الأحد، 19 مارس 2017

من فقه الأثر : ( فقه حديث عقبة في المعوذتين )

                  بسم الله الرحمن الرحيم
     الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
أما بعد :
•• روى النسائي من طرق عن ﻋﻘﺒﺔ ﺑﻦ ﻋﺎﻣﺮ ﻗﺎﻝ: ﺃﺗﻴﺖ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ  ﷺ ﻭﻫﻮ ﺭاﻛﺐ ﻓﻮﺿﻌﺖ ﻳﺪﻱ ﻋﻠﻰ ﻗﺪﻣﻪ ﻓﻘﻠﺖ: ﺃﻗﺮﺋﻨﻲ ﺳﻮﺭﺓ ﻫﻮﺩ ﺃﻗﺮﺋﻨﻲ ﺳﻮﺭﺓ ﻳﻮﺳﻒ، ﻓﻘﺎﻝ ﷺ : "ﻟﻦ ﺗﻘﺮﺃ ﺷﻴﺌﺎ ﺃﺑﻠﻎ ﻋﻨﺪ اﻟﻠﻪ ﻋﺰ ﻭﺟﻞ ﻣﻦ ﻗﻞ ﺃﻋﻮﺫ ﺑﺮﺏ اﻟﻔﻠﻖ"
وفي لفظ له : " ﻳﺎ ﻋﻘﺒﺔ ﺃﻻ ﺃﻋﻠﻤﻚ ﺧﻴﺮ ﺳﻮﺭﺗﻴﻦ ﻗﺮﺋﺘﺎ ؟ "
ﻓﻌﻠﻤﻨﻲ ﻗﻞ ﺃﻋﻮﺫ ﺑﺮﺏ اﻟﻔﻠﻖ، ﻭﻗﻞ ﺃﻋﻮﺫ ﺑﺮﺏ اﻟﻨﺎﺱ، ﻓﻠﻢ ﻳﺮﻧﻲ ﺳﺮﺭﺕ ﺑﻬﻤﺎ ﺟﺪا !
ﻓﻠﻤﺎ ﻧﺰﻝ ﻟﺼﻼﺓ اﻟﺼﺒﺢ ﺻﻠﻰ ﺑﻬﻤﺎ ﺻﻼﺓ اﻟﺼﺒﺢ ﻟﻠﻨﺎﺱ !
ﻓﻠﻤﺎ ﻓﺮﻍ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﻣﻦ اﻟﺼﻼﺓ، اﻟﺘﻔﺖ ﺇﻟﻲ ﻓﻘﺎﻝ: " ﻳﺎ ﻋﻘﺒﺔ، ﻛﻴﻒ ﺭﺃﻳﺖ ؟ ".
وفي لفظ له : " ﻛﻨﺖ ﺃﻗﻮﺩ ﺑﺮﺳﻮﻝ الله ﷺ ﻓﻲ اﻟﺴﻔﺮ ".
وفي لفظ له : " كنت أقود به ﻓﻲ ﻧﻘﺐ ﻣﻦ ﺗﻠﻚ اﻟﻨﻘﺎﺏ ﺇﺫ ﻗﺎﻝ:"ﺃﻻ ﺗﺮﻛﺐ ﻳﺎ ﻋﻘﺒﺔ ؟ "
ﻓﺄﺟﻠﻠﺖ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﺃﻥ ﺃﺭﻛﺐ ﻣﺮﻛﺐ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﺛﻢ ﻗﺎﻝ : " ﺃﻻ ﺗﺮﻛﺐ ﻳﺎ ﻋﻘﺒﺔ ؟ " .
ﻓﺄﺷﻔﻘﺖ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﻌﺼﻴﺔ ﻓﻨﺰﻝ ﻭﺭﻛﺒﺖ ﻫﻨﻴﻬﺔ، ﻭﻧﺰﻟﺖ، ﻭﺭﻛﺐ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ".
وفي لفظ له : " ﻟﻌﻠﻚ ﺗﻬﺎﻭﻧﺖ ﺑﻬﺎ ؟ ﻓﻤﺎ ﻗﻤﺖ بمثلها! ".
وفي لفظ لأبي داود : " ﺑﻴﻨﺎ ﺃﻧﺎ ﺃﺳﻴﺮ ﻣﻊ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﺑﻴﻦ اﻟﺠﺤﻔﺔ ﻭاﻷﺑﻮاء، ﺇﺫ ﻏﺸﻴﺘﻨﺎ ﺭﻳﺢ ﻭﻇﻠﻤﺔ ﺷﺪﻳﺪﺓ، ﻓﺠﻌﻞ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ  ﻳﺘﻌﻮﺫ ﺑﺄﻋﻮﺫ ﺑﺮﺏ اﻟﻔﻠﻖ ﻭﺃﻋﻮﺫ ﺑﺮﺏ اﻟﻨﺎﺱ " .
وفي لفظ لأبي داود:" اﻗﺮﺃ ﺑﻬﻤﺎ ﻛﻠﻤﺎ ﻧﻤﺖ ﻭﻗﻤﺖ".

•• في هذا الحديث مسائل كثيرة أشير إلى أطراف منها:

١ ) تفاضل سور القرآن، وهو الذي تدل عليه أحاديث تفضيل سورة الفاتحة وآية الكرسي ونحوها، وجعل ابن تيمية هذا القول هو القول المعروف عن السلف، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن سور القرآن لا تفاضل بينها إذ صفات الله على السواء من الأكملية والأعظمية، وقال به أئمة كابن حبان وابن عبد البر، وهو قول طوائف من المخالفين كالأشاعرة، والمسألة طويلة المدارك، وقد استوفى دلائلها شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالة مفردة .

٢ ) استحباب القراءة بهاتين السورتين في الصلاة، وقد ثبت في مسلم أنه صلى بهما الفجر، وليس ذلك مأخوذ من الفعل النبوي المجرد، فإن استحباب القراءة بسورة معينة لا تثبت بمجرد الفعل مرة إذ لابد من قراءة شيء من القرآن، ولكن يثبت ذلك بالمداومة أو التأكيد القولي، وقد كره مالك وغيره تخصيص صلاة بسورة، والمسألة مبسوطة في موضعها .

٣ ) القبض على قدم النبي ﷺ ومن يُجَل كالوالد والوالدة؛ ليس مما ينافي العزة الإيمانية.

٤ ) استحباب التعوذ بهاتين السورتين عند الريح والغبار.

٥ ) مشروعية القراءة في الصلاة بالأمر الذي وعظ فيه قبل الصلاة، فإن النبي ﷺ وعظ بفضيلة هاتين السورتين ثم صلى بهما.

٦ ) كذلك مشروعية الموعظة عقب الصلاة بما صلى به الإمام، فإن النبي ﷺ التفت إلى عقبة فقال له ﷺ : " كيف رأيت " .

٧ ) خوف الصحابة من مخالفة النبي ﷺ حتى مع المقصد الحسن، فإن مقصد عقبة إجلال النبي ﷺ بترك الرجوب في مركبه، ولكنه قدم امتثال الأمر على مطلق التوقير، وهي المسألة التي تعرّض لها بعض المتأخرين ووسموها ب : إذا تعارض امتثال الأمر مع التوقير.

٨ ) ستحباب تكرار هاتين السورتين في أحوال المسلم عند منامه وقيامه.

• أبو المثنى محمد آل رميح .

الاثنين، 13 مارس 2017

خاطرة حول: (الفتوى والكهنوت).

     الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .
أما بعد:
     فقد ‏أنزل الله كتابه وخاطب ﷺ أمته بكافة التكاليف والشرائع، كلهم في أصل ذلك سواء، ومع هذا فقد أخبر الله ﷻ بتفاوت المكلفين واختلافهم في الأخذ بالوحي وفهمه وفقه مراد الله منه فقال: "يرفعِ الله الذين ءامنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات".

وذلك أن ‏الأدلة والدلالات على رتبتين:
‏- فما كان من أصول التوحيد وقواعد الديانة مما تعظم حاجة الناس له فإنك ستجده متكاثرة أدلته متضحة أحكامه بحسبه.
‏- وما ليس كذلك مما يختص ببعض المكلفين ولا يعم الخطاب به فاتضاح مسائله ودلائله دون ذلك.

‏ثم إن معرفة الحكم الشرعي واقع على منازل:
‏- وجود النص
‏- ثم ثبوت النص
‏- ثم العلم بإحكامه ونسخه
‏- ثم النظر في وجوه معانيه من النصوص الأخرى
‏- ثم الرجوع لمعانيه في لسان العرب
‏-ثم استعمال قواعد الاستدلال وطرق الجمع ووجوه الترجيح.

فإن قيل:
‏أليس في هذه الرتب الاستدلالية التي ذكرتَها آنفا معارضة ليسر الشريعة وتوسعتها وما يدل عليه قول الله: "ولقد يسّرنا القرآن للذكر"
أليست هذه من إغلاق تفهم الوحي عن جميع المكلفين؟
وتعسير طرق الوصول لمراد الله ورسوله؟
أليست دخولا لجحر الضب بتقليد الكهنوت الكتابي ، وضربا على خطاه؟
‏
و‏قبل الجواب عن ذلك أود أن أقول بين يدي هذا الأمر قولا:
لقد رأيت ‏عامة من يستشكل هذا الأمر؛ هو ممن لم يطلب العلم ولم يعان مسائله ولم يطلع على قواعد الاستدلال ومسالك التعليل.
ولقد ‏كنتُ أُورد -على من يناقشني في هذا- بعض الأدلة وأتناقش معه في دلالتها على الأحكام الشرعية، فإذا نبهته إلى مسالك الاستدلال لمعت عينه وعرف خلل الاستدلال بغير أصول وآلة.

وأما ما ذُكر من ‏يسر الشريعة فلابد أن نعلم أن له جانبين؛ عملي وعلمي:
‏فمن اليسر العملي -مثلا- رفع الحرج ودفع المشقة -وصور ذلك في العبادات لا تحصى- ومن أوضح أمثلته الرخص لأهل الأعذار.
‏وأما اليسر العلمي في هذه الشريعة فله وجوه:
‏- فهناك من دلالات الكتاب والسنة ما لا تخفى على من قرأها بمجرد قراءتها، بل إن كل قارئ لها فلابد أن يجد من نورها وهداها وفائدتها بحسبه.

‏- ومن وجوه اليسر العلمي لنصوص الوحي ما ذكره الله في هذه الآية: "ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر".
‏قال قتادة رحمه الله: "ﻓﻬﻞ ﻣﻦ ﻃﺎﻟﺐ ﺧﻴﺮ ﻳﻌﺎﻥ ﻋﻠﻴﻪ"
‏فقوله ﷻ: "ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر"، ‏ليس فيه أن يتقحم كل أحد القول في كتاب ﷲ بلا علم، إنما المراد أن من بذل للتذكر وأعطى من عقله وتوجهه وقلبه في تفهم دلالات الشرع أعانه الله وأعطاه وهداه.
بل لو سئل من يستدل بهذه الآية: لماذا جاءت صيغة الجمع في قوله: (يسّرنا) ولم تأت: بصيغة (يسرت)؟
ولو قيل له: ما علاقة (الذكر) هنا بالفهم؟ وما وجوه مجيئ الذكر في القرآن؟
وما معنى (مدكر)، وما الفرق بين معنى (مدّكر) ومذكر؟
لاحتاج أن يرجع لكتب أهل العلم ومدونات المفسرين واللغويين، أو ذهب يتطلب علم ذلك عند أهل الاختصاص.
‏وأنتَ إذا تأملت سائر أنواع العبادات وجدت أن الناس متفاوتون في تحصيل علمها بحسب موقع كل مسألة ودرجتها وحاجة المكلفين لها وعموم البلوى بهابها.
وسأضرب أمثلة في تناويع العبادات تبين شيئا من هذا:

ف‏كل مسلم يعلم فرض الصلاة، ثم إذا سألت آحاد المسلمين عن أحكام سجود السهو وجدت تفاوتا في معرفتها، ثم إذا سألت في أحكام الكسوف زاد التفاوت.
وهلمّ فكل مسلم يعلم فرض الصيام عليه، وإذا سألت عن صحة صيام من أغمي عليه كل يومه وجدت تفاوتا في علم ذلك، ثم إذا سألت عن حكم فطر المرضع فكذلك وهلمّ.

‏وإذا انتقلت لمعرفة أحكام النوازل الحادثة في الصيام -مثلا- مما لم تكن على عهده ﷺ وجدت تفاوت الناس في علمها، وفي حقيقة تصورها، وبأي نظير تلحق، وتحت أي قاعدة تنزل، فكيف يفتي فيها من لم يتخصص؟.

ف‏في الصيام:
ستجد نوازل المفطرات مستجدة مستحدثة تطلب كشفا لحكمها، وبيانا لوجهها (كبخاخ الربو، وأقراص تحت اللسان، ومنظار المعدة، والحقن العلاجية، وإدخال القسطرة، والمنظار المهبلي، وسحب الدم)
ف‏كيف يفتي فيها آحاد الناس، ممن لم يعرف علل المفطرات وجوامع مسائلها ومآخذ أحكامها؟

‏‏وقل مثل ذلك في الزكاة، فكل مسلم فرضها عليها، ويقرأ أدلتها في الكتاب وما استطاع من قراءته
من السنة، ولكن تفاصيل الأدلة لا يقرأها كل أحد.

وفي نوازل الزكاة:
تجد مسائل من نحو: (زكاة الراتب الشهري، وزكاة السندات، وزكاة الصناديق الاستثمارية، وزكاة الحقوق المعنوية) وهكذا، ف‏هل تريد أن يفتي فيها من لم يعرف طرق الاستدلال؟
‏‏وهكذا في سائر ما يحتاجه الناس من شأن دينهم، هل يكفي أن يقول القائل:
‏إن الدين يسر -وعلى ذلك- لا أحتاج لطلب العلم حتى أعرف تفاصيل الأحكام؟
ثم ليس يشك من قرأ سيرة النبي ﷺ وصحابته؛ أن المسلمين في عصره كانوا يرجعون له ولكبار صحابته يسألون ويستفهمون، ثم جرى ذلك من عصر الصحابة إلى عصرنا هذا، لازالوا يرجعون -فيما يشكل إليهم من مسائل دينهم- إلى أهل العلم والفقه في الدين.

• ف‏إذا علمنا هذا فلماذا نسمع مضيغ الماضغين ممن يدعون إلى فتح باب الكلام في دين الله بغير علم لكل أحد؟
‏ماذا يريدون؟
‏وما هو مشروعهم؟
‏وغايتهم؟
هل تصوروا لازم قولهم؟

• وفي مقابل ذلك فمن المسلمات الشرعية في فقه الفتيا أن ‏لا تجوز لعالم شرعي فتيا ولا ينفذ له رأي في كل فرع من فروع حياة الناس ومعاشهم إلا برجوع لأهل الاختصاص؟
فلا يجوز له أن يفتي في مسألة طبية حتى يعرف حدود فهمها من طبيب مختص، ولا في مسألة اقتصاد والمعاملات المصرفية والتجارية حتى يرجع لمختص، ولا في مسائل العسكرة حتى يرجع لصاحب اختصاص يصور له المسائل ويصفها له بلسان أصحاب الفن، وهكذا في كل علم حتى يستخبر أهله.
وكثير من الأبحاث الفقهية المُحَكمة والفتاوى المجمعية المتعلقة بنوازل معاصرة في مثل علوم الطب والاقتصاد -مثلا- يشارك فيها مختصون من ذلك الفرع العلمي، ويُتلقى عنهم في فنهم ويرجع في توصيفه لكلمتهم.

وتجد من ينازعك في فكرة التخصص؛ ربما لم يطلع كم يبذل عالم الشريعة من وقت وجهد في سؤال أهل التخصص الطبي حين يريد كتابة بحث في مسألة طبية -مثلا-.

وإني لأعرف من علماء الشريعة من إذا أراد كتابة بحث فقهي له علقة بمسألة طبية؛ قام وقعد وساءل واستفتى علماء الطب وحضر ندواتهم ومؤتمراتهم، بل أعرف من كان يدخل غرف العمليات ليتم تصوره للمسائل التي يريد الكتابة الشرعية فيها.
ف‏أي احترام للتخصص أعظم من القول: (بحرمة الفتيا) في مسألة علمية قبل أخذ رأي أهل الاختصاص لبيان وجهها الواقعي، لتعطى حكمها الشرعي بعد ذلك.‏
وهذا الأمر قبل أن يكون احتراما للتخصص؛ فهو خضوع لأمر الله وتعظيم لحدوده، فلا يُحَرّم على الناس ولا يُحَل إلا بعد الاجتهاد في تصور الواقعة.

والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .

الخميس، 23 فبراير 2017

ورقة حول: "جلال الصناعة الفقهية".



     الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله :
أما بعد:
فقد وضع ابن الجوزي الهناء مواضع النقب، حين قال: "للفقيه أن يطالع من كل فن فنا، من تاريخ وحديث ولغة وغير ذلك، فإن الفقه يحتاج إلى جميع العلوم". (صيد الخاطر ٤٥١)
ولم يكن كلامه لغوا حين قال في تحصيل العلم وطلبه: "الموفق من طلب المهم، فإن العمر يعجز عن تحصيل الكل، وجمهور العلوم الفقه". (صيد الخاطر ٣٨٥)
وذلك أن الصنعة الفقهية داعية إلى توظيف كثير من الآلات، واستعمال عديد من الأدوات، يسلطها الفقيه عند نظره وبحثه ودرسه ليخرج بمعرفة مراد الله ومراد رسوله ﷺ.
ولهذا قيل: "العلوم أبازير الفقه، وليس دون الفقه علم إلا وصاحبه يحتاج إلى دون ما يحتاج إليه الفقيه، لأن الفقيه يحتاج أن يتعلق من معرفة كل شيء من أمور الدنيا والآخرة، وإلى معرفة الجد والهزل، والخلاف والضد، والنفع والضر، وأمور الناس الجارية بينهم، والعادات المعروفة منهم" (الفقيه والمتفقه ٢ / ١٥٨)
وربما أنك قد تعجبت حين مرّ معك ما قاله ابن وهب: "لولا أنّ الله أنقذني بمالك والليث لضللت!". (الانتقاء لابن عبد البر ٢٨)
وهل تدري من ابن وهب؟
هذا الذي كان يقال عنه ديوان العلم!
لأنه كما قال ابن القاسم: "ما دون العلم أحد تدوينه"!
وقال أحمد بن صالح المصري: "حدّث ابن وهب بمائة ألف حديث"!.
ولذا روى عنه شيوخه، بل روى عنه جلة من شيوخه كالليث ابن سعد. (سير أعلام النبلاء ٩ / ٢٢٤ - ٢٢٦)
ولكن معرفة وجوه التئام النصوص، والجمع بينها، واستنباط الأحكام لا يتوفر لكل أحد، وربما كان النظر المجرد عن آلته عاطلا عن تحصيل المطلوب، وعسى أن يقول بعض السلف قولا يخشن في السمع وقعه، لولا أن قائله من فقهاء أهل الحديث، فقد قال ابن عيينة: "الحديث مضلة إلا للفقهاء". (الجامع لابن أبي زيد ١١٨)
فلا يغرب عليك قوله هذا، فإنه قد رأى مصارع المتعثرين، وعلم كيف ضل من ضل حين طرق بابا ليس بابه .
ولا تتعجب أن ترى قلة أهل الفقه في العلماء فضلا عن غيرهم، فقد قال أحمد في عبد الرزاق الصنعاني عندما سئل : كان له فقه؟ فقال أحمد: " ما أقل الفقه في أهل الحديث!". (المقصد الأرشد ٢ / ١١٠٣).
مع أن عبد الرزاق صنف كتابه الكبير في فقه السلف، وليس يخلي المسائل من بيان اختياره، يعقب به في مواضع كثيرة، بما يعلو على كثير ممن ينتسب إلى الفقه.
ولكن من ظن أن كل من حمل النصوص وحفظها فقد عرف من فقهها وفهم من مرادها ما يبلغ مرتبة الفقهاء، من ظن ذلك غلط وجافى المحزّ.
والواجب أن لا يأنف من ربض به فهمه عن رتب فقه الشريعة عن الإقرار بذلك، فإن هذا أبرد له من أن يحرق نفسه بالقول في دين الله بلا آلة، وقد كان صالحو المحدثين يذكرون ذلك عن أنفسهم لا يأنفون، فعن ابن شوذب عن مطر الوراق، أنّه سأله رجل عن حديث فحدثه، فسأله عن تفسيره، فقال: لا أدري إنمّا أنا زاملة!، فقال له الرجل: جزاك الله من زاملة خيرا، فإن عليك من كل حلو وحامض. (ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ٢ / ١٠٢٠)
وهذا الأمر كان مشهورا عند المتقدمين يعرفه المحدثون والفقهاء من أنفسهم، حتى كان الأعمش يقول: "يا معشر الفقهاء أنتم الأطباء ونحن الصيادلة". (نصيحة أهل الحديث للخطيب ٤٥).
وقال الطحاوي لمحمد بن زبر -محدث دمشق- وقد تصفح بعض تصانيفه وأعجبته، فقال له: "يا أبا سليمان ، أنتم الصيادلة ونحن الأطباء". (تاريخ الإسلام للذهبي ٢٦ / ٦٥٠).
ومثل هذا حمل أمثال مالك أن يوصي ابني أخته بكر وإسماعيل بن أبي أويس قال: "أراكما تحبان هذا الشأن - أي الحديث - وتطلبانه، قالا: نعم، قال إن أحببتما أن تنتفعا به وينفع الله بكما فأقلّا من الحديث وتفقها". (نصيحة أهل الحديث ٣٧).
وإن أقرب ما تجده أن الفقه في الشرع عاصم يعصم المؤمن من الخبط في الفهم، ومن لطيف ذلك الحكاية المشهورة التي ذكرها الخطابي عن بعض شيوخه، وكان يظن أن حديث ﷺ: "نهى عن الحلق يوم الجمعة"، أن (الحلق): بسكون اللام، أي الحِلاق، قال: فبقي أربعين سنة لا يحلق يوم الجمعة!
قال الخطابي: "وإنما هو الحِلَق جمع حلقة". (إصلاح غلط المحدثين ٢٨)
وأنا ضارب لك مثالا أو مثالين من مشهور مسائل الخلاف القديم، عسى أن يظهر فيه ما أردت بيانه من جلال علم الفقه وفضله، وعظم الصنعة فيه، وسنرى فيه بعض ما يحتاجه الفقيه من الأدوات عند نظره في المسائل الشرعية، ونرى افتقاره لكثير من آلات النظر وأدواته فإن الفقيه محتاج:
١ - إلى النظر في الأدلة والنصوص.
٢ - ثم البحث في الخلاف والإجماع.
٣ - ومعرفة الحديث وعلله وإجماعات نقاده وخلافهم.
٤ - وإعمال القواعد الأصولية.
٥ - والقواعد الفقهية.
٦ - ومعرفة الفروق الفقهية.
٧ - والرجوع للناسخ والمنسوخ.
٨ - والتثبت من النقول والتحقق من انتفاء الوهم.
٩ - والمقارنة بين كلام أهل العلم لمعرفة صحة مآخذ المختلفين أو ضدها.
١٠ - ثم الموازنة بين التعليلات والاعتراضات والتعقبات، وغير ذلك من أدوات النظر .
وأما المسائل المعاصرة، مما لم نبلوا فيها كلام السالفين؛ فهناك تجد طابع الفقه على أصحابه لا يخفى عليك، وثَمّ تُشَمّر الثياب وتستنطق النصوص ويظهر الفرق بين زوامل النصوص وفقهائه.

•• مسألة: (نقض الوضوء بأكل لحم الجزور)
• اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
١ - ليس فيه وضوء.
وهذا مذهب الحنفية والمالكية والشافعية.
(تبيين الحقائق ١ / ٣ ، شرح التلقين ١ / ١٩٩ ، عيون الأدلة ٢ / ٦٧٣، المجموع ٢ / ٥٦، مغني المحتاج ١ / ١٤٠).
• واستدل أصحاب هذا القول:
- بحديث جابر: "كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار"، (رواه أبو داود ١٩٢ ، والنسائي ١٨٥ من حديث ابن المنكدر عن جابر).
- وقالوا: هو ناسخ لأحاديث الوضوء من لحم الجزور. (اللباب ١ / ١٢٤، المجموع ٢ / ٥٩)
- وقالوا: يدل على رجحانه أنه قول الخلفاء الراشدين. (المنهاج شرح مسلم ٤ / ٤٨).
- وقالوا: إن مس الدم والنجاسات لا يوجب وضوءا فالطاهر أولى. (شرح التلقين ١ / ١٩٩ ).
- بل إن أكل المحرمات لا يوجب الوضوء فالطاهر المباح أولى. (عيون الأدلة ٢ / ٦٣٨، المجموع للنووي ٢ / ٥٦ )
- ولأن الذي ينقض ما يخرج من الجوف لا ما يصل إليه. (عيون الأدلة لابن القصّار المالكي ٢ / ٦٣٧).
- ولأن القائل به لا يعدّيه إلى الشحم والكبد ولا فرق. (مغني المحتاج ١ / ١٤٠).
- وحملوا الوضوء في الحديث الذي استدل به أصحاب القول الثاني على غسل اليدين. (اللباب ١ / ١٢٤، شرح التلقين ١ / ١٩٨، عيون الأدلة ٢ / ٦٣٨ ).
- وقالوا: لأن لحم الجزور له زفر وسهوكة ليست للغنم. (اللباب لجمال الدين ابن مسعود المنبجي ١ / ١٢٤، شرح التلقين ١ / ١٩٩، الحاوي ١ / ٢٠٦، المجموع ٢ / ٥٦).
- ولهذا حمله بعضهم على السنية. (شرح التلقين ١ / ١٩٩، عيون الأدلة ٢ / ٦٣٧، الحاوي ١ / ٢٠٥، والقول بالسنية ذهب إليه بعض الفقهاء، وعللوا القول بالسنية بالخروج من الخلاف، تبيين الحقائق ١ / ٣ ).

- القول الثاني:
النقض بلحوم الإبل ووجوب الوضوء منه.
وهو قول جابر بن سمرة، وأحمد وإسحاق ويحيى بن يحيى وابن خزيمة وابن المنذر وابن تيمية وابن القيم. (المجموع ٢ / ٥٦، المغني  ١ / ١٣٨ ، شرح العمدة ١ / ٣٣٢، إعلام الموقعين ١ / ٢٩٨)
وهو القديم للشافعي واختاره بعض أصحابه كالنووي في المجموع. (المجموع ٢ / ٥٦ ، خلافا لما قرر في شرح مسلم ٤ / ٤٨ )
- وقال الخطابي: "ذهب إلى هذا عامة أصحاب الحديث".
(معالم السنن ١ / ٦٧).
• واستدل أصحاب هذا القول:
- بحديث ﺟﺎﺑﺮ ﺑﻦ ﺳﻤﺮﺓ ﺃﻥ ﺭﺟﻼ ﺳﺄﻝ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ: ﺃﺃﺗﻮﺿﺄ ﻣﻦ ﻟﺤﻮﻡ الغنم؟ ﻗﺎﻝ: "ﺇﻥ ﺷﺌﺖ ﻓﺘﻮﺿﺄ، ﻭﺇﻥ ﺷﺌﺖ ﻓﻼ ﺗﻮﺿﺄ"، ﻗﺎﻝ: ﺃﺗﻮﺿﺄ ﻣﻦ ﻟﺤﻮﻡ الإﺑﻞ؟، ﻗﺎﻝ: "ﻧﻌﻢ ﻓﺘﻮﺿﺄ ﻣﻦ ﻟﺤﻮﻡ الإبل". (رواه مسلم ٣٦٠)
وبحديث البراء بن عازب ﻗﺎﻝ: "ﺳﺌﻞ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﻋﻦ اﻟﻮﺿﻮء ﻣﻦ ﻟﺤﻮﻡ الإبل، ﻓﻘﺎﻝ: "ﺗﻮﺿﺌﻮا ﻣﻨﻬﺎ"، ﻭﺳﺌﻞ ﻋﻦ ﻟﺤﻮﻡ الغنم، ﻓﻘﺎﻝ: "ﻻ ﺗﻮضؤوا ﻣﻨﻬﺎ". (رواه أبو داود ١٨٤ )
- وقالوا راوي الحديث جابر بن سمرة كان يقول بمقتضاه، وهو أدرى بما روى. (شرح العمدة لابن تيمية ١ / ٣٣٢)
- وهو أصح من حديث جابر: "كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار". (المغني ١ / ١٣٨ ).
فإن حديث جابر مختصر من حديث طويل ذكر ذلك أبو داود وابن حبان ، وأن سياق حديث ﺟﺎﺑﺮ ﺑﻦ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ: "ﺫﻫﺐ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﺇﻟﻰ اﻣﺮﺃﺓ ﻣﻦ اﻷﻧﺼﺎﺭ ﻭﻣﻌﻪ ﺃﺻﺤﺎﺑﻪ، ﻓﻘﺮﺑﺖ ﻟﻪ ﺷﺎﺓ ﻣﺼﻠﻴﺔ، ﻓﺄﻛﻞ ﻭﺃﻛﻠﻨﺎ، ﺛﻢ ﺣﺎﻧﺖ اﻟﻈﻬﺮ ﻓﺘﻮﺿﺄ، ﺛﻢ ﺻﻠﻰ ﺛﻢ ﺭﺟﻊ ﺇﻟﻰ ﻓﻀﻞ ﻃﻌﺎﻣﻪ ﻓﺄﻛﻞ، ﺛﻢ ﺣﺎﻧﺖ اﻟﻌﺼﺮ ﻓﺼﻠﻰ ﻭﻟﻢ ﻳﺘﻮﺿﺄ". (سنن أبي داود ١٩٢ ، صحيح ابن حبان ٣ / ٤٣١).
وقال أبو حاتم: "ﻫﺬا ﺣﺪﻳﺚ ﻣﻀﻄﺮﺏ اﻟﻤﺘﻦ؛ ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻮ: ﺃﻥ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ ﺃﻛﻞ ﻛﺘﻔﺎ ولم يتوضأ". (علل ابن أبي حاتم ١ / ٦٤٥).
وقد ﻧﻘﻞ اﻟﺤﺎﻓﻆ ﻓﻲ اﻟﺘﻠﺨﻴﺺ: "ﻗﺎﻝ اﻟﺸﺎﻓﻌﻲ ﻓﻲ ﺳﻨﻦ ﺣﺮﻣﻠﺔ: ﻟﻢ ﻳﺴﻤﻊ اﺑﻦ اﻟﻤﻨﻜﺪﺭ ﻫﺬا اﻟﺤﺪﻳﺚ ﻣﻦ ﺟﺎﺑﺮ ﺇﻧﻤﺎ ﺳﻤﻌﻪ ﻣﻦ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ ﻋﻘﻴﻞ". (تلخيص الحبير ١ / ٢٠٥ ).
- وأما حديث النقض به، فقد قال إمام الأئمة ابن خزيمة: "لم نر خلافا بين علماء الحديث في صحة هذا الحديث". (صحيح ابن خزيمة ١ / ٢١ ) .
- على أن حديث ترك الوضوء مما مست النار -لو صح- فليس له مدخل هنا، بل هو مناط آخر على حياله، ولذا ينقض الوضوء من لحم الإبل مطبوخه ونيئه، فمسيس النار للطعام لحما أو غيره مناط مختلف عن المناط الذي في هذه المسألة. (شرح عمدة الفقه ١ / ٣٣١).
- ولهذا وهم من نسب للخلفاء الراشدين القول بعدم النقض بلحم الجزور، فإنه ظن اتحاد المسألتين، ﻭﺇﻧﻤﺎ ﺗﻮﻫﻢ ﺫﻟﻚ ﻟﻤﺎ ﻧﻘﻞ ﻋﻨﻬﻢ ﺃﻧﻬﻢ ﻟﻢ ﻳﻜﻮﻧﻮا ﻳﺘﻮﺿؤوﻥ ﻣﻤﺎ ﻣﺴﺖ اﻟﻨﺎﺭ، فرحّل قولهم هنا إلى هذه المسألة. (مجموع الفتاوى ٢١ / ١٣).
- ومن قال بالنسخ فقوله ضعيف، فإن الأحاديث في الباب غير متقابلة حتى يظن معارضتها، ثم إن ترك الوضوء مما مست النار عامة وأحاديث الوضوء من لحم الإبل خاصة فيقدم الخاص على العام. (المجموع ٢ / ٦٠، المغني ١ / ١٣٩).
- وقالوا: ليس مع المخالفين إلا استصحاب حال، وقياس طردي يحسن اتباعهما عند عدم الدلالة بالكلية.
(شرح العمدة ١ / ٣٣٢).

- ولثبوت الفرق بين لحم الإبل وغيره، فإن الإبل شياطين الأنعام، فلعل الإنسان إذا أكل ذلك أورثه نفارا وحالا شبيها بحال الشياطين، والشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء فأمر بالوضوء من لحومها ، كسرا لتلك السورة وقمعا لتلك الحال، وقلب الإنسان وخلقه يتغير بالمطاعم التي يطعمها.
(شرح العمدة لابن تيمية ١ / ٣٣٢).

