلفظ القانون وما له من إطلاق عرفي معاصر، مقابل في أحيان كثيرة للشرع؛ لقلت: إن في هذا اللفظ موافقة للكفار، وقد يرد مخالفك فيقول:ولكنه لفظ معلوم المعنى في هذا العصر بمعنى النظام والضبط، وهو قريب من استعمال علماء الإسلام له.. كما جاء استعماله عند فقهاء الأمة وعلمائها كابن العربي وابن حزم بمعنى القاعدة المطردة والأمر الكلي، وسمى الإمام ابن جزي كتابه الفقهي ب(كتاب القوانين الفقهية)، وسمى الماوردي كتابه ب(قانون الوزارة) .

فمع تحفظي الشديد على مثل هذه الألفاظ في هذا الوقت؛ لما يلابسها من عهد ذهني عند إطلاقها، ولكن الأشد أن تجعل بمجردها مناطات تكفير للمسلمين ولا يصح أن يجعل الترك وعدم التصريح في مثل هذا من مناطات الكفر.. وهو عين ما أنكره ابن عباس على الخوارج كما ثبت عند البيهقي:"أن الخوارج قالوا لعلي بن أبي طالب حين محى اسمه من إمرة المؤمنين في الصلح..قالوا: محوت اسمك من إمرة المؤمنين فأنت أمير الكافرين! 

فناظرهم ابن عباس بفعل النبيﷺفي الحديبية" فانظر كيف جعل الخوارج ترك بعض الأسماء الشرعية مناطاً للتكفير. وما قد يذكره بعض الفضلاء من أن للسياق دلالاته وللحال أماراته؛ فهذا أمر لا يكون في باب من أعظم الأبواب وأخطرها باب التكفير، لاسيما أن كاتب تلك الألفاظ يتبرأ من غير حكم الشريعة ويعلن في حاله وفعاله انقياده لحكاكميتها..

 

كتبت هذه الكلمات تعقيباً على بعض الفضلاء ومثلي لا يتعقب مثله، والله المستعان.

محمد آل رميح

@mohdromih


أحبولة التحريش


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله..
وبعد
فإن في رصَد الشيطان للإنسان عجائب يمده بها تاريخه وتجربته الطويلة الإغواء والإضلال والتزيين.
تراه يغريه بتفاريق من السبل؛ يطّلع عليه حيناً بسبيل شهوة حسية، وحيناً يطرق عليه باب شبهة قلبية، وثالثة يلِج عليه من طريق الحق والسنة والغيرة الدينية!
إي وربي من طريق الغيرة الدينية !

فيُخاتله بأمر من دين الله ليُهَدئ من نِفاره!
حتى يَسْكُن .. ثم يقذف به في أحبولته.

فإن مِن الناس مَن لو أريد على دينه لحملقت عيناه غضباً!
لكنه ذو غفلة عن خدع الشيطان وأحابيله، يلقي إلى الشيطان مقادة رأسه دون أن يشعر..
يُسَكّنه الشيطان ويضرب على ظهره يطمئنه.. ويمد له من المكر مداً، حتى يوقعه في خَفضةٍ من السوء..
وإن من تعاجيب تلك الحيل ما يُلبسه على بعض أهل الديانة في لبوس الانتصار للحق والغيرة على الشريعة..
فتراه هناك وقد صارم إخوانه، وَوَتّر لهم قوس العداوة، وصعّر لهم خده، وفلق لهم الحنظلة..
حتى إذا كشفت عن سبب المصارمة وعلة القطيعة؛ ألفيته في أمر اجتهادي لا قطع فيه ولا جزم، بل ستجده مما ساغ فيه اختلاف المصلين..
وكم هنا من مصارع للأُخُوة ..
وقف على أطلالها الشيطان يفرك كفيه فرحاً بما نال.. !

لقد كشف شيخ الإسلام ابن تيمية ستراً رقيقاً عن وجه الفُرقة، وسفر عن علامتها، ومحلها من الدين.