- وقال النبي ﷺ عنها: "إنها من الشياطين". (رواه أبو داود ١٨٤ ).
- وقد ذكر ابن القيم كلاما جليلا في الفرق بين لحم الجزور وغيرها في الرد على من زعم أن الوضوء من لحوم الإبل على خلاف القياس، فقال: "الشارع فرق بين اللحمين والمكانين والراعيين رعاة الإبل ورعاة الغنم، فأمر بالصلاة في مرابض الغنم دون أعطان الإبل، وأمر بالتوضؤ من لحوم الإبل دون الغنم .. كما فرق بين أصحاب الإبل وأصحاب الغنم، فقال: "الفخر والخيلاء في الفدادين أصحاب الإبل، والسكينة في أصحاب الغنم"، وقد جاء أن على ذروة كل بعير شيطان، وجاء أنها خلقت من جن، ففيها قوة شيطانية، والغاذي شبيه بالمغتذي .. فإذا اغتذى من لحوم الإبل وفيها تلك القوة الشيطانية والشيطان خلق من نار، والنار تطفأ بالماء.
(إعلام الموقعين ١ / ٢٩٨)

- وأما حملهم الحديث على غسل اليدين فضعيف لأن الحمل على الوضوء الشرعي مقدم على اللغوي. (المجموع ٢ / ٥٩، المغني ١ / ١٣٩؛ شرح العمدة ١ / ٣٣٢).
- ولأنه فرق بينه وبين لحم الغنم ولو أراد غسل اليد لم يفرق فإن الغسل من الدسم مستحب مطلقا. (شرح العمدة ١ / ٣٣٢).
- وأما قولهم: الوضوء مما خرج لا مما دخل وما روي فيه عن الصحابة فقد قال البيهقي: "ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻗﺎﻻ ﺫﻟﻚ ﻓﻲ ﺗﺮﻙ اﻟﻮﺿﻮء ﻣﻤﺎ ﻣﺴﺖ اﻟﻨﺎﺭ". (سنن البيهقي الكبرى ١ / ٢٤٥).
- وأما حملهم له على الاستحباب فضعيف أيضا، لأنه خلاف البيان النبوي الذي وقع جوابا لمن سأل. (المغني ١ / ١٣٨)
- ولأنه فرّق بينه وبين لحم الغنم، والنهي في لحم الغنم إنما أفاد نفي الوجوب.
(شرح العمدة  ١ / ٣٣٣)
- وأما قولهم: إنه لا يجب في أكل المحرم فهنا أولى فعنه جوابان:
١ - أن النقض من ذلك ليس متعلقه الحل والحرمة والطهارة والنجاسة، ولكنه التأثير الشيطاني الذي في لحومها.
٢ - ولهذا وجب الوضوء في قول عند أحمد في أكل ما يشاركه في العلة من المحرمات كالسباع، قال ابن تيمية: "ﻭﻓﻲ الوﺿﻮء ﻣﻦ اﻟﻠﺤﻮﻡ اﻟﺨﺒﻴﺜﺔ ﻋﻦ ﺃﺣﻤﺪ ﺭﻭاﻳﺘﺎﻥ، ﻋﻠﻰ ﺃﻥ اﻟﺤﻜﻢ ﻣﻤﺎ ﻋﻘﻞ ﻣﻌﻨﺎﻩ ﻓﻴﻌﺪﻱ ﺃﻭ ﻟﻴﺲ ﻛﺬﻟﻚ؟ ﻭاﻟﺨﺒﺎﺋﺚ اﻟﺘﻲ ﺃﺑﻴﺤﺖ ﻟﻠﻀﺮﻭﺭﺓ ﻛﻠﺤﻮﻡ السباع ﺃﺑﻠﻎ ﻓﻲ اﻟﺸﻴﻄﻨﺔ ﻣﻦ ﻟﺤﻮﻡ الإبل ﻓﺎلوضوء ﻣﻨﻬﺎ ﺃﻭﻟﻰ".
(مجموع الفتاوى ٢٠ / ٥٢١)
- وأما قولهم: أن قائل ذلك لا يقول بالنقض في الشحم والكبد فلا يسلم له، بل القول بالنقض بها قول جماعة ممن يقول بالنقض بلحمه. (الفروع  ١ / ٢٣٤).
فظهر بهذا السياق الفقهي شيء من إعمال عديد من الفنون في الترجيح والنظر الفقهي، بما لعله أن ينصب أمام قارئه تعظيم هذا العلم ورفعته، ويفتح له بابا يدعوه للاجتهاد فيه.

     ومن المسائل التي تؤنقني كثيرًا ويشْرِف بها المرء على بهجة من جنات الفقه، ويقف معها على شيء من طيب استدلالات الفقهاء، وحلاوة تعليلاتهم النديّة، حتى إنه ما من أحد نظر في ذلك إلا أيقن بجلال هذا العلم، وقامت في نفسه له محبة في هيبة، لما يجد فيها من لذيذ استدلالاتهم واعتراضاتهم، ولما يرى من طريف نظرهم -وما أكثر لذائذ القوم ودقائقهم- لكن هذه المسألة لاقت مني اليوم قريحة متهيئة إلى الكتابة، وقلما رطبا بالكتابة، فآنقني نقلها لكم، وهي من المسائل الخلافية في فقه المناسك:
وهي (مسألة: ابتداء وقت جواز صيام البدل عن دم الهدي الواجب، فقد قال الله: "فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم".
واختلف الفقهاء في ابتداء وقت صيام هذه الأيام الثلاثة على أقوال:
- فقال أصحاب الرأي وأحمد: يجوز للمتنسك صيامهن من إحرامه بالعمرة.
- وقال مالك والشافعي: بل لا يجوز إلا بعد إحرامه بالحج.
• واستدل أصحاب القول الثاني :
- بأن الله قال: "فصيام ثلاثة أيام في الحج"، فلا تجوز إذن إلا بعد إحرام الحج.
- ولأن المبدل (الهدي) لا يجوز قبل الإحرام بالحج، فكذا البدل (الصيام)، فإن للبدل حكم المبدل.
- ولأن الصيام هنا صيام واجب، والمعهود في الصيام الواجب عدم جوازه قبل وقت وجوبه، ووقت وجوبه هنا الإحرام بالحج.

• وقال أصحاب القول الأول:
- قول الله: "فصيام ثلاثة أيام في الحج" أي في أشهر الحج، فالإضمار واجب على المذهبين، فلابد من أن يقدر مضمرا ولابد، والصحيح أن يقدر (وقت الحج) إذ الحج أفعال لا يصام فيها وإنما يصام في وقتها.
- وأما تقديم المبدل (الهدي) على زمن الإحرام بالحج فهو جائز عند بعض مخالفيكم، وإنما تقوم البرهنة في هذه الحجة عند الاتفاق على الأصل، وليس هذا موضع اتفاق.
- وأما تقديمه على وقت وجوبه، فإننا نرى جوازه بعد انعقاد سبب وجوبه، كما تُقَدَّم الكفارة على الحنث بعد سبب وجوبها وهو (اليمين) .
- والعمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة، والدخول في نسك عمرة التمتع هو دخول في نسك الحج.

والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

أبو المثنى محمد آل رميح.
٢٦ / ٥ / ١٤٣٨ هـ

الأحد، 5 فبراير 2017

أوراق فقهية -١٠- (الفروق والتقاسيم في المناسك)

            بسم الله الرحمن الرحيم

   الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذه مقالة جمعت فيها بعض الفروق والتقاسيم الفقهية في كتاب المناسك، أسأل الله أن ينفع بها وأن يجعلها من ذخر العمل.

•النسك قسمان؛ الحج والعمرة:
-فأما الحج فهو ركن من أركان الإسلام يجب بشروطه بالإجماع.
-وأما العمرة فاختلف السلف في وجوبها على قولين:
*فجاء الوجوب عن عمر وابن عباس وزيد وابن عمر وابن المسيب والشافعي وأحمد وإسحاق.
*وقال أبو حنيفة ومالك وهو رواية عن أحمد بعدم الوجوب.

•ومن الفروق الفقهية في حكم العمرة: التفريق بين حكمها على الآفاقي وغير ساكن مكة، وحكمها على أهل مكة:
-فهي مشروعة بالإجماع لغير ساكن مكة.
-وأما أهل مكة فلا عمرة عليهم عند ابن عباس وأصحابه من علماء مكة كطاوس وعطاء ونص عليه أحمد.

•وتنقسم شروط الحج والعمرة إلى ثلاثة أقسام:
-شروط وجوب وصحة وهي الإسلام والعقل، فلا تجب ولا تصح من كافر ولا مجنون.
-شروط وجوب وإجزاء، وهي البلوغ والحرية، فلا تجب على صغير وعبد ويصح منهما ولكن لا يجزئ عن حجة الإسلام.
-شروط وجوب فقط وهو الاستطاعة، فلا تجب على غير مستطيع فإن حج وقع صحيحا مجزئا.
*وهناك شروط مترددة بين شروط الوجوب وبين أن تسمى (شروط لزوم السعي) وهي:
-تخلية الطريق وإمكان المسير.
-والمحرم للمرأة.
فإن قيل بأنها من شروط الوجوب، فلا يتوجه الخطاب للمكلف بالوجوب إلا بتحققها، وهي داخلة ضمن شرط الاستطاعة.
وإن قيل بأنها من شروط لزوم السعي؛ فلو كملت الشروط الخمسة ثم مات قبل شرطي لزوم السعي حُج عنه بعد موته، وكذا لو أعسر قبل وجودهما بقي الحج في ذمته.

•ومن الفروق في شرط الاستطاعة: أن من بُذل له ما يحج به لم يصر مستطيعا بذلك إلا إن بذله ولده، فقد قال الشافعي: إن بذله له ولده صار مستطيعا.

•ومن الفروق في شرط الاستطاعة؛ الفرق بين الزاد والراحلة -إذا قلنا بأن الاستطاعة ملك زاد وراحلة- :
فيختص اشتراط الراحلة بالبعيد دون القريب الذي يمكنه المشي، بخلاف الزاد فيشترط وجوده بكل حال.

• إذا عتق العبد وبلغ الصبي بعرفة أو بعد خروجه لمزدلفة -قبل خروج الوقت- فهو قسمان:
- أن يكون لم يسع سعي الحج من قبل -ورجع لعرفة إن كان قد دفع منها- ما دام في وقت الوقوف فيجزئ حجه عن حجة الإسلام.
-أن يكون قد قدّم سعي الحج مع طواف القدوم -إن أحرم مفردا أو قارنا- فلا يجزئ عن حجة الإسلام، لأن السعي لا يشرع تكراره ولا الزيادة على عدده، بخلاف الوقوف فاستدامته مشروعة ولا قدر له محدود.

•والدين المانع للاستطاعة قسمان:
-حقوق الله تعالى كزكاة في ذمته، أو كفّارات.
-ديون الآدميين.

•ومن لم يكن له مال إلا دين على آخر فهو على قسمين:
-أن يكون على مليء باذل فيلزمه الحج لأنه قادر.
-أن يكون على معسر أو مماطل فلا يلزمه.

•المكلف -الذي وجدت فيه شرائط وجوب الحج قسمان:
-إما أن يكون قادرا على الحج.
-وإما أن يكون عاجزا عنه.
*والقادر قسمان أيضا:
-أن يكون قد حج حج الفريضة.
-أو يكون ممن لم يحج حج الفريضة:
فإن كان لم يحج حجة الإسلام فلا يجوز له أن يستنيب غيره بالإجماع.
وإن كان قد حج حج الفريضة ففي استنابته لغيره في التطوع قولان لأهل العلم، هما روايتان عن أحمد، وبجوازه قال أبو حنيفة ومنع من ذلك الشافعي.

*وأما العاجز عن الحج فهو قسمان:
- فإما أنه لم يحج حجة الإسلام من قبل
- أو أن يكون قد حج حج الفريضة .
*فإن كان لم يحج فرضه فهو قسمان:
 -إما أن يكون يائسا من زوال عجزه، كالشيخ الفاني ومن له مرض لا يرجى برؤه وكذلك الزمن.
-وإما أن يكون ممن يرجى زوال عجزه.

*والميؤوس من زوال عجزه على ثلاثة أقسام:
-أن يجد مالا ويجد من ينوب عنه فيجب عليه أن يستنيب عنه من يحج عند الجماهير.
-أن يجد مالا ولا يجد من ينوب عنه؛ فهو مبني على مسألة إمكان المسير هل هو من شرائط الوجوب أو من شرائط لزوم السعي.
-أن لا يجد مالا فلا حج عليه بغير خلاف.

*وإن كان غير ميؤوس من زوال عجزه:
- فإن لم يحج حجة الإسلام فليس له الاستنابة فإن النص إنما ورد في الشيخ الكبير وهو ممن لا يرجو زوال عجزه .
وإن كان قد حج فتجوز الاستنابة في التطوع لمثله عند كثير.
والفرق بينه وبين الفرض أن الفرض عبادة العمر، فلا يفوت بتأخيره حتى يبرأ، والتطوع مشروع كل عام فيفوت حج هذا العام بتأخيره.
وفرق ثانٍ: أن حج الفرض إذا مات قبل فِعله فُعل بعد موته، وأما حج التطوع فلا يفعل بعد الموت فيفوت.

•والدماء الواجبة على النائب قسمان:
-ما لزمه بفعل محظور فهي عليه في خاصّة ماله لأنها جنايته فهي عليه.
-وأما دم المتعة والقران فهي على المستنيب إذا أذن له في هذا النسك، ومثله دم الإحصار لأنه للتخلص من مشقة السفر فهو كنفقة الرجوع.

•ومن الفروق الصحيحة الفرق بين الاستنابة عن الحي والاستنابة عن الميت، فلا تجوز الاستنابة عن الحي إلا بإذنه فرضا كان أو تطوعا، بخلاف الميت فلا يتصور ذلك وقد أمر النبي ﷺ بالحج عن الميت وقد علم أنه لا إذن له.

•من الفروق المستقيمة: الفرق بين منع الزوج لزوجته في حج الفرض وحج التطوع، فلا يجوز للزوج منع امرأته من حجة الإسلام عند كثير من أهل العلم، وأما التطوّع فقال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن له منعها من الخروج إلى الحج التطوع.

•ومن الفروق في أحكام المستنيب في مذهب أحمد ونص عليه، أن من مات وقد وجب عليه الحج أخرج عنه ويحج عنه من حيث وجب عليه، بخلاف من أوصى بحج تطوع فقال أحمد: التطوع ما يبالي من أين كان.

•ومن الفروق الصحيحة في النيابة في الحج:
أن الصبي والعبد لا يجوز لهما النيابة عن أحد في فرض حجه، فإنهما لم يسقطا الحج عن نفسيهما، بخلاف نيابتهم عن غيرهما في حجة تطوع فيحتمل أن لهما ذلك.

•والصبي في باب الإحرام على قسمين في مذهب أحمد وغيره:
-أن يكون مميزا فيحرم بإذن وليه، فإن أحرم بغير إذنه لم يصح، لأنها عبادة تؤدي إلى لزوم مال فلا ينعقد من الصبي بنفسه.
- وإن كان غير مميز فيحرم عنه (ولي المال) كالأب والوصي.

•من الفروق في مذهب أحمد: أن من ناب عن الصبي في الرمي فلا يرمي عنه حتى يرمي عن نفسه، بخلاف الطواف فيصح أن يطوف به محمولا من يطوف لنفسه .

•المحظورات في حق الصبي قسمان:
-ما لا يختلف عمده وسهوه فيجب فيه الضمان بكل حال كالصيد وحلق الشعر وتقليم الأظفار.
- ما يختلف عمده وسهوه كلبس المخيط والطيب فلا فدية فيه على الصبي لأن عمده خطأ.

• المواقيت قسمان:
-زمانية وهي أشهر الحج للحج، وأما العمرة فلا تأقيت لها في الزمن.
-ومكانية وهي قسمان:
-ما أجمع عليها أهل العلم واتفق أهل النقل على صحة حديثها مرفوعا إلى النبي ﷺ وهي:
ذو الحليفة لأهل المدينة ، والجحفة لأهل الشام ومصر، ويلملم لأهل اليمن وقرن لأهل نجد، وحديثها ثابت في الصحيحين عن ابن عباس.
-ما اختلف العلماء في صحة حديثه مرفوعا؛ وهو ميقات ذات عرق لأهل العراق، وقد صح من اجتهاد عمر كما في البخاري، لمحاذاته لقرن المنازل، والحديث المرفوع مختلف في صحته وقد تردد الرواي فيه عن جابر المخرج في مسلم، وأما حديث عائشة فضعيف.

•ومن الفروق الصحيحة الفرق بين إحرام المكي بالعمرة وإحرامه بالحج:
-فيحرم بالحج من مكة.
-ويحرم بالعمرة من الحل، ليجمع في عمرته بين حل وحرم، لأن أفعال العمرة كلها في الحرم، بخلاف الحج فإنه يفتقر إلى الخروج إلى عرفة فيجتمع له الحل والحرم.

•ومن الفروق بين الآفاقي والمكي:
- أن العمرة مشروعة للآفاقي بالإجماع، بخلاف المكي فاختلف فيه على قولين، ومذهب ابن عباس وعطاء ورواية عن أحمد أنه ليس لهم عمرة كما سبق .
-أن المكي لا رمل في حقه ولا اضطباع.
-أن المكي لا وداع عليه.

•ومن الفروق بين تمتع المكي وتمتع غيره -إذا قلنا بجواز العمرة له- أنه لا يجب عليه دم متعة لقول الله: "ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام".