فقال رحمه الله:
"ﻭﻛﻞ ﻣﺎ ﺃﻭﺟﺐ ﻓﺘﻨﺔً ﻭفرقةً ﻓﻠﻴﺲ ﻣﻦ اﻟﺪﻳﻦ! -ﺳﻮاء ﻛﺎﻥ ﻗﻮﻻً أﻭ ﻓﻌﻼً- ..
ﻭﻟﻜﻦ اﻟﻤﺼﻴﺐ اﻟﻌﺎﺩﻝ ﻋﻠﻴﻪ ﺃﻥ ﻳﺼﺒﺮ ﻋﻦ اﻟﻔﺘﻨﺔ، ﻭﻳﺼﺒﺮ ﻋﻠﻰ ﺟﻬﻞ اﻟﺠﻬﻮﻝ ﻭظلمه ﺇﻥ ﻛﺎﻥ ﻏﻴﺮ ﻣﺘﺄﻭﻝ، ﻭﺃﻣﺎ ﺇﻥ ﻛﺎﻥ ﺫاﻙ ﺃﻳﻀﺎً ﻣﺘﺄﻭﻻً ﻓﺨﻄﺆﻩ ﻣﻐﻔﻮﺭ ﻟﻪ !
ﻭﻫﻮ ﻓﻴﻤﺎ ﻳﺼﻴﺐ ﺑﻪ ﻣﻦ ﺃﺫﻯ ﺑﻘﻮﻟﻪ ﺃﻭ ﻓﻌﻠﻪ ﻟﻪ ﺃﺟﺮ ﻋﻠﻰ اﺟﺘﻬﺎﺩﻩ، ﻭﺧﻄﺆﻩ ﻣﻐﻔﻮﺭ ﻟﻪ!..".
(الاستقامة 38 / 1).
رحمك الله يا أبا العباس..
عد معي - نتحسس كلمات شيخ الإسلام- وننظر إليها قائمةً وقاعدةً..
ستراه يؤكد مرة بعد أخرى على شأن الأخوة الإيمانية، ويُذَكّر بإعذار المخالفين، ويحفل بترطيب القلوب على المؤمنين.

تأمل قوله حين ذكر ظلم الظلوم وجهله ثم تدارك فقال:
"وأما إن كان ذاك أيضاً متأولاً؛ فخطؤه مغفور له وهو فيما يصيب به من أذى ..".
يا لله .. يظلم ويجهل ويؤذي ومع هذا -يَدُق شيخ الإسلام لنا السيف على المنبر، ويُذكرنا بأخوة أهل الإيمان وإن بغوا! .
إن للأخوة الإيمانية ندى إن نزل بالقلب ولامسه.. لان القلب للمؤمنين، وتلمس موجبات العفو عنهم، وتطلب لهم أسباب المغفرة..

هل تريد أن ترخي بأذنك لتسمع صدى ذلك -مرة أخرى- وأن تشهده من كلام ابن تيمية، وهو يتحدث عن قومٍ قد ركبوا بدعة من البدع فابتلوا بسماع الصوفية ورقصهم..
يقول عنهم شيخ الإسلام:
"ﻭاﻟﺬﻳﻦ ﺷﻬﺪﻭا ﻫﺬا اﻟﻠﻐﻮ ﻣﺘﺄﻭﻟﻴﻦ ﻣﻦ ﺃﻫﻞ اﻟﺼﺪﻕ ﻭاﻹﺧﻼﺹ ﻭاﻟﺼﻼﺡ؛ ﻏﻤﺮﺕ ﺣﺴﻨﺎﺗﻬﻢ ﻣﺎ ﻛﺎﻥ ﻟﻬﻢ ﻓﻴﻪ ﻭﻓﻲ ﻏﻴﺮﻩ ﻣﻦ اﻟﺴﻴﺌﺎﺕ ﺃﻭ اﻟﺨﻄﺄ..".
(الاستقامة 297 / 1)

لاجرم .. أن هناك من سيزعم أنه مستمسك بعروة منهج السلف وطرقتهم في التعامل مع أهل البدع..
وسيجعل من شبر خلافه ميلاً..
وسيدّعي أن سبيل خصومته مع مخالفيه سبيل الاختلاف في أصول الملة وجذر المنهج..
فهب أن خلافك مع خصومك كما ذكرت، وأنها خصومة دينية في مسألة أصولية عقدية..