•من تجاوز الميقات -مريدا للنسك- ولم يحرم قسمان:
-أن يرجع دون أن يحرم ثم يحرم من الميقات، فهذا هو الواجب عليه ولا شيء عليه بلا خلاف.
-أن يحرم بعد الميقات وهذا على قسمين:
-أن يرجع بعد إحرامه إلى الميقات فقد ذهب بعضهم إلى سقوط الدم وهو مذهب الشافعي.
-أن لا يرجع وهذا عليه دم عند أكثر العلماء.

•والمسلم المكلف إذا جاوز الميقات غير مريد النسك على قسمين:
-أن لا يريد دخول الحرم بل له حاجة دون ذلك؛ فهذا لا يلزمه الإحرام بالإجماع.
-أن يريد دخول الحرم لغير حاجة متكررة، فيجب عليه الإحرام ولا يجوز له مجاوزة الميقات من غير إحرام عند أحمد وغيره، وفيه عن الصحابة اختلاف.

•ومن الفروق في المذهب؛ الفرق بين التطيب في البدن لمريد الإحرام فيستحب، والتطيب في الثوب فيكره.
وإن لبس قبل الإحرام مطيبا فله استدامة لبسه، فإن نزعه لم يكن له أن يلبسه بعدُ، وفي مذهب أحمد قول بتحريم ذلك ابتداء.

•ومن الفروق في مذهب أحمد الفرق بين تلبية المحرم في الأمصار فلا تشرع، ولكنها تشرع إذا برز من الأمصار.


•محظورات الإحرام ثلاثة أقسام:
١) ما تجب فيه الفدية في حق غير المعذور دون المعذور بنسيان أو جهل أو إكراه فليس عليهم فدية، ونحوه وهي ثلاثة:
-لبس المخيط للرجل
-تغطية الرأس له
-مس الطيب

٢) ما تجب فيه الفدية دون فرق بين معذور وغيره وهي أربعة:
-قص الشعر
-وتقليم الأظفار
-وقتل الصيد
-والوطء في الفرج قبل التحلل الأول.

٣) ما لا فدية فيه بحال وهو:
عقد النكاح، ولكن يفسد هذا النكاح عند جماهير العلماء.

•ومن الفروق الصحيحة الفرق بين دلالة الحلال المحرم على الصيد فلا يضمن الحلال، إلا إن كان في الحرم، وبين دلالة المحرم الحلال فعلى المحرم الضمان، لحديث أبي قتادة قال ﷺ لرفقته: "هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليه".

•ومن الفروق التي جاء ما يدل عليها في النصوص؛ الفرق بين المحرم الذي صِيْد من أجله الصيد فلا يحل له، وبين من لم يصد من أجله فله الأكل منه، وقد دل على ذلك: أن النبي ﷺ أكل من صيد أبي قتادة، ولم يأخذ صيد الصعب بن جثامة وهما مخرجان في الصحيحين، وهذا التفريق من وجوه الجمع بين النصين، ويقويه ما ثبت في الموطأ عن عثمان: أنه أهدي إليه صيد وهو محرم، فقال لأصحابه: "كلوا ولم يأكل هو، وقال : إنما صيد من أجلي".

•ومن الفروق الفرق بين أكل المحرم من صيده الذي صاده، وأكله من الصيد الذي صيد لأجله، فيضمن في الأول للقتل بمثله من النعم لأنه صاده وليس لأنه أكل، وأما في الحال الثانية فيضمن مثل ما أكل من اللحم، لا كله.

•والنبات الذي تستطاب رائحته قسمان:
-ما لا ينبت للطيب، ولا يتخذ منه، كالتفاح والخزامى، فهذا يباح شمه ولا فدية فيه عند عامة أهل العلم.
-ما ينبته الآدميون للطيب سواء اتخذ منه الطيب كالورد والياسمين، أو لم يتخذ كالحبق والنرجس ففيه خلاف بين الصحابة فمن بعدهم من فقهاء الأمة.

•وشعر البدن على قسمين: منصوص وغير منصوص:
-شعر الرأس فقد جاء النص بحظر أخذه على المحرم.
-شعر سائر البدن، وهو مقيس على شعر الرأس، وليس فيه نص.

•وما يؤكل من أنواع الطيب أو يوضع مع مأكول ومشروب كالزعفران قسمان:
-أن تبقى رائحته فلا يباح للمحرم تناوله، لأن الاستمتاع والترفه حاصل به.
-أن تذهب رائحته وطعمه فهو مباح في قول عامة أهل العلم.

•ومن الفروق الفرق بين مس الطيب وشمه، فمسه محرم مطلقا بدلالة النص والإجماع، بخلاف شم الطيب -مما لم يضعه على بدنه قبل الإحرام- فإنه إنما يحرم إذا كان بقصد شمه، فإن وجده دون قصد شمه فلا جناح.

•والمرأة كالرجل في جميع مناسك حجهما، ولكن تفارقه في أمور:
-لا ترفع صوتها بالتلبية بالاتفاق.
-ولا تصعد الصفا.
-ولا ترمل ولا تسعى في بطن الوادي بين الصفا والمروة.
-ولا حِلاق في حقها، ولكن تقصر قليلا من أطراف شعرها.
-وهي مثله فيما يجتنبه المحرم فتجتنب كل ما يجتنبه الرجل، وتفارقه في:
-اللباس بالإجماع، قال ابن المنذر: "أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المرأة ممنوعة مما منع منه الرجال، إلا بعض اللباس"، ولذا لا يشرع لها اضطباع، لكونها عورة فأبيح لها اللباس للستر ، كما أبيح للرجل عقد إزاره كيلا يسقط فتنكشف عورته.
-وفي الاستظلال بالمحمل عند بعض أهل العلم.

• ومن الفروق في مذهب أحمد الفرق بين تزوج المحرم فلا يصح عقده بلا خلاف في مذهب أحمد، وهو قول أكثر أهل العلم، بخلاف إذا زوّج المحرم غيره فقد جاء عن أحمد صحة النكاح، والمذهب عدم الفرق بينهما.

•ومن الفروق الصحيحة الفرق بين ابتداء عقد النكاح فلا يجوز، وبين إرجاع الزوجة المطلقة؛ فالمشهور عن أحمد إباحتها وهو قول أكثر أهل العلم.

•ومن الفروق الصحيحة؛ الفرق بين عقد النكاح وبين شراء الإماء، فإن شراء الإماء يباح للمحرم بلا خلاف.

•والوطء والمباشرة في الإحرام عند الحنابلة أقسام:
-أن يطأ في الفرج قبل التحلل الأول ولو لم ينزل، أو يطأ دون الفرج وينزل؛ فيفسد نسكه وعليه إتمامه وقضاؤه وفدية بدنة.
-أن يطأ دون الفرج بغير إنزال، أو يقبل وينزل قبل التحلل الأول ففيه بدنة ولا يفسد نسكه.
-أن يكرر النظر فينزل ففيه دم.
-أن يكرر النظر فلا ينزل فليس فيه شيء.

•ومن الفروق الفرق بين ما يحرم ويضمن في الحرم وما يحرم ويضمن في الإحرام؛ فهما متفقان إلا في مسألتين:
- القمل فمباح في الحرم بلا خلاف، وأما في الإحرام فعلى قولين.
- وصيد البحر، فهو مباح في الإحرام بغير خلاف، وأما في الحرم فعن أحمد روايتان.

•ومن الفروق الفرق بين حرم مكة وحرم المدينة، فهما يفترقان في أمور:
-أن حرم مكة مجمع على تحريم صيده وقطع شجره، بخلاف تحريم المدينة فقد خالف فيه أهل الكوفة .

-جواز أخذ ما تدعو له الحاجة من شجر المدينة، بخلاف مكة.
-من صاد صيدا خارج المدينة ثم أدخله إليها لم يلزمه إرساله، نص عليه أحمد، لحديث النغر، فإن النبي ﷺ قال لأخي أنس: "يا أبا عمير ما فعل النغير" كما في الصحيحين.
-اتفاق أهل العلم على أصل الجزاء في حرم مكة، بخلاف حرم المدينة فأكثرهم على عدم مشروعية الجزاء فيه.

•والفرق بين الفوات والإحصار، أن الفوات مُتعلقُه الوقت، وذلك بفوات ما لا يتم الحج إلا به، وهو الوقوف بعرفة، وأما الإحصار فمتعلقه المكان وذلك بالحبس عن مكان النسك.
فمن أحصر عن الحج فتحلل فلا قضاء عليه على أصح قولي العلماء، لأن النبي ﷺ ومن معه بالحديبية لما صدهم كفار قريش لم ينقل أنه ﷺ أمر أحدا بالقضاء.
وأما من فاته الوقوف بعرفة فإنه يتحلل بعمرة ويذبح ويحج من قابل عند أكثر أهل العلم.
والفرق أن المحصر غير منسوب إلى تفريط، بخلاف من فاته الحج فمثله قد يكون وقع له ذلك لنوع تفريط.

•ومن الفروق بين الإحصار والفوات -في صيام البدل عن الهدي إذا قلنا بأن على المحصر بدل صيام- أن المحصر لا يتحلل حتى يقضي صيامه، وأما من فاته الحج فبخلافه.

•ومن الفروق بين المحصر وبين من أتم نسكه في باب نية التحلل؛ أنها واجبة على المحصر بخلاف غير المحصر ممن أكمل نسكه فلا يحتاج إلى نية.

•ومن حبس عن البيت قسمان:
 -أن يحصره عدو (مسلم أو كافر) فهذا يأخذ أحكام الإحصار بلا خلاف.
-ومن حبس بمرض أو عرج أو ذهاب نفقة أو حبس بحق؛ فقد اختلف في اعتباره من أهل الإحصار على قولين:
-فجاء عن عمر وابن عباس أنه لا يجوز له التحلل بل هو على إحرامه حتى يقدر على البيت، لأنه لا يستفيد بالإحلال انتقالا من حاله وخروجا من سبب حصره الذي آذاه، وهذا قول كثير من الفقهاء.

-وعن أحمد رواية أخرى أن له التحلل بذلك، وهذا قول ابن مسعود، لأنه داخل في عموم الإحصار، وقد روى أهل السنن أن النبي ﷺ قال: "من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى".

•ورفض العبادة قسمان:
رفض لا يخرج به المكلف من العبادة ولا يفسدها؛ وهو رفض الإحرام، فإنه لا يتحلل منه بذلك، بل إحرامه باق.
ورفض يخرج به المكلف من العبادة وهذا جار في سائر العبادات.

•والاضطباع والرَمَل سُنتان في الطواف الأول للمتنسك غير المكي ، بدلالة الخطاب النبوي ولكن بينهما فرق:
-فالرمل مجمع عليه، بخلاف الاضطباع فهو سنة عند جماهير العلماء وخالف مالك في ذلك فلم يره سنة.
-والرمَل سنة في الأشواط الثلاثة الأوَل وأما الاضطباع فهو سنة في كل أشواط الطواف الأول للمتنسك.

•والطواف والسعي نسكان من المناسك بالإجماع، ولكن يفارق الطواف السعي في أمور:
-أن الطواف مجمع على أنه ركن من أركان الحج والعمرة، بخلاف السعي فمختلف في ركنيته.
-أن الطواف عبادة على حياله ولو في غير نسك، بخلاف السعي فليس يُشرع إلا في نسك من حج أو عمرة.
-الطواف مشروع في النسك ولو لم يسعَ عقبه، بخلاف السعي فلا يشرع إلا عقب طواف.
-يشترط في الطواف الطهارة (من الحدث والنجس) والستارة، بخلاف السعي فلا يشترط فيه ذلك.
-تجب الموالاة بين أشواط الطواف، بخلاف السعي فهو أوسع، ولذا قال أحمد، لما سئل عن ذلك قال: "أمر الصفا سهل".

•والمحدِث في الطواف قسمان:
-من أحدث عمدا في طوافه فيتطهر ويبتدئ طوافه عند أكثر العلماء.
-وأما إذا سبقه الحدث ففيه قولان:
يبتدئ وهو مذهب مالك ورواية عن أحمد، لأن الطهارة شرط للطواف.
يتطهر ويبني على ما سلف من أشواط، وهو مذهب الشافعي وإسحاق ورواية عن أحمد، لأن الموالاة تسقط للعذر.

•ومن الفروق الصحيحة الفرق بين جمع الصلاة وقصرها للمتنسك؛ فالجمع بين الصلاتين في عرفة ومزدلفة لكل الحاج عند عامة السلف، وهو جمع حاجة يجوز ولو بغير عذر سفر، وأما القصر فلا يجوز لأهل مكة على أصح قولي أهل العلم، لأنهم مقيمون، والقصر للسفر لا للنسك.

• ومن الفروق الصحيحة الفرق بين أن يخطئ الناس العدد فيقفوا في غير يوم عرفة فإنه يجزئهم، وبين أن يخطئ بعضهم فإنه لا يجزئهم، لأنهم غير معذورين في ذلك.

• ومن الفروق التي دلت عليها الأدلة، الفرق بين رمي يوم النحر، ورمي أيام التشريق الأخرى:
-فقد رمى النبي ﷺ جمرة العقبة في يوم النحر راكبا، ورمى أيام التشريق ماشيا.
-ووقت الرمي يوم العقبة بعد طلوع الشمس على سبيل الأفضلية وهذا وقت لها بالإجماع، ويجوز قبل ذلك عند أكثر أهل العلم، ويمتد وقت الرمي إلى فجر اليوم الثاني، لحديث اﺑﻦ ﺳﺎﺑﻂ ﻗﺎﻝ: "ﻛﺎﻥ ﺃﺻﺤﺎﺏ ﺭﺳﻮﻝ ﷺ ﻳﻘﺪﻣﻮﻥ ﺣﺠﺎﺟﺎ، ﻓﻴﺪﻋﻮﻥ ﻇﻬﺮﻫﻢ ﻓﻴﺠﻴﺌﻮﻥ ﻓﻴﺮﻣﻮﻥ ﺑﺎليل" رواه ابن أبي شيبة.
وأما باقي أيام التشريق فيبتدئ وقتها بعد الزوال وينتهي بطلوع فجر اليوم التالي للحديث السابق.

•الأطوفة المشروعة في النسك ثلاثة أقسام:
-طواف القدوم وهو سنة، ويختص بالرمَل والاضطباع.
-طواف الإفاضة وهو طواف الزيارة وهو ركن الحج، لا يتم إلا به بالإجماع.
-وطواف الوداع وهو واجب من تركه لغير عذر ففيه الدم.
وما عدا ذلك فهو من النفل المطلق.

•ومن الفروق الفرق بين من تعمد مخالفة ترتيب أعمال يوم النحر، ومن فعل ذلك ناسيا:
-فمن فعل ذلك ناسيا فلا شيء عليه في قول كثير من أهل العلم .
-ومن فعله عامدا عالما بمخالفة السنة فعن أحمد روايتان، والقول بوجوب الدم مذهب سعيد بن جبير وقتادة وغيرهما، قالوا: لأن النبي ﷺ سئل فقال من سأل: "لم أشعر.." .

•وللهدي وقتان:
-وقت وجوب، فيجب إذا أحرم بالحج.
-ووقت ذبح، وهو يوم النحر، فلا يجوز ذبحه قبل ذلك.

•والسقاة والرعاة قد جاء النص بإعذارهم في ترك المبيت بمنى، ولكن افترقا:
أن الرعاء إذا بقوا بمنى حتى غابت الشمس لزمهم البيتوتة بخلاف السقاة، لأن الليل ليس وقتا للرعي بخلاف السقاية، وكذا كل مَن عذِر بعذر يترك به واجب مبيت منى فاختلاف شغله في الليل والنهار مراعى.

•والصيد للمحرم قسمان:
١ - صيد مباح وهو ثلاثة أنواع:
- المضطر فيصيد ليدفع الهلكة عن نفسه وهو مباح بلا خلاف، ولكنه مضمون يجب فيه الجزاء.
-دفع الصائل إذا لم يندفع إلا بقتله، ولا ضمان عليه.
والفرق بينه وبين ما قبله: أنه قتل لدفع شره، فهو ملتحق بالمؤذيات طبعا، ولذا لا ضمان على من دفع آدميا صائلا فلم يندفع إلا بقتله، بخلاف ما قبله فقد قتل لجلب مصلحة المحرم.
-إذا خلّص صيدا من شبكة أو سبع فتلف، لأنه فعل فعلا مأذونا له فيه، وما ترتب على المأذون فهو غير مضمون.

٢ - صيدٌ محرم وهو صيد الحيوان البري -بطبعه- المأكول من غير سبب يبيح قتله، وفيه الجزاء.

•من أحرم وتحت ملكه صيد فهو قسمان:
-أن يكون الصيد تحت يده المشاهدة، كأن يكون في قبضته أو رحله أو في قفص له معه، فهنا يلزمه إرساله في مذهب أحمد وغيره.
-أن يكون الصيد تحت يده الحكمية، كأن يكون في بلده، فلا يلزمه إرساله.
والفرق بين المسألتين:
أنه في حال يده الحكمية لم يحصل منه صيد بعد إحرامه ولا فعل مباشر، بخلاف يده المشاهدة فإنه حصل منه فعل الإمساك، إمساك الصيد، فكان ممنوعا منه كحالة الابتداء.

•ومن الفروق الصحيحة الفرق بين الهدي والإطعام وبين الصيام، فكل هدي وإطعام فهو لمساكين الحرم؛ إلا من أصابه أذى من رأسه، فيفرقه على المساكين في الموضع الذي حلق فيه.
وأما الصيام فيجزئه بكل مكان.

وأسأله سبحانه أن يرزقني وإياكم القبول، وأسأله أن يوفقنا لطاعته، آمين.
والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
-أبو المثنى محمد آل رميح.


أوراق فقهية - ١١ - (من مواعظ الفقه).

                بسم الله الرحمن الرحيم
                  ( من مواعظ الفقه )
     الحمد لله والصلاة والسلام على رسول ﷲ، أما بعد:
     ففي ثنيّات كتب الفقه والفروع ستجد إشراقات من الرقائق والمواعظ تخشع لها القلوب، وتدمع لها العيون، خارجة عن منوال الأحكام العملية والتفاصيل الفقهية المجردة.
     على أن صاحب العلم والدراسة والبحث -وإن لم يباشر تلك المواعظ- سيجد في نظره ودراسته لأحوال النبي ﷺ وأفعاله وأحكام دينه؛ موعظة وأي موعظة، فلقد يبلغ القلب الطاهر أن تُخْشعه المسألة الفقهية العارضة والفائدة العلمية الشاردة؛ التي ربما لا يخشع لها كثير غيره ولا يجدون لها في نفوسهم موعظة، ولكنّ لبعض القلوب من الصفاء والشفوف ما يبصر به من نور الوحي ما لا يبصره غيره.

     وتجد كثيرًا من ذلك منثورًا في طيّ بعض كتب الفقه في أبواب متفرقة، كما تجده في أبواب صلاة الكسوف، وصلاة الجنائز، وفي كتاب الإجارة (في مسائل الأجرة على القربات) ونحو ذلك.

•• واقتران الوعظ بالأحكام العملية سبيل قرآني، يظهر لك بأدنى تأمل في سياقات آيات الأحكام، كما تراه في ختام آية تحويل القبلة من سورة البقرة، فقال ﷻ: "وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم"، وكما في توسط قوله تعالى: "وإذا سألك عبادي عني فإني قريب" آيات الصيام ، وكختام آية إتمام الحج والعمرة، وهي الآية التي ذكر فيها أحكام دماء الجبران والشكران للمتنسكين فختمت بقوله تعالى: "واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب: "ولطالما والله تعجبت من هذه الخاتمة المجللة برهبة الوعيد والتحذير وسأذكره بعدُ، ولكن الذي تعكف عنده القلوب حقا؛ هو ذلك الانتقال الشجي بعد سياقات آيات الطلاق والعدد ومتعة المطلقة والخطبة وأحكام الاسترضاع؛ حتى إذا طال السياق في تقرير الأحكام العملية أتى التذكير بالصلاة والذكر فقال سبحانه: "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين، فإن خفتم فرجالا أو ركبانا"، ثم عاد السياق إلى ذكر بعض تفاصيل الأحكام الفرعية .
فهذا مثال قليل من سورة واحدة يطلعك على ما وراءه من الوعظ الفقهي القرآني، وهو أمر أخذ من اهتمام أهل العلم مأخذا كريما، وكتبت فيه كتابات حسنة شريفة.
     وللقرآن طرائق جليلة في الوعظ المقترن بالأحكام الفقهية، فمنها:
• اقتران الحكم الفقهي بذكر المآب والمرجع لله، والتذكير بالآخرة، كما جاء في قوله تعالى: {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون}، فذكّر بالحشر والمآب لله في ختام آيات الحج من سورة البقرة، فنفَذ القرآن من الحشر الأصغر في الحج إلى التذكير بالحشر الأكبر يوم القيامة.
     ومثله قول ﷲ ﷻ: {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا ﷲ واعلموا أنكم ملاقوه وبشّر المؤمنين}، وهذا تعقيب عجيب لمثل هذا الحكم، فإنه عقبه بأربع مواعظ، جعلت بعض أئمة التفسير يتعجب من سياقه حتى ردّ ما جاء فيها من موعظة الأمر بالتقديم للنفس لما قبلها من الأمر بالوصية.

• ومن طرائق القرآن الوعظية عند ذكر الأحكام الفقهية الانتقال من ذكر المحسوس المشهود للمعنى القلبي الوعظي، كما في قوله ﷻ: {الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى}.
فأمر ﷻ بالتزود في الحج بالزاد والمطعوم، كما روى البخاري عن ابن عباس رضي عنهما قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن المتوكلون، فنزلت: {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى}.
فانتقل من المحسوس المشاهد الدنيوي إلى الموعظة بشأن الآخرة.
     ومثله قوله ﷻ: {قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير}.
فانتقل السياق القرآني من ذكر المنة باللباس في الستارة والتجمل إلى ذكر زينة الإيمان ولباس التقوى، وهو موضع موعظة للمؤمن، ينفذ من تأمله اللباس المحسوس المشاهد إلى العبرة في لباس التقوى.

• ومن طرائق القرآن الوعظية عند ذكر الأحكام الفقهية، تعقيبه للحكم الفقهي بالوصية بتقوى ﷲ كما في ختاه الآية من قوله تعالى: {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} حتى ختمها بقوله ﷻ: {واتقوا ﷲ لعلكم تفلحون}.
     وكما في قوله تعالى: {الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله}.
     وكما في ختام آية إتمام الحج والعمرة، قال تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} حتى ختمها بقوله: {واتقوا ﷲ واعلموا أن ﷲ شديد العقاب}، وهذا ختام جليل لهذه الآية التي ذكر فيها دماء الشكران والجبران، والتي يبحث الفقهاء فيها أحكام فدية الأذى، وأحكام البدل بالصيام، والتفريق بين حاضري المسجد الحرام والآفاقي ونحوها من الأحكام، فختمت بهذا الختام الخاشع.
     ومن اللطيف اقتران الأمر بالتقوى بأحكام الجوارح في الصيد كما في قوله ﷻ: {فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم ﷲ عليه واتقوا الله}.

• ومن الطريقة القرآنية في التقرير الفقهي بث التعابير الاعتراضية الوعظية في طيّ سياق الحكم الفقهي.
     ومن ذلك ما جاء عند ذكر حكم التزوج بالإماء عند العجز عن نكاح الحرة، قال ﷻ: (وَمَن لَّمۡ یَسۡتَطِعۡ مِنكُمۡ طَوۡلًا أَن یَنكِحَ ٱلۡمُحۡصَنَـٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَـٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتۡ أَیۡمَـٰنُكُم مِّن فَتَیَـٰتِكُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَـٰتِۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِیمَـٰنِكُمۚ).
ففي قوله: (وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِیمَـٰنِكُمۚ) معاني:
- تأنيس المؤمن بنكاح الأمة التي لعله أن يجد في نفسه استنكافا من نكاحها، فذكر وصف الإيمان تسكينا لنفرة قلبه، وطردا لجاهلية النفوس.
- ولما ذكر وصف الإيمان وما يحمل من وصف مادح نبّه على أن العالم ببواطن القلوب وحقيقة صدق الإيمان هو ﷲ ﷻ، ليدفع عن النفس صولة الركون إلى الوصف الظاهري، وليأخذ في العناية بتحقيق شرف الإيمان حقا.


محمد آل رميح .
٩ / ٥ / ١٤٣٨ هـ

الأحد، 22 يناير 2017

أبوة العلـم.

                بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ..
أما بعد :
فإن الحديث عن قَرابةِ العلم ونسبِه ربما يدفعه ويتعجب منه من حُرِم رابطة العلم وقرابته ورَحِمه ولم يتصل له به نسب إلى أهله .
فأما من خالطت قلبه أنسَة الطلب، ولذة التتلمذ، وشامّ أهل العلم وتأدّب في حلقهم وتحنّك بحِناكهم؛ فليس يُنكر مما يجده في هذه السطور؛ إلا ما يرى من قصور عبارتي عن درْك هذا الأمر والإحاطة به .

• وأبوة العلم والتعليم شعبة من الهدي النبوي، فقد ثبت في سنن أبي داود عن أبي هريرة قال : قال ﷺ : " إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم " .
سنن أبي داود ( ٨ ) .
وفي مصنف عبد الرزاق عن ﺑﺠﺎﻟﺔ اﻟﺘﻤﻴﻤﻲ في قصة عمر مع أبي بن كعب وفيها أن في مصحف أُبي : " اﻟﻨﺒﻲ ﺃﻭﻟﻰ ﺑﺎﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ ﻣﻦ ﺃﻧﻔﺴﻬﻢ ﻭﻫﻮ ﺃبوهم " . ( ١٨٧٤٨ )
فهذه أبوة رعاية وتعليم، وهي من جهة أمته بنوة إجلال وتوقير وحرمة، والعلماء ورثة الأنبياء، فلهم من تحقيق الأبوة ورعاية صفتها بحسب ما لهم من اتباع هدي النبي ﷺ .

• وقد بلغ من تعظيم ذِمام العلم وحفظ لِبانه عند أهله؛ أن تراهم يَنْحلون هذه الصِّلة المعنوية والقرابة الأدبية كلّ مَن تعلق بهم باستفادة ودراسة، ولذا كان الشيخ أبو إسحاق الشيرازي - فقيه الشافعية - يقول : " من قرأ عليّ مسألة فهو ولدي " .
طبقات الشافعية ( ٤ / ٢٢٦ ) .

• بل قد تبلغ منزلة الطالب الصالح أعظم عند الشيخ من منزلة الولد وأحب !
قال مالك بن دينار : أتينا أنس بن مالك رضي الله عنه أنا وثابت البناني ويزيد الرقاشي، فنظر إلينا فقال : " ما أشبهكم بأصحاب محمد ﷺ ، لأنتم أحب إلي من عدة ولدي إلا أن يكونوا في الفضل مثلكم، إني لأدعو لكم في الأسحار " .
تاريخ دمشق ( ٥٦ / ٣٩٨ ) .

• وكما قام ذلك المعنى بقلوب الأشياخ والعلماء، فقد كان حاضرا في نفوس التلاميذ والأصحاب يرعونه رعايته ويَرْبُونه، ومما اشتهر في بابه؛ ما قاله الإمام النووي في المجموع، حين تحدث عن عثمان بن سعيد الأنماطي قال : " وهو أحد أجدادنا في سلسلة الفقه " المجموع ( ١ / ١٥٦ ) .
وقد كرّر الإمام النووي هذا المعنى في مواضع، فذكر ذلك عن ابن سريج . المجموع ( ١ / ١٥٩ )
وسفيان بن عيينة .
( ٣ / ٣٨ )
والماسرجسي .
( ٣ / ٣٨٦ )
وغيرهم .

• وإن من بركة العلم أن يعتقد صاحبه هذه الرتبة في تبليغ العلم، وأن يلتزم بلازمها، فيصطنع لطلابه ما يصطنعه الوالد مع أبنائه من الإكرام والعطاء والحياطة والتربية .

ومن لازم ذلك بذل العلم لطلابه بسخاوة خاطر، طيّبة به نفسُه، دون عنت وشمَز، وقد كان أحمد بن سليمان الصواف المالكي - وهو من رجال سحنون وأصحابه - يقول : " أنا حبس وكتبي حبس ! " .
 الديباج المذهب ( ٩٥ ) .

فانظر هذا المنزل الرقيق الذي أنزله نفسه، حتى شبّهها بالأحباس الموقوفة المبذولة لمن مدّ يده من أصحابها .

• والأبوة العلمية داعية لذلك مقتضية له، فإن خاصّتها من الأخلاق؛ احتمال الطلاب في طلبهم، وعدم التحامي عنهم، وقد جاء في ترجمة الحافظ أبي نعيم الأصبهاني : " أنه كان يقرِئ إلى قريب من الظهر، فإذا قام إلى داره كان يُقرَأ عليه في الطريق، وكان لا يضجر من ذلك " .
 تاريخ الإسلام (  ٩ / ٤٦٨ ) .

• ومن الأخبار العظيمة التي تدل على برهم بطلابهم والتحنن عليهم، أن أسد بن الفرات حين قدم على ابن القاسم ليأخذ عنه، قال ابن القاسم : " كنت أختم في اليوم والليلة ختمتين، فقد نزلت لك عن واحدة ! .. رغبة في إحياء العلم "
سير أعلام النبلاء ( ٧ / ٥٤٧ )

• وقد ذكر ابن اللباد اللغوي الطبيب أنه أخذ على الوجيه الواسطي في اللغة وهو صبي قال : " فكان يأخذني بكلتا يديه ويعلمني بوجوه كثيرة من التلطف، فإذا خرجنا من المسجد ذاكرني في الطريق .. " .
عيون الأنباء في طبقات الأطباء ، لابن أبي أصيبعة ( ٦٨٤ ) .

• وهذا ليس مما يتعجب منه عند أولئك الأطهار، لكن انظر هنا خبر سعيد بن المسيب في بذله للعلم وتبليغه وهو على مشفر الموت، وكان سعيد قد أُخذ بأمر عبد الملك بن مروان، وأُقيم في الشمس، وظنوا أنه سيقتل فدنا منه قتادة قال : " وجعلت أسأله خوفا من أن يفوتني، وهو يجيبني حسبة !
والناس يتعجبون " .
السير ( ٤ / ٢٣٢ )

• ثم ألم تسمع كلمة البر من الشافعي للربيع بن سليمان يوما : " لو أمكنني أن أطعمك العلم لأطعمتك " .
وكان الربيع بطئ الفهم، فكرر عليه الشافعي مسألة أربعين مرة فلم يفهم، وقام من المجلس حياء، فدعاه الشافعي في خلوة، وكرر عليه حتى فهم ! .
طبقات الشافعية  ( ٢ / ١٣٤ )

• وقد اقتصّ الإمام الربيع هذا الخلق وامتثله، فكان مما كتبه الربيع إلى البويطي : " اصبر نفسك للغرباء، وحسّن خلقك لأهل حلقتك " .
طبقات الشافعية ( ٢ / ١٦٥ )

• وأبلغ من ذلك أنه - رحمه الله - كان ينوّه باستفادته من طلابه وأصحابه فجاء عنه : " استفدنا من ابن خزيمة أكثر مما استفاد منا " .
طبقات الشافعية ( ٣ / ١١٢ )

• وهذا الاعتراف الأبوي بالتعلم من الأصحاب والطلاب؛ منك - على طرف الثمام - في كتب تراجم العلماء كثيرا، قال ابن عيينة : " يلومونني على حب ابن المديني ، والله لما أتعلم منه أكثر مما يتعلم مني " .
تاريخ بغداد ( ١٣ / ٤٢١ )

• وقال المازني : " قرأ عليَّ الرياشيُ  كتاب سيبويه  فاستفدت منه أكثر مما استفاد مني " .
معجم الأدباء ( ٤ / ١٤٨٣ ) .

• وأطول من ذلك وأفخم ما اشتهر في تراجم أهل الرواية - من حفاظ الحديث - في أخذهم عن طلابهم والرواية عنهم، مع طلبهم العلو في الإسناد وحرصهم عليه، بما تجده في علم ( رواية الأكابر عن الأصاغر ) من علوم الحديث .

مع أن الإقرار بتلقي الإفادة ربما بخسه القرين مع قرينه، فيأبى الإقرار له باستفادة أو تعلم - فضلا عن الشيخ مع تلميذه - لكن من تحققت فيه صفة أبوة العلم خلا فؤاده من مثل هذه الضِّنة، وخفّ لسانه ببذل الثناء لمن أفاده من طلابه .

• وقد تجده مع ارتفاع كعبه في العلم، لا يأنف أن يسأل أحدا من طلابه، كما كان ابن مسعود يسأل زراً عن العربية، وكان زرٌ من أعرب الناس .
الثقات ( ٤ / ٢٦٩ )

• بل عساه أن ينْفَحه هدية وَصِلة، جزاء إفادته مكافأة له، فعن عكرمة قال : قرأ ابن عباس هذه الآية : " لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا " قال ابن عباس : لم أدر أنجا القوم أم هلكوا ؟
قال عكرمة : فما زلت أبين له حتى عرف أنهم قد نجوا !
قال : فكساني حلة "
تفسير الطبري (  ١٣ / ١٨٧ ) .

• هذا .. ولقد كان العهد أن تذكر أحاديث تعظيم الطلاب لشيوخهم وأخبار إجلالهم وتفخيم حرمتهم، ولئن كان ذلك كذلك؛ فقد كان صالحو العلماء يفخمون شأن النجباء من الطلاب، ويرفعون أمرهم، ومن ذلك أن الحافظ أبا عبد الله الحاكم كان إذا رأى الحافظ أبا عثمان الصابوني قام له، وكان يعتد بكونه من أصحابه، هذا وهو يكبره بأكثر من أربعين سنة .
طبقات الشافعية ( ٤ / ٢٧٦ )

• ونقل السخاوي عن شيخه ابن حجر في - الجواهر والدرر - قال : " لم يكن يذكر أحدا من طلبته ولو صغر إلا بصاحبنا فلان، وما كنت أظنه يقصد مع التواضع بذلك إلا التنويه بذكرهم " ( ٣ / ١٠٢٥ ) .