أين أنت من أئمة الدين الكبار؟
في حكمة خلافهم وتقديرهم لقدره..

"كان عبد الرحمن بن صالح الأزدي يغشى مجلسَ أحمد بن حنبل وكان يترفض، فقيل له في ذلك..
فقال:سبحان الله!
رجل أحب قوماً من أهل بيت النبي ﷺ نقول له لا تحبهم هو ثقة".
(تاريخ بغداد 261/10).

واستمع قصةً لأحمد بن حنبل مع عالم كان ينتحل الإرجاء، كيف عامله ولاطفه حتى أقبل على السنة ونصرها..
كان موسى بن حزام شيخ البخاري من العلماء الذين عثرت بهم أقدامه في نحلة الإرجاء، فأعانه الله بأحمد حتى رجع إلى السنة والذب عنها.( تهذيب التهذيب 341/10 ).
ولا أزال أجد برد هذا الموقف على فؤادي، وألمس أثره على قلبي.
أحمد المتصلب في دين الله، الذي شمخ في الفتنة المأمونية وما بعدها، ولم يتزلزل ولم يتنازل..
أحمد الذي هجر بعض أئمة السنة حين أجابوا في المحنة..
وله الكلمات المشتهرات في الإغلاظ على أهل الرأي التاركين للأثر..
ما باله يرخي جناحه لذلك المرجئ؟ ويرفق به؟

إنه باب من أبواب الحكمة في التعامل مع المخالف، وضرب من أنواع طرق الدعوة للسنة، يلين تارة ويصلب تارة، ويرعى في كل مرة جناب نصرة الشرع وإحياء السنة.

أفي غفلة نحن عن مواقف شيخ الإسلام ابن تيمية، من لا يكاد يُسبق في كثرة ما كتب ورد ونقض من مقالات المبتدعة ..
تراه يَعْبر هذا الباب وهو يرمق مصلحتين اثنتين لا يجاوزهما إلا مِعْور!
- لقد كان -رحمه الله- يبني سياج السنة ويليْط حياضها للواردين صفواً لا كدر فيه.. ثم لا ينسى بسط العذر لمن عثرت به قدمه أو تأول أو أراد أمراً ولم يبلغه.
ودعني -أيها القارئ الكريم- أقف على حرف من حروف الشيخ وهو يمضي يأخذ بأيدينا لتلمس هذا النهج..

يقول:
"ﻓﻤﻦ ﻧﺪﺏ ﺇﻟﻰ ﺷﻲء ﻳﺘﻘﺮﺏ ﺑﻪ ﺇﻟﻰ اﻟﻠﻪ، ﺃﻭ ﺃﻭﺟﺒﻪ ﺑﻘﻮﻟﻪ ﺃﻭ ﺑﻔﻌﻠﻪ ﻣﻦ ﻏﻴﺮ ﺃﻥ ﻳﺸﺮﻋﻪ اﻟﻠﻪ ﻓﻘﺪ ﺷﺮﻉ ﻣﻦ اﻟﺪﻳﻦ ﻣﺎ ﻟﻢ ﻳﺄﺫﻥ ﺑﻪ اﻟﻠﻪ، ﻭﻣﻦ اﺗﺒﻌﻪ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﻓﻘﺪ اﺗﺨﺬﻩ ﺷﺮﻳﻜﺎ ﻟﻠﻪ ﺷﺮﻉ ﻟﻪ ﻣﻦ اﻟﺪﻳﻦ ﻣﺎ ﻟﻢ ﻳﺄﺫﻥ ﺑﻪ اﻟﻠﻪ!"
تأمل هذا الهدم لبناء البدعة، والتشنيع على أهل الانحراف..
ولكن هل انتهى به القول هنا ؟
كلا..
- لقد أراد شيخ الإسلام أن يبين لنا مع ما سلف، أن معاملة المخالف باب آخر، فقد يجتهد بعضهم لنيل السنة ثم لا يصلها، وربما سعى لتناول العروة فلا تستمسك في يده..

فيكمل شيخ الإسلام ويقول:
"ﻧﻌﻢ ! ﻗﺪ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﺘﺄﻭﻻً ﻓﻲ ﻫﺬا اﻟﺸﺮﻉ ﻓﻴﻐﻔﺮ ﻟﻪ ﻷﺟﻞ ﺗﺄﻭﻳﻠﻪ، ﺇﺫا ﻛﺎﻥ ﻣﺠﺘﻬﺪاً اﻻﺟﺘﻬﺎﺩ اﻟﺬﻱ ﻳﻌﻔﻰ ﻓﻴﻪ ﻋﻦ اﻟﻤﺨﻄﺊ ﻭﻳﺜﺎﺏ ﺃﻳﻀﺎ ﻋﻠﻰ اﺟﺘﻬﺎﺩﻩ"..
يا لله.. رحمك الله يا أبا العباس..

ثم يعود شيخ الإسلام ليحوط بناء السنة فيقول بعد ذلك:
"ﻟﻜﻦ ﻻ ﻳﺠﻮﺯ اﺗﺒﺎﻋﻪ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﻛﻤﺎ ﻻ ﻳﺠﻮﺯ اﺗﺒﺎﻉ ﺳﺎﺋﺮ ﻣﻦ ﻗﺎﻝ ﺃﻭ ﻋﻤﻞ ﻗﻮﻻً ﺃﻭ ﻋﻤﻼً ﻗﺪ ﻋُﻠﻢ اﻟﺼﻮاﺏ ﻓﻲ ﺧﻼﻓﻪ، ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻥ اﻟﻘﺎﺋﻞ ﺃﻭ اﻟﻔﺎﻋﻞ ﻣﺄﺟﻮﺭاً ﺃﻭ ﻣﻌﺬﻭﺭاً ".
(اقتضاء الصراط 82/2)
وأما مواقف ابن تيمية مع خصومه وإعذارهم والتأول لهم فهي منك على طرف الثُمام؛ ليست تحتاج إلى نقب وبحث!.