• وربما بلغ هذا الترفق والحنو مبلغا يتعجب منه القارئ، ومنه ما جاء في ترجمة محمد بن عبد الله التجيبي  : " أنه كان آية في التواضع ، إذا فرغ من الإقراء نهض مسرعا فقدم لطلابه نعالهم ! "
بغية الوعاة ( ١ / ١٤٢ )
ولا ريب أنك ستجد من ينكر على صاحب هذا الصنيع صنيعه، لكن الذي لا ينبغي أن يُختلف فيه أن تعليم العلم وتبليغ الدين وتدريسه لا يجوز أن يكون مثابة تجبر وعُتو وارتفاع على الطلاب .

• وكما أن الأب لا يضم نفسه عن ابنه، ولا يكنز عنه مالًا ولا جهدًا ولا جاهًا، فكذا العالم ينبغي أن لا يكنز عن طلابه ما يقدر على بذله لهم، ومن حلو ما يذكر هنا؛ ما جاء عن الفقيه الصالح أبي عبدالله الكشفلي الطبري الشافعي، وكان معروفا بإكرام الطلبة والقيام بهم، وحصل أن اشتكى بعضهم إليه حاجة وفاقة، وأنه تأخرت عنه نفقته التي ترد إليه من أبيه، فأخذه بيده وذهب لبعض التجار فاستقرض له منه خمسين دينارا .
 فقال التاجر : حتى تأكل شيئا فمد السماط فأكلوا .
وقال : يا جارية هاتي المال فأحضرت شيئا من المال فوزن ودفعها للشيخ.
فلما قاما إذا بوجه ذلك الطالب قد تغير، فقال له الكشفلي : مالك ؟
قال : قد سكن قلبي حب هذه الجارية !
فرجع به إلى التاجر
فقال : قد وقعنا في فتنة أخرى !
قال : ما هي ؟
قال : إن الفقيه ! قد هوي الجارية
فأمر التاجر بأن تخرج، وسلمها إليه ، وقال : ربما تكون قد وقع في قلبها منه مثل الذي وقع في قلبه منها ! " .
طبقات الشافعية ( ٤ / ٣٧٣ )

• ومما وجدته فآنقني ولذّ لي، ما جاء عن شيخ الحنابلة منصور بن يونس البهوتي الإمام الفقيه المشهور فقد " كان له مكارم دارّة، وكان في كل ليلة جمعة يجعل ضيافة ويدعو جماعته من المقادسة، وإذا مرض منهم أحد عاده وأخذه إلى بيته، ومرضه إلى أن يشفى " .
خلاصة الأثر ( ٤ / ٤٢٦ ) .

• ومن ذلك ما ذكره السخاوي عن عناية شيخه ابن حجر بطلابه قال : " منهم من يتفقده كل قليل، ومنهم من يقرر له شيئا ينفقه كل يوم، ومنهم من يتفقده عند قدومه وعند سفره ، ومنهم من يعلم عدم حاجته لكنه يحب إكرامه " .
الجواهر والدرر  ( ٣ / ١٠١٣ )

• لكن تمام الأبوة العلمية أن يبذل العالم من نفسه لأبنائه من أهل الدراسة والاستفادة، كما كان من ابن تيمية، فقد كان ذا نصرة وفزعة للناس خاصة طلابه ومن اتصل به، فحين وقعت على الجمال المزي تلك القضية، لما قرأ تحت قبة النسر - في الجامع الأموي - كتاب ( خلق أفعال العباد )، فاعتقل المزي، فبلغ ابن تيمية ذلك، فقام حافيا ومعه أصحابه فأخرجه من الحبس ! .
نهاية الأرب ( ٣٢ / ١١٢ ) .
وهكذا فلتكن المشيخة، وهكذا فلتكن أبوة العلم ورحمه، أما أن يشح الشيخ بنفسه عن طلابه لا يقرب منهم ولا ينفق ولا ينصر فهذا قعود عن منزلة الإمامة وتقصير دونها .

• ولا تزال هذه الأمة المباركة يخلف صالحَ سلفها صالحٌ من خلفها، يتقفر الشأن الأول ويعيد جميل الفضائل .
ومن شجي ما وجدتُ في ذلك خبرا عن العلامة : عبد الله بن عقيل، - وهو أحد والدينا في سلسلة الفقه - ذكره أحد أخص طلابه الدكتور : هيثم الحداد، - وكان قد لازمه سنين طويلة - فذكر :  أنه كان إذا سافر؛ تعاهده الشيخ بالاتصال والسؤال .. يقول : " وربما مكثت زوجتي في بيت أهلها، فيتصل بهم سائلا عنها، وعن أحوالها وأولادها، طالبا الحديث معها متفقدا أحوالها مصرا أن لا تلجأ لأحد بعد الله إلا إليه .. وهو على كبر سنه وكثرة انشغاله ومقامه وفضله بين الناس لم يأنف أو يستكثر الاتصال الدائم بزوجتي مع أنها في عمر حفيداته .. ولما انتقلتُ مع عائلتي للحياة في بريطانيا ما انفك عن عنايته، وحتى لا يفوته الاتصال الدائم بي اتخذ من موعده الشهري الذي يصوم فيه الأيام البيض بمكة موعدا للاتصال بي في بريطانيا، وإذا حصل وسبقته بالاتصال يفرح بذلك فرحة عظيمة ممزوجة بعتاب نفسه لا أظن أحدا يتخيل سببه لمَ لمْ يسبق هو بالاتصال ! .. وقد اعتاد الشيخ منذ سنوات طويلة قضاء الأيام البيض في مكة كل شهر يسافر بالطائرة " مجموعة الشيخ ابن عقيل ٤ / ٣٠٤ .
رحم الله الشيخ ابن عقيل وجميع علمائنا ووالدينا في النسب والعلم .. آمين .

والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله .

محمد آل رميح
٢٣ / ٤ / ١٤٣٨ هـ

الأربعاء، 7 ديسمبر 2016

المصالح في ميزان الشريعة


    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .
أما بعد :
فإن مبنى الشريعة على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد ، وكل مسألة خرجت عن المصلحة إلى المفسدة، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بنوع من التأويل .(¹)

وقد بلغ من استقرار هذا الأمر في نفوس عامة أهل العلم وخاصتهم مبلغًا لا يُحتاج معه إلى تنويه وتنبيه .

ولكنْ .. كثيرًا ما يتوهم الناس أن الشيء ينفع في الدين والدنيا؛ وتجده عند تحقيق الأمر ذا منفعة مرجوحة بالمضرة ، كما قال تعالى : " قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما " .(²)

وأَعْرَضُ الدعاوى ادعاء المصلحة في الاجتهاديات، وما شاء أحد أن يرد من أمر الديانة ما شاء إلا تسوّر ذلك بدعوى المصلحة في بحثه وتقريره، وهو ادعاء مشترك بين عديد من العاملين في الساحة الإسلامية .

والعصمة موكولة بضبط ميزان الشريعة للمصالح والمفاسد، فإن الاشتباه واقع في هذا الشأن لأسباب منها :
- عدم تحقيق المعتبر والملغى من المصالح في الشريعة
- عدم ضبط مراتبها على منوال ما قررته النصوص
- عدم ضبط مراتب ما يرتكب من المفاسد لاسيما إذا اجتمعت في محل واحد .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " إذا اختلطت الحسنات بالسيئات وقع الاشتباه والتلازم، فأقوام قد ينظرون إلى الحسنات فيرجحون هذا الجانب وإن تضمن سيئات عظيمة، وأقوام قد ينظرون إلى السيئات فيرجحون الجانب الآخر وإن ترك حسنات عظيمة، والمتوسطون الذين ينظرون الأمرين، قد لا يتبين لهم أو لأكثرهم مقدار المنفعة والمضرة، أو يتبين لهم فلا يجدون من يعنيهم العمل بالحسنات وترك السيئات لكون الأهواء قارنت الآراء " .(³)

والجاري في العادة أن طروء الخلل في التصرفات الفقهية - في هذا الباب - ليس يأتي من إهدار المصالح وإلغائها؛ بقدر ما يأتي من إعمالها على غير قانون الوحي ومجافاتها له .

وهذا التجافي عن قانون الوحي - في هذا الباب - يقع على أنواع  :
• فمن ذلك عدم الالتفات للمصالح القلبية الإيمانية في مقابل المصالح الدنيوية المحسوسة، فإنه لما كان للمصالح الشرعية المدركة بالمعقول؛ داعية في الطبع تدعو إلى حياطتها وحفظها؛ جاء الخلل بإهدار بعض المصالح الإيمانية المتعلقة بأمر غيبي مما ليس يدرك بمباشرة المحسوسات .
فقد ثبت في مسلم ﻋﻦ ﻋﻤﺮاﻥ ﺑﻦ ﺣﺼﻴﻦ ﻗﺎﻝ : ( ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ ﺃﺳﻔﺎﺭﻩ، ﻭاﻣﺮﺃﺓ ﻣﻦ اﻷﻧﺼﺎﺭ ﻋﻠﻰ ﻧﺎﻗﺔ، ﻓﻀﺠﺮﺕ فلعنتها، ﻓﺴﻤﻊ ﺫﻟﻚ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﻓﻘﺎﻝ : " ﺧﺬﻭا ﻣﺎ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻭﺩﻋﻮﻫﺎ، ﻓﺈﻧﻬﺎ ملعوﻧﺔ "
ﻗﺎﻝ ﻋﻤﺮاﻥ : ﻓﻜﺄﻧﻲ ﺃﺭاﻫﺎ اﻵﻥ ﺗﻤﺸﻲ ﻓﻲ اﻟﻨﺎﺱ، ﻣﺎ ﻳﻌﺮﺽ ﻟﻬﺎ ﺃﺣﺪ ) .
(⁴)

فهذا نص في اعتبار مصلحة المباعدة عن الأعيان الملعونة، لدخولها في الشر والشؤم ونقص البركة واليمن باللعن، وهي مصلحة لها نظائر مما اعتبرتها نصوص الوحي .
فإن للمعاصي - واللعن بخاصّة - من التأثير على المكلفين والديار والعجماوات ما جعل الشريعة تهدر مالية هذه الأعيان ومنفعتها توقيا من ذاك التأثير .(⁵)

وهذا باب عظيم من أبواب المحافظة على تلك المصلحة بهذا الزاجر المالي، فإن رؤية الصحابة للناقة لا يتعرض لها، وسلب ماليتها ومنع الانتفاع بها - مع عظم حاجة الصحابة - وهم في سفر طاعة - فإن كل أسفار النبي ﷺ كانت في غزو أو نسك - فمع الداعية الحاجيّة لحرز المال وصونه في مثل تلك الحال، ولكن النبي ﷺ لم يعتبر هذه المصلحة في مقابل دفع تلك المفسدة .(⁶)


ومن هذا ما ثبت في الصحيحين عن ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﻋﻤﺮ ﺭﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻬﻤﺎ، ﺃﻥ اﻟﻨﺎﺱ ﻧﺰﻟﻮا ﻣﻊ رسول الله ﷺ ﺃﺭﺽ ﺛﻤﻮﺩ، اﻟﺤﺠﺮ، ﻓﺎﺳﺘﻘﻮا ﻣﻦ ﺑﺌﺮﻫﺎ، ﻭاﻋﺘﺠﻨﻮا ﺑﻪ، ﻓﺄﻣﺮﻫﻢ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﺃﻥ يهريقوا ﻣﺎ اﺳﺘﻘﻮا ﻣﻦ ﺑﺌﺮﻫﺎ، ﻭﺃﻥ ﻳﻌﻠﻔﻮا اﻹﺑﻞ اﻟﻌﺠﻴﻦ، ﻭﺃﻣﺮﻫﻢ ﺃﻥ ﻳﺴﺘﻘﻮا ﻣﻦ اﻟﺒﺌﺮ اﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺮﺩﻫﺎ اﻟﻨﺎﻗﺔ ".(⁷)

 قال ابن هبيرة :" فإن البركة تؤثر في الأرض والماء، وكذلك اللعنة والعذاب " (⁸)

وفيه دليل على جواز إهدار المصلحة المالية لمثل هذا الاعتبار .

وفي هذا المعنى الشريف يقول ابن تيمية :" ﻭﻛﺜﻴﺮ ﻣﻦ اﻟﻨﺎﺱ ﻳﻘﺼﺮ ﻧﻈﺮﻩ ﻋﻦ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﻣﺎ ﻳﺤﺒﻪ اﻟﻠﻪ ﻭﺭﺳﻮﻟﻪ ﻣﻦ ﻣﺼﺎﻟﺢ اﻟﻘﻠﻮﺏ ﻭاﻟﻨﻔﻮﺱ ﻭﻣﻔﺎﺳﺪﻫﺎ، ﻭﻣﺎ ﻳﻨﻔﻌﻬﺎ ﻣﻦ ﺣﻘﺎﺋﻖ اﻹﻳﻤﺎﻥ ﻭﻣﺎ ﻳﻀﺮﻫﺎ ﻣﻦ اﻟﻐﻔﻠﺔ ﻭاﻟﺸﻬﻮﺓ ﻛﻤﺎ ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ: ( ﻭﻻ ﺗﻄﻊ ﻣﻦ ﺃﻏﻔﻠﻨﺎ ﻗﻠﺒﻪ ﻋﻦ ﺫﻛﺮﻧﺎ ﻭاﺗﺒﻊ ﻫﻮاﻩ ﻭﻛﺎﻥ ﺃﻣﺮﻩ ﻓﺮﻃﺎ )، ﻭﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ: ( ﻓﺄﻋﺮﺽ ﻋﻦ ﻣﻦ ﺗﻮﻟﻰ ﻋﻦ ﺫﻛﺮﻧﺎ ﻭﻟﻢ ﻳﺮﺩ ﺇﻻ اﻟﺤﻴﺎﺓ اﻟﺪﻧﻴﺎ ) ( ﺫﻟﻚ ﻣﺒﻠﻐﻬﻢ ﻣﻦ اﻟﻌﻠﻢ )، ﻓﺘﺠﺪ ﻛﺜﻴﺮا ﻣﻦ ﻫﺆﻻء ﻓﻲ ﻛﺜﻴﺮ ﻣﻦ اﻷﺣﻜﺎﻡ ﻻ ﻳﺮﻯ ﻣﻦ اﻟﻤﺼﺎﻟﺢ ﻭاﻟﻤﻔﺎﺳﺪ ﺇﻻ ﻣﺎ ﻋﺎﺩ ﻟﻤﺼﻠﺤﺔ اﻟﻤﺎﻝ ﻭاﻟﺒﺪﻥ " (9)

• ومن فروع ما سبق ما يتصوره بعضهم من أن المصالح إنما شرع حفظها لجلب النفع ودفع الضر الدنيويين، ويغفل عن كونها شرعت للمحافظة على (مقصود الشارع) بإصلاح القلوب وإخراجها من تحكمات الهوى وتسلطه .
يقول الشاطبي :  " إن  الشريعة إنما جاءت لتخرج المكلفين عن دواعي أهوائهم حتى يكونوا عبادا لله وهذا المعنى إذا ثبت لا يجتمع مع فرض أن يكون وضع الشريعة على وفق أهواء  النفوس وطلب منافعها العاجلة كيف كانت وقد قال ربنا سبحانه: ( ولو اتبع الحق  أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن ) .. ومن أمثلة ذلك الجهاد قال تعالى: ( كتب عليكم القتال وهو كره لكم ) " .(10)

وهذا لا ينافي أن الشريعة قد جاءت على وفق أغراض العباد وأثبتت لهم حظوظهم ..(11)

ولهذا فتأمل ما ثبت في الصحيحين ﻋﻦ ﻋﺎﺋﺸﺔ ﺃﻥ اﻣﺮﺃﺓ ﻣﻦ اﻷﻧﺼﺎﺭ ﺯﻭﺟﺖ اﺑﻨﺘﻬﺎ، ﻓﺘﻤﻌﻂ ﺷﻌﺮ ﺭﺃﺳﻬﺎ، ﻓﺠﺎءﺕ ﺇﻟﻰ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ ﻓﺬﻛﺮﺕ ﺫﻟﻚ ﻟﻪ، ﻓﻘﺎﻟﺖ: ﺇﻥ ﺯﻭﺟﻬﺎ ﺃﻣﺮﻧﻲ ﺃﻥ ﺃﺻﻞ ﻓﻲ ﺷﻌﺮﻫﺎ، ﻓﻘﺎﻝ: " ﻻ، ﺇﻧﻪ ﻗﺪ ﻟﻌﻦ اﻟﻤﻮﺻﻼﺕ " (12)


فمع أن التزين للزوج من محاسن ما أباحته النصوص، ورعيه يؤول إلى مقصد المودة بين الزوجين، وهو من مباح رغبات النفس وحظوظها، وهنا فلم تبدر - تلك الصحابية - بالوصل دون حاجة، بل قد تضايق بابنتها الحال بالمرض، وتمزق شعرها وهي تريد إدخالها على زوجها، ولكن مع كل ذلك لم يعتبر ﷺ كل تلك المنافع في مقابل مصلحة رياضة النفس بالخروج عن هواها ورغباتها المحرمة .