انظر موقفه ممن آذوه وسجنوه وأفتى بعضهم بقتله، فلما عاد الملك الناصر للسلطنة، أتى بالشيخ إلى القاهرة، واحتفى به في مجلسه وأكرمه واختلى به في شرفة من الشرف، ونقل تلميذه ابن كثير تلك الواقعة فقال:"ﻭﺳﻤﻌﺖ اﻟﺸﻴﺦ ﺗﻘﻲ اﻟﺪﻳﻦ ﻳﺬﻛﺮ ﻣﺎ ﻛﺎﻥ ﺑﻴﻨﻪ ﻭﺑﻴﻦ اﻟﺴﻠﻄﺎﻥ ﻣﻦ اﻟﻜﻼﻡ ﻟﻤﺎ اﻧﻔﺮﺩا ﻓﻲ ﺫﻟﻚ اﻟﺸﺒﺎﻙ اﻟﺬﻱ ﺟﺎﻟﺴﺎ ﻓﻴﻪ، ﻭﺃﻥ اﻟﺴﻠﻄﺎﻥ اﺳﺘﻔﺘﻰ اﻟﺸﻴﺦ ﻓﻲ ﻗﺘﻞ ﺑﻌﺾ اﻟﻘﻀﺎﺓ ﺑﺴﺒﺐ ﻣﺎ ﻛﺎﻧﻮا ﺗﻜﻠﻤﻮا ﻓﻴﻪ، ﻭﺃﺧﺮﺝ ﻟﻪ ﻓﺘﺎﻭﻯ ﺑﻌﻀﻬﻢ ﻋﺰﻟﻪ ﻣﻦ اﻟﻤﻠﻚ ﻭﻣﺒﺎﻳﻌﺔ اﻟﺠﺎﺷﻨﻜﻴﺮ، ﻭﺃﻧﻬﻢ ﻗﺎﻣﻮا ﻋﻠﻴﻚ ﻭﺁﺫﻭﻙ ﺃﻧﺖ ﺃﻳﻀﺎ، ﻭﺃﺧﺬ ﻳﺤﺜﻪ ﺑﺬﻟﻚ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﻳﻔﺘﻴﻪ ﻓﻲ ﻗﺘﻞ ﺑﻌﻀﻬﻢ، ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﺣﻨﻘﻪ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺑﺴﺒﺐ ﻣﺎ ﻛﺎﻧﻮا ﺳﻌﻮا ﻓﻴﻪ ﻣﻦ ﻋﺰﻟﻪ ﻭﻣﺒﺎﻳﻌﺔ اﻟﺠﺎﺷﻨﻜﻴﺮ، ﻓﻔﻬﻢ اﻟﺸﻴﺦ ﻣﺮاﺩ اﻟﺴﻠﻄﺎﻥ!
ﻓﺄﺧﺬ ﻓﻲ ﺗﻌﻈﻴﻢ اﻟﻘﻀﺎﺓ ﻭاﻟﻌﻠﻤﺎء، ﻭﻳﻨﻜﺮ ﺃﻥ ﻳﻨﺎﻝ ﺃﺣﺪا ﻣﻨﻬﻢ ﺑﺴﻮء..
ﻭﻗﺎﻝ ﻟﻪ:
ﺇﺫا ﻗﺘﻠﺖ ﻫﺆﻻء ﻻ ﺗﺠﺪ ﺑﻌﺪﻫﻢ ﻣﺜﻠﻬﻢ!
ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪ: ﺇﻧﻬﻢ ﻗﺪ ﺁﺫﻭﻙ ﻭﺃﺭاﺩﻭا ﻗﺘﻠﻚ ﻣﺮاﺭاً، ﻓﻘﺎﻝ اﻟﺸﻴﺦ: ﻣﻦ ﺁﺫاﻧﻲ ﻓﻬﻮ ﻓﻲ ﺣﻞ، ﻭﻣﻦ ﺁﺫﻯ اﻟﻠﻪ ﻭﺭﺳﻮﻟﻪ ﻓﺎﻟﻠﻪ ﻳﻨﺘﻘﻢ ﻣﻨﻪ، ﻭﺃﻧﺎ ﻻ ﺃﻧﺘﺼﺮ ﻟﻨﻔﺴﻲ، ﻭﻣﺎ ﺯاﻝ ﺑﻪ ﺣﺘﻰ ﺣﻠﻢ ﻋﻨﻬﻢ اﻟﺴﻠﻄﺎﻥ ﻭﺻﻔﺢ.
ﻗﺎﻝ ﻭﻛﺎﻥ ﻗﺎﺿﻲ اﻟﻤﺎﻟﻜﻴﺔ اﺑﻦ ﻣﺨﻠﻮﻑ ﻳﻘﻮﻝ: ﻣﺎ ﺭﺃﻳﻨﺎ ﻣﺜﻞ اﺑﻦ ﺗﻴﻤﻴﺔ ﺣﺮﺿﻨﺎ ﻋﻠﻴﻪ ﻓﻠﻢ ﻧﻘﺪﺭ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﻗﺪﺭ ﻋﻠﻴﻨﺎ ﻓﺼﻔﺢ ﻋﻨﺎ ﻭﺣﺎﺟﺞ ﻋﻨﺎ".
(البداية والنهاية 61 /14)

بل أبلغ من ذلك أنه كان يمنع أصحابه من الانتقام ولو بالدعاء على من آذاه..
فحين ادُعي على الشيخ:"وطلب المدعي تعزيره التعزير البليغ -يشير إلى القتل على مذهب مالك- وخرجوا، ظل أخوه شرف الدين يدعو عليهم، فمنعه الشيخ وقال: بل قل: اللهم هب لهم نوراً يهتدون به إلى الحق".
(ذيل طبقات الحنابلة 512 / 4)

ولا تنس موقفه لما آوى علي بن يعقوب البكري حين أراد السلطان آذاه وسجنه.
(البداية والنهاية 114/14)..

وكان البكري هذا من خصوم الشيخ، وممن ألب عليه وتعدى..
"حتى وثب عليه مرة ونتش بأطواقه، وقال:احضر معي إلى الشرع فلي عليك دعوى.. وأراد جماعة الانتصار من البكري فلم يمكنهم الشيخ".
(ذيل الطبقات 517 /4)
هذا وهو ممن صنّف في تكفير الشيخ في مسألة الاستغاثة بالنبي ﷺ .
لكن الشيطان لن يحل عقدة التحريش بين المؤمنين حتى يتلعب ببعض أهل الدين ويجرهم بحبل التحزب ..
سيجعل مواقف السلف في هجر المبتدعة أصلاً مطرداً لا ينفصم، وسيحذفك -إن دللته لغير هذا- بالتهاون في السنة والضعف في الدين وتعظيم الرجال..

ولاشك أن زلزلة مقالات المبتدعة والرد عليهم وزجر من تلبس بالبدع قد بلغ خبرها في سير السلف مبلغاً لا ينكره إلا مكابر.
وهو قبل ذلك دليل على إجلال السنة في القلب، وتعظيم النبي ﷺ ولكن يجب أن لا نغفل عن أن هجر السلف لأهل البدع كان في وقت صولة الراية والرواية، وفي حال عز الإسلام وتمكين الشريعة..

وأين هذا من حال من يرى معسكر الشرق والغرب يقضم كل يوم بلداً من بلدان الأمة ويأكل رجالها ثم هو يشاغل أمته عن عادية الكفر بما هو دون..
فإن واجب الوقت يقضي بجمع القلوب وتألفها لكف يد الكفر ما استطاع المسلم إليه سبيلاً..
ولئن أصبحت مواقف علماء الأمة في تعظيم حق الأخوة الإيمانية ووزن الأمر بميزان القسط؛ لئن أصبحت من مفاخر هؤلاء الأعلام التي يجهر بها التاريخ غير متوارٍ..

فإن مما يعرق له جبين التاريخ حياء..أن من رجالات وشباب أمتنا من رأى اختيال الكفر بين ظهراني المسلمين..
ثم هو مع هذا يضرب أمته تفريقاً وتمزيقاً وتعصباً لقول شيخه أو حزبه أو جماعته..
هنيئاً له سوءة التاريخ التي ملأ بها كفيه -وإنها لهينة يسيرة- إن سلم صاحبها من خصومة نبيه ﷺ حين آذوه في أمته.
إن للحب والبغض والولاء والبراء ميزاناً منصوباً في قلب كل شخص، ما اختلت إحدى كفتيه ببغض من لا يستحق البغض، أو بزيادة على البغض الشرعي؛ إلا اختلت الكفة الأخرى بمحبة من لا يستحق المحبة، أو بزيادة على القدر المشروع فيها.
ولقد رأى الناس من هذا النوع أمراً عجباً، ترى أحدهم يبغي في بغض إخوانه أو يزيد على القدر المشروع من البراءة والخشونة بحجة خطئهم أو بدعتهم، فيبتلى بمحبة من هم شر ممن أبغض، وربما أصبح منتصراً للطغاة أو لأهل الفجور، أو لمن هم أعظم بدعة من الأولين، فإن الله قد جعل لكل شيئ قدراً.

وأمر آخر لا يحسن إغفاله في ختام هذه الأسطر..
إن للخصومة سخيمة تصبغ القلب بسوادها، ومن الشقاء هدم ساعات العمر وأيامه بملاحقة شوارد النقاشات وتتبع قول الخصم والرد عليه والرد على الرد، قال سفيان الثوري وهو يوصي صاحباً له:"إياك والأهواء، وإياك والخصومة، وإياك والسلطان".
(حلية الأولياء 28/7)

وأخيـــراً
فهل في قولي هذا توهين من شأن الابتداع، أو مصادرة لسنة السلف في زجر وهجر أهل البدع؟
لقد خاب والله من رقّ لديه ما عظّم السلف الصالحون..
لكن إنما أردت التذكير والوصية لنقدر الأمر قدره، ونرتب أوليات الخصومة ونتدارس درجاتها، ونعظ أنفسنا ومن حولنا بحقوق أخوة الإسلام ومنزلتها وشأنها.


- محمد آل رميح.
@mohdromih