ويدل على ذلك ما روى الشيخان عن ﻋﺒﺎﻳﺔ ﺑﻦ ﺭﻓﺎﻋﺔ ﺑﻦ ﺭاﻓﻊ، ﻋﻦ ﺟﺪﻩ ﺭاﻓﻊ ﺑﻦ ﺧﺪﻳﺞ، ﻗﺎﻝ: ﻛﻨﺎ ﻣﻊ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ ﺑﺬﻱ اﻟﺤﻠﻴﻔﺔ، ﻓﺄﺻﺎﺏ اﻟﻨﺎﺱ ﺟﻮﻉ، ﻓﺄﺻﺒﻨﺎ ﺇﺑﻼ ﻭغنما، ﻭﻛﺎﻥ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ ﻓﻲ ﺃﺧﺮﻳﺎﺕ اﻟﻨﺎﺱ، ﻓﻌﺠﻠﻮا ﻓﻨﺼﺒﻮا القدور، ﻓﺪﻓﻊ ﺇﻟﻴﻬﻢ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ ﻓﺄﻣﺮ ﺑﺎلقدور ﻓﺄﻛﻔﺌﺖ ". (13)

فإنك إذا تأملت هذا الحديث ثم رأيت كيف أن النبي ﷺ لم يوسع للمجاهدين من صحابته - مع حاجتهم - في أكل ما ذبحوه قبل القسمة، بل أمر بإتلافه، ولم يعصم ماليته، ولم يعتبر مصلحة حفظ المال، مع أن هذا المال في آخر أمره من مال الغانمين في الجملة، ومع هذا تجد أنه ﷺ عاقبهم بحرمانهم منه مع تعلق قلوبهم وقرمهم إليه ليكون أبلغ في الزجر، وآكد في التنبيه على مصلحة إصلاح القلب بالبعد عن المعاصي، .
(14)


- ولأنه قد استقر في الشرع تعظيم ( الأموال وعصمتها ) فربما عظم بعضهم ذلك فوق رعاية مصلحة ( خروج النفس عن هواها ) ، حتى تجد من يستشكل أن يتلف النبي ﷺ هذا الطعام، فيقول المهلب : ( واعلم أن اﻟﻤﺄﻣﻮﺭ ﺑﻪ ﻣﻦ ﺇﺭاﻗﺔ القدﻭﺭ ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻮ ﺇﺗﻼﻑ ﻟﻨﻔﺲ اﻟﻤﺮﻕ ﻋﻘﻮﺑﺔ ﻟﻬﻢ، ﻭﺃﻣﺎ ﻧﻔﺲ اﻟﻠﺤﻢ ﻓﻠﻢ ﻳﺘﻠﻔﻮﻩ !
ﺑﻞ ﻳﺤﻤﻞ ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻪ ﺟﻤﻊ ﻭﺭﺩ ﺇﻟﻰ اﻟﻤﻐﻨﻢ ﻭﻻ ﻳﻈﻦ ﺃﻧﻪ ﷺ ﺃﻣﺮ ﺑﺈﺗﻼﻓﻪ، ﻷﻧﻪ ﻣﺎﻝ ﻟﻠﻐﺎﻧﻤﻴﻦ، ﻭﻗﺪ ﻧﻬﻰ ﻋﻦ ﺇﺿﺎﻋﺔ اﻟﻤﺎﻝ ﻣﻊ ﺃﻥ اﻟﺠﻨﺎﻳﺔ ﺑﻄﺒﺨﻪ ﻟﻢ ﺗﻘﻊ ﻣﻦ ﺟﻤﻴﻊ مستحقي اﻟﻐﻨﻴﻤﺔ إذ ﻣﻦ ﺟﻤﻠﺘﻬﻢ ﺃﺻﺤﺎﺏ اﻟﺨﻤﺲ ﻭﻣﻦ اﻟﻐﺎﻧﻤﻴﻦ ) .
(15)


ولست أشك أن ما قاله المهلب - وتتابع عليه جمع من الشراح دون تعقب - غير صحيح، فليس في إراقة المرق واستبقاء اللحم زاجرة تزجر من وقع في المخالفة، وهو خلاف ظاهر النص الذي لم يفصل في الواقعة، و يقوي ذلك ما جاء في سنن أبي داود عن رجل من الأنصار قال : " ثم جعل يرمل اللحم بالتراب " .(16)

وفي هذا أيضا ما ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ نهى وفد عبد قيس عن الانتباذ في الأوعية، فسئل : فيم ننتبذ يا رسول الله ؟
ﻗﺎﻝ: " ﻓﻲ ﺃﺳﻘﻴﺔ اﻷﺩﻡ اﻟﺘﻲ ﻳﻼﺙ ﻋﻠﻰ ﺃﻓﻮاﻫﻬﺎ "
ﻗﺎﻟﻮا: ﻳﺎ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ، ﺇﻥ ﺃﺭﺿﻨﺎ ﻛﺜﻴﺮﺓ اﻟﺠﺮﺫاﻥ، ﻭﻻ ﺗﺒﻘﻰ ﺑﻬﺎ ﺃﺳﻘﻴﺔ اﻷﺩﻡ
ﻓﻘﺎﻝ ﻧﺒﻲ اﻟﻠﻪ ﷺ : " ﻭﺇﻥ ﺃﻛﻠﺘﻬﺎ اﻟﺠﺮﺫاﻥ، ﻭﺇﻥ ﺃﻛﻠﺘﻬﺎ اﻟﺠﺮﺫاﻥ، ﻭﺇﻥ ﺃﻛﻠﺘﻬﺎ اﻟﺠﺮﺫاﻥ " (17)
فلم يأذن النبي ﷺ لهم في الانتباذ في أول الأمر، مع ما ذكروا من عذرهم .

• وقد يدخل الخلل حين لا تستبشع المفسدة على نحو استبشاع الشرع لها، فيوسع المتفقه العذر بارتكابها بغير موجب .
فتأمل ما رواه الشيخان عن ﺃﻡ ﺳﻠﻤﺔ قالت : ﺟﺎءﺕ اﻣﺮﺃﺓ ﺇﻟﻰ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﻓﻘﺎﻟﺖ: ﻳﺎ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ، ﺇﻥ اﺑﻨﺘﻲ ﺗﻮﻓﻲ ﻋﻨﻬﺎ ﺯﻭﺟﻬﺎ، ﻭﻗﺪ اﺷﺘﻜﺖ عينها، ﺃﻓﺘﻜﺤﻠﻬﺎ ؟
ﻓﻘﺎﻝ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ : " ﻻ .. " ﻣﺮﺗﻴﻦ ﺃﻭ ﺛﻼﺛﺎ، ﻛﻞ ﺫﻟﻚ ﻳﻘﻮﻝ : " ﻻ "
ﺛﻢ ﻗﺎﻝ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ : " ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻲ ﺃﺭﺑﻌﺔ ﺃﺷﻬﺮ ﻭﻋﺸﺮ، ﻭﻗﺪ ﻛﺎﻧﺖ ﺇﺣﺪاﻛﻦ ﻓﻲ اﻟﺠﺎﻫﻠﻴﺔ ﺗﺮﻣﻲ ﺑﺎﻟﺒﻌﺮﺓ ﻋﻠﻰ ﺭﺃﺱ اﻟﺤﻮﻝ " .(18)
فلم يأذن النبي ﷺ لمن اشتكت عينها أن تكحلها في الإحداد، مع رعاية الشريعة لحفظ الأبدان، ولكن لما كان كحل الزينة لا يتعين طريقا للشفاء، لم يوسع النبي ﷺ فيه .
وقد روي في سنن أبي داود ﺩﺧﻞ ﻋﻠﻲ ﺭﺳﻮﻝ الله ﷺ ﺣﻴﻦ ﺗﻮﻓﻲ ﺃﺑﻮ ﺳﻠﻤﺔ، ﻭﻗﺪ ﺟﻌﻠﺖ ﻋﻠﻰ ﻋﻴﻨﻲ ﺻﺒﺮا، ﻓﻘﺎﻝ :
" ﻣﺎ ﻫﺬا ﻳﺎ ﺃﻡ ﺳﻠﻤﺔ ؟ "
ﻓﻘﻠﺖ :
ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻮ ﺻﺒﺮ ﻳﺎ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ، ﻟﻴﺲ ﻓﻴﻪ ﻃﻴﺐ  .
ﻗﺎﻝ: " ﺇﻧﻪ ﻳﺸﺐ اﻟﻮﺟﻪ ﻓﻼ ﺗﺠﻌﻠﻴﻪ ﺇﻻ ﺑﺎﻟﻠﻴﻞ، ﻭﺗﻨﺰﻋﻴﻨﻪ ﺑﺎﻟﻨﻬﺎﺭ ".(19)
فلما احتيج لذلك قيد بقيود عند جمع من فقهاء الأمة :
بكونه كحلا غير ذي زينة
مما يحتاج إليه
وتضعه بالليل
فهذه قيود ثلاثة ينص عليها جمع منهم .(20)


• ومثله عدم ضبط مراتب المصالح على النحو الذي جاءت به الأدلة، وذلك بالاسترسال في تعظيم مصلحة - معتبرة في الجملة - بأكثر مما عظمتها الشريعة، والواجب أن يكون " اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها "(21)

واعْتَبر ذلك فيما لو سئل بعضهم عن مفسدة ( الرجوع في الهبة ) في مقابل ( مصلحة حفظ فرس؛ أعطيت لمن يجاهد بها ) ، فلربما وجدت من لا يتردد في الجزم بأن مقاصد الشريعة تدل على وجوب شراء الفرس - التي أعدت للجهاد - وأخذها من يد من لم يحفظها، لتكون فيما أعدت له، وربما عضد قوله بذكر ما للخيل من شرف أكّدت عليه النصوص، حتى حفظ جنسه بمنع إنزاء الحمير عليها(22)


لكن إذا ﺳﻤﻌﺖ حديث ﻋﻤﺮ أنه قال : ﺣﻤﻠﺖ ﻋﻠﻰ ﻓﺮﺱ ﻓﻲ ﺳﺒﻴﻞ اﻟﻠﻪ، ﻓﺄﺿﺎﻋﻪ اﻟﺬﻱ ﻛﺎﻥ ﻋﻨﺪﻩ، ﻓﺄﺭﺩﺕ ﺃﻥ ﺃﺷﺘﺮﻳﻪ ﻭﻇﻨﻨﺖ ﺃﻧﻪ ﻳﺒﻴﻌﻪ ﺑﺮﺧﺺ، ﻓﺴﺄﻟﺖ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ ﻓﻘﺎﻝ : " ﻻ ﺗﺸﺘﺮﻱ، ﻭﻻ ﺗﻌﺪ ﻓﻲ ﺻﺪﻗﺘﻚ، ﻭﺇﻥ ﺃﻋﻄﺎﻛﻪ ﺑﺪﺭﻫﻢ، ﻓﺈﻥ اﻟﻌﺎﺋﺪ ﻓﻲ ﺻﺪﻗﺘﻪ ﻛﺎﻟﻌﺎﺋﺪ ﻓﻲ ﻗﻴﺌﻪ".(23)
وربما قيل : ولكن النبي ﷺ لم يمنع غير عمر من شرائه، قيل : نعم، لتخلف المفسدة المقابلة، فالمقصود هو ذكر تقابل مصلحة مع مفسدة الرجوع في الهبة .

وإنما يحصل ذلك لقصور فهوم العباد عن كمال تصور المصالح وما يضادها، قال الشاطبي :"ﺇﻥ اﻟﻤﺼﺎﻟﺢ اﻟﺘﻲ ﺗﻘﻮﻡ ﺑﻬﺎ ﺃﺣﻮاﻝ اﻟﻌﺒﺪ ﻻ ﻳﻌﺮﻓﻬﺎ ﺣﻖ ﻣﻌﺮﻓﺘﻬﺎ ﺇﻻ ﺧﺎﻟﻘﻬﺎ ﻭﻭاﺿﻌﻬﺎ، ﻭﻟﻴﺲ ﻟﻠﻌﺒﺪ ﺑﻬﺎ ﻋﻠﻢ ﺇﻻ ﻣﻦ ﺑﻌﺾ اﻟﻮﺟﻮﻩ، ﻭاﻟﺬﻱ ﻳﺨﻔﻰ ﻋﻠﻴﻪ ﻣﻨﻬﺎ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ اﻟﺬﻱ ﻳﺒﺪﻭ ﻟﻪ؛ ﻓﻘﺪ ﻳﻜﻮﻥ ﺳﺎﻋﻴﺎ ﻓﻲ ﻣﺼﻠﺤﺔ ﻧﻔﺴﻪ ﻣﻦ ﻭﺟﻪ ﻻ ﻳﻮﺻﻠﻪ ﺇﻟﻴﻬﺎ، ﺃﻭ ﻳﻮﺻﻠﻪ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﻋﺎﺟﻼ ﻻ ﺁﺟﻼ، ﺃﻭ ﻳﻮﺻﻠﻪ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﻧﺎﻗﺼﺔ ﻻ ﻛﺎﻣﻠﺔ، ﺃﻭ ﻳﻜﻮﻥ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﻔﺴﺪﺓ ﺗﺮﺑﻲ ﻓﻲ اﻟﻤﻮاﺯﻧﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﻤﺼﻠﺤﺔ؛ ﻓﻼ ﻳﻘﻮﻡ ﺧﻴﺮﻫﺎ ﺑﺸﺮﻫﺎ، ﻭﻛﻢ ﻣﻦ ﻣﺪﺑﺮ ﺃﻣﺮا ﻻ ﻳﺘﻢ ﻟﻪ ﻋﻠﻰ ﻛﻤﺎﻟﻪ ﺃﺻﻼ، ﻭﻻ ﻳﺠﻨﻲ ﻣﻨﻪ ﺛﻤﺮﺓ ﺃﺻﻼ، ﻭﻫﻮ ﻣﻌﻠﻮﻡ ﻣﺸﺎﻫﺪ ﺑﻴﻦ اﻟﻌﻘﻼء" ( الموافقات ١/٥٣٧)

وترتيب المصالح على نحو ما جاء في نصوص الوحي من خاصّ الفقه، وعسى أن يكون إدمان النظر في النصوص داعيا لضبط الترتيب الشرعي للمصالح، فإن بادئ الرأي قد يقدم ما أخرته الشريعة ويؤخر ما قدمته، ألست تجد في نفسك أن مصلحة استماع خطبة الجمعة، والإنصات لها وعدم التشاغل عنها أعظم من مصلحة ركعتي التحية لولا ما جاء في الحديث الذي خرجه الشيخان عن ﺟﺎﺑﺮ ﻗﺎﻝ :
ﺩﺧﻞ ﺭﺟﻞ ﻳﻮﻡ اﻟﺠﻤﻌﺔ ﻭاﻟﻨﺒﻲ ﷺ ﻳﺨﻄﺐ
ﻓﻘﺎﻝ : " ﺃﺻﻠﻴﺖ؟ "
ﻗﺎﻝ : ﻻ
ﻗﺎﻝ : " ﻗﻢ ﻓﺼﻞ ﺭﻛﻌﺘﻴﻦ "(24)
فلو وكلنا إلى نظرنا ورأينا فربما قال قائل :
استماع الخطبة مصلحة مقصودة خاصة، وهي مقدمة على ركعتي تحية المسجد فإنها عبادة لا تختص بيوم الجمعة، فتقدم تلك المصلحة ! .

ومثل ذلك ما قد يقع في النظر بتقديم مصلحة إدراك أول الصلاة على مصلحة المشي بسكينة وخشوع للمسجد، فقد يقال :
إدراك الصلاة مع الإمام مصلحة معتبرة متعلقة بذات العبادة، والاضطراب والسعي مفسدة متعلقة بهيئة المشي للصلاة، فتقدم تلك المصلحة، لولا أن رجوعنا للنص يضبط لنا ذلك، فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال : قال النبي ﷺ :" ﺇﺫا ﺃﻗﻴﻤﺖ اﻟﺼﻼﺓ ﻓﻼ ﺗﺄﺗﻮﻫﺎ ﺗﺴﻌﻮﻥ، ﻭﺃﺗﻮﻫﺎ ﺗﻤﺸﻮﻥ، ﻋﻠﻴﻜﻢ اﻟﺴﻜﻴﻨﺔ، ﻓﻤﺎ ﺃﺩﺭﻛﺘﻢ ﻓﺼﻠﻮا، ﻭﻣﺎ ﻓﺎﺗﻜﻢ ﻓﺄﺗﻤﻮا " (25)

إذا سمعت ذلك عقلت شيئا من الترتيب المصلحي في النصوص، وعلمت أن الفقيه الذي يريد معايرة درجات المصالح لابد أن يردد النظر كثيرا في رتبها، وخصال اعتبارها على نحو قانون الشرع، وليس بحسب ما يصول في النفوس .

والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .

كتبه / أبو المثنى محمد آل رميح

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(¹) : [ إعلام الموقعين ٣ / ١١  ]
(²) : [ مجموع الفتاوى ١١ / ٣٤٥ ]
(³) : [ مجموع الفتاوى ٢٠ / ٥٨ ] .
(⁴) : [ مسلم ٢٥٩٥ ].
(⁵) : [ كشف مشكل الصحيحين لابن الجوزي ١ / ٤٨٧ ] .
(⁶) : [ معالم السنن ٢ / ٢٥١ ، إكمال المعلم ٨ / ٦٧، شرح النووي على مسلم ١٦ /١٤٧، وقد ذكر - رحمه الله - أن النهي مقتصر على المصاحبة دون سائر الانتفاعات ]. والقول الثاني : أن المنع هنا منصب على سائر وجوه الانتفاع - سواء كان ذلك على سبيل التحريم أو الكراهة - وقد خُرّج في مذهب أحمد وجوب اعتاق العبد والتصدق بالمال إذا لعنه صاحبه الفروع ٩ / ٣٣٣، وانظر شرح حديث لبيك اللهم - لابن رجب، ٤٨ ].
(⁷) : [ رواه البخاري ٣٣٧٩، ومسلم  ٢٩٨١ ] .
(⁸) : [ الإفصاح ٤ / ٨٧ ، ولذلك منع كثير من الفقهاء الطهارة به ، مواهب الجليل ١ / ٤٩، مجموع النووي ١ / ٩١، كشاف القناع ١ / ٢٩ ].
(⁹) : [ مجموع فتاوى ابن تيمية ٣٢ / ٢٣٣ ]
(10)[ الموافقات  ٢ / ٦٣ ] .
(11) : [ الموافقات ٢ / ٢٩٤ ] .
(12) : [ رواه البخاري ٥٢٠٥، ومسلم ٢١٢٣ ] .
(13) : [ رواه البخاري ٢٤٨٨، ومسلم ١٩٦٨ ] .
(14) : [ الإعلام لابن الملقن ١٠ / ١٦١ ] .
(15) :  [ شرح ابن بطال ٥ / ٢٣٦ ، شرح النووي لمسلم ١٣ / ١٢٧ ] .
(16) : [ رواه أبو داود ٢٧٠٥ ، وقد بوّب البخاري على هذا الحديث
 ( باب : إذا أصاب قوم غنيمة فذبح بعضهم إبلا أو غنما بغير أمر أصحابهم لم تؤكل ) ، وقد انفصل ابن حزم بقول رأى فيه اطرادا وسلامة من الإشكال، فقال : بحرمته لأنه كالميتة المحلى ٦ / ٩٢ وهو جار على أصوله رحمه الله باقتضاء النهي للفساد، وربما دل عليه ما جاء في سنن ابن ماجه ﻋﻦ ﺛﻌﻠﺒﺔ ﺑﻦ الحكم ﻗﺎﻝ : ﺃﺻﺒﻨﺎ ﻏﻨﻤﺎ ﻟﻠﻌﺪﻭ ﻓﺎﻧﺘﻬﺒﻨﺎﻫﺎ، ﻓﻨﺼﺒﻨﺎ ﻗﺪﻭﺭﻧﺎ، ﻓﻤﺮ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ ﺑﺎﻟﻘﺪﻭﺭ، ﻓﺄﻣﺮ ﺑﻬﺎ ﻓﺄﻛﻔﺌﺖ، ﺛﻢ ﻗﺎﻝ : " ﺇﻥ اﻟﻨﻬﺒﺔ ﻻ ﺗﺤﻞ " ابن ماجه ٣٩٣٨ . ]
(17) [ رواه مسلم ١٨ ]
(18) : [ البخاري ٥٠٢٥ ومسلم  ١٤٨٨ ].
(19) : [ رواه أبو دواد ٢٣٠٥، وفيه مقال ].
(20) :[ التوضيح لابن الحاجب ٥ / ٦٧، المجموع شرح المهذب ١٨ / ١٨٢، المغني ٩ / ١٤٩، شرح ابن بطال ٧ / ٥٠٥ ، الإحكام لابن دقيق العيد ٢ / ١٩٧ ،  فتح الباري ٩ / ٤٨٨ ] .
(21) : [ مجموع الفتاوى ٢٨ / ١٢٩، وأفواه الأصوليين رطبة بذكر ذلك في شروط العمل بالمصلحة، فيشترطون أن لا تعارض مصلحة أرجح، وليس شأني هنا ذكر ذلك وبيانه، ولكن الشأن التأكيد على ضبط رتب المصالح ودرجاتها، وتصحيح النظر في وزن هذه المصالح ] .
(22) : [ كما جاء من النهي عن حمل الحمير على الخيل، رواه أبو داود  ٢٥٦٥، حفاظا على نسلها ، معالم السنن ٢ / ٣٥١ ] .
(23) : [ رواه البخاري ١٤٩٠، ومسلم ١٦٢٠ ، وقد عمل بذلك جمع من الفقهاء فمنعوا الرجوع في الهبة ولو تلفت عند من وهبت له، الشرح الكبير للدردير ٤ / ١١٢، المغني ٢ / ٤٨٦  ].
(24) رواه البخاري ٩٣١ - ومسلم ٨٧٥
(25) رواه البخاري ٩٠٨ - ومسلم ٦٠٢ 

(ولاية الرجل على المرأة.. بين إحكام الدين وتأويل المبطلين)

             بسم الله الرحمن الرحيم
              
     الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
أسمعتم ذلكم الضجيج؟
أسمعتم أولئك الذين يريدون أن تلقى الحبال على الغوارب؟
أرأيتم دعوات المطالبين بإسقاط ولاية الرجل عن المرأة؟
أرأيتم هجنة قولهم؟ وشناعة مطالبهم؟ كيف يميلون بأعناقهم ويروغون، حتى زعم زاعمهم أن ولاية الرجل عادة ما أنزل الله بها من أثارة من علم؟!
• وهذه مقالة مختصرة في بيان بعض حكم هذه المسألة، وسرد بعض أدلتها، ليعلم القوم أن ولاية الرجل على المرأة شريعة مُحْكمة، جاءت النصوص بحفظها وتقريرها، وتكاثرت أدلتها، وأجمعت على جنسها الأمة.
وفيها رد على زعم المبطلين حين زعموا أنها أعراف وعادات فرضها الرجال على النساء بغير بينة، وتسلط ذكوري كما يريد أن يصَوّرها المبطلون.
وستجد أنها ليست مسألة اجتهادية؛ اجتهدها علماء المسلمين في عصر من العصور وقلدهم فيها المقلدون، كما يكيد المبدلون أن ينشروه ليهون على الناس ردها بعد ذلك.
وسأختمها بخاتمة أنبّه فيها أنه قد أُلصق بالولاية ما ليس منها، وضم إليها ما ليس يثبته دليل، وجعلها بعض الظلمة سبيلا يظلم بها المرأة، ويعسفها عن حقها.
- والولاية هنا جنس يدخل تحتها فروع من الأحكام:
كوجوب طاعة الزوج في غير ما معصية ﷲ ولا مضارّة على الزوجة، وولاية النكاح، وولاية التأديب التي جاءت بها الآية، وولاية حل عقدة النكاح بالطلاق، ووجوب المحرم في سفرها، وغيرها.
ولما كانت مسألة (طاعة الزوج على الزوجة) من أوضح ما ردّه هؤلاء المبطلون من مسائل الولاية وناكدوا فيه، وأرادوه على التبديل والتغيير؛ فسأنصب الحديث في شأنها، وسأذكر من الأدلة ما يظهر زيف دعوى القوم، ويهتك حُجُب قولهم، ويعري زعمهم، ليصبح نِضوا بغير ستارة.

• اقرأ قول ﷲ تعالى: "واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن (فإن أطعنكم) فلا تبغوا عليهن سبيلا".
وتأمل قوله تعالى: (فإن أطعنكم)
ثم انظر كيف جعله الله غايةً يقف عندها التأديب، وحدا ينتهي إليه، فإنك إذا تأملت ذلك علمت دلالة هذه الآية على وجوب طاعة الزوج على زوجته، حتى اقتضى التأديب إن تخلّفت الطاعة، وفرّطت المرأة فيها.

• وتأمل أيها المؤمن ما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر قال: قال النبي ﷺ: "ﺇﺫا اﺳﺘﺄﺫﻧﻜﻢ ﻧﺴﺎﺅﻛﻢ ﺇﻟﻰ اﻟﻤﺴﺎﺟﺪ ﻓﺄﺫﻧﻮا ﻟﻬﻦ".
ففيه دليل بيّن على أن أمر الاستئذان للخروج من البيت بيد الرجل، حتى وجب ذلك على المرأة إذا أرادت الخروج إلى أشرف الأماكن، وفي هذا دلالة على وجوبه فيما دون ذلك من الخروج للأمر المباح.

• وانظر أيضا ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال النبي ﷺ: "ﻻ ﻳﺤﻞ ﻟﻠﻤﺮﺃﺓ ﺃﻥ تصوم ﻭﺯﻭجها ﺷﺎﻫﺪ ﺇﻻ ﺑﺈﺫﻧﻪ".
فانظر كيف أُمِرت المرأة أن تستأذن زوجها في عبادة من عبادات التطوع، ونافلة من النوافل، فإنه لعظيم حق زوجها عليها أُمِرت أن لا تكون على حال قد تمتنع عن فراشه ولو بمانع شرعي كالصوم إلا بإذنه، وفي هذا دلالة على ما دون ذلك من أمور المباحات كالخروج من البيت والسفر ونحوه.

• ومما يزيد هذا الأمر وضوحا ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال النبي ﷺ: "وﻻ ﻳﺤﻞ للمرأة أن ﺗﺄﺫﻥ ﻓﻲ ﺑﻴﺘﻪ ﺇﻻ ﺑﺈﺫﻧﻪ".
وفي صحيح مسلم عن جابر في خطبة النبي ﷺ في حجة الوداع في ذكر حق الزوج قال: "ﻭﻟﻜﻢ ﻋﻠﻴﻬﻦ ﺃﻥ ﻻ ﻳﻮﻃﺌﻦ ﻓﺮﺷﻜﻢ ﺃﺣﺪا ﺗﻜﺮﻫﻮﻧﻪ".
وهذا يدل على أن طاعة الزوج تعظم على الزوجة حتى لا يحل لها أن تأذن لأحد يدخل عليها، ولو من أقاربها ممن يكرههم الزوج، وإذا حرم على الزوجة أن تدخل أحدا في بيت زوجها بغير إذنه، فكيف بخروجها هي بغير إذنه؟
• وفي الصحيحين قال النبي ﷺ: "ﺇﺫا ﺩﻋﺎ اﻟﺮﺟﻞ اﻣﺮﺃﺗﻪ ﺇﻟﻰ ﻓﺮاﺷﻪ ﻓﺄﺑﺖ، ﻓﺒﺎﺕ ﻏﻀﺒﺎﻥ ﻋﻠﻴﻬﺎ، ﻟﻌﻨﺘﻬﺎ اﻟﻤﻼﺋﻜﺔ ﺣﺘﻰ ﺗﺼﺒﺢ".
وأنت إذا علمت أن حق الفراش مشترك بين الزوج والزوجة، علمت عظيم حق الزوج، حين جاء هذا التغليظ الشديد لامتناعها عن أمر من مقتضى عقد النكاح، مع أن الزوج لو فرّط في حق زوجته في الفراش كان آثما أيضا، وإنما جاء ترتيب تغليظ التقصير بحسب رتبة الفضل.

• وقد كان زوجات النبي ﷺ على هذا الأمر الرشيد، فتأمل ما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة وهي تحكي قصة الإفك، حين أخبرتها أم مسطح بما يخوض به أهل الإفك، ﻓﻘﻠﺖ للنبي ﷺ: ﺃﺗﺄﺫﻥ ﻟﻲ ﺃﻥ ﺁﺗﻲ ﺃﺑﻮﻱ؟
ﻗﺎﻟﺖ: ﻭﺃﺭﻳﺪ ﺃﻥ ﺃﺳﺘﻴﻘﻦ اﻟﺨﺒﺮ ﻣﻦ ﻗﺒﻠﻬﻤﺎ، ﻗﺎﻟﺖ: ﻓﺄﺫﻥ ﻟﻲ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ".

يا الله!
فمع عظم ما أصاب الصديقة بنت الصديق، وكبر ما سمعته عائشة رضي الله عنها، وشدته على نفسها، وكان مقصدها التثبت مما سمعت، ومع هذا لم تخرج من بيتها إلا بإذن النبي ﷺ.

• وقد كانت زوجات النبي ﷺ يحافظن على ذلك حتى في أمر عبادتهن كالاعتكاف، فقد ثبت في البخاري ﻋﻦ ﻋﺎﺋﺸﺔ: "ﺃﻥ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﺫﻛﺮ ﺃﻥ ﻳﻌﺘﻜﻒ اﻟﻌﺸﺮ اﻷﻭاﺧﺮ ﻣﻦ ﺭﻣﻀﺎﻥ فاﺳﺘﺄذنته ﻋﺎﺋﺸﺔ ﻓﺄﺫﻥ ﻟﻬﺎ".

• وأما استئذان زوجاته في الأمر من أمور دنيانهن؛ فقد ثبت في صحيح مسلم عن ﺟﺎﺑﺮ ﺑﻦ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﺃﻥ ﺃﻡ ﺳﻠﻤﺔ اﺳﺘﺄﺫﻧﺖ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﻓﻲ اﻟﺤﺠﺎﻣﺔ، ﻓﺄﻣﺮ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﺃﺑﺎ ﻃﻴﺒﺔ ﺃﻥ ﻳﺤﺠﻤﻬﺎ"، قال: حسبت أنه كان أخوها، أو غلاما لم يحتلم".

• وأمر الولاية ليس خاصا بمن تحرم على الولي فحسب، فثبت في الصحيحين عن عروة أنه سأل عائشة عن قوله تعالى :" وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء "، قالت: "هي اليتيمة في حجر وليها فيرغب في مالها وجمالها، فيريد أن يتزوجها بأدنى من سنة نسائها، فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق، ثم استفتى الناس رسول الله ﷺ بعد، فأنزل الله :"ويستفتونك في النساء".

• والولاية ليست تختص بولاية النكاح كما يريد أن يموه به المبطلون، بل ثبت في مسلم عن عمران بن الحصين في قصة الجهنية التي زنت وحملت وأرادت أن يقام عليها الحد، قال: "فدعا النبي ﷺ وليها، فقال: أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني بها"، ففعل.
فهذا حديث يظهر لك وظيفة من وظائف الولي في الشريعة، وأنها مرتبة إحسان ورعاية وقيام على المرأة.

فإذا نظرت في وجوه هذه الأدلة وتصفحت مآخذها ودلالاتها، رأيت موقعها من هذه الشريعة المطهرة.
وعلمت أن هؤلاء المنادين بإسقاط ولاية الرجل عن المرأة قد أتوا أمرا منكرا بردهم للأدلة الظاهرة في هذا.
وأنهم -في دعوتهم هذه- ليسوا يعارضون اجتهاد عالم أو قول فقيه! ولكنهم يعارضون قول رب العالمين، ويخالفون سنة نبيهم ﷺ.
ولكن أصحاب الهوى لا يأتون كفاحا فيردون دلالات الكتاب والسنة بواضحات الألفاظ، فهم يعلمون أن ذلك مجلبة لشناعة الناس عليهم، ونفرتهم منهم، ولكنهم يريْمون بين ذلك، وسبيلهم أن يدّعي مدعيهم: ما أردنا إلا ترك العادات المعارضة للحقوق!، ويقول قائلهم: إنما نبغي تنقية الدين من التقاليد!، ويأتي بعضهم يتكايس يقول: إنما نريد أن ندفع ظلم المرأة وأن نحفظ حقها، ليسهل بعد ذلك نقبهم لسياج الأمة وثلمهم لتدين المسلمين.
• هذا من جهة أصل حكم القوامة والولاية، فمن أخذها بحدودها في نصوص الوحي فقد استمسك بالميثاق، ومن اتخذها سبيلا لظلم موليته، والبغي عليها، وبسط الكف على حقها، فتلك كبيرة من كبائر الذنوب، ومعصية من عظائم المعاصي، ويكفي وازعا للمؤمن عن ظلم موليته ختام آية: "الرجال قوامون على النساء" فقد وعظ الله المؤمنين بقوله: "إن الله كان عليا كبيرا"!!، فما من أحد بغى على المرأة بولايته، وتسلط عليها بالظلم والتعنيف إلا لنقص استشعار علو الله وكبره في نفسه، وما هم بخيار هذه الأمة والله.
ولذا فليس من الولاية أن يتصرف الولي بما فيه مضرة بيّنة على موليته، وليس من الولاية أن يقبض على مالها بغير مقتضى من الشريعة، وليس من الولاية أن لا تخرج الفتاة من السجن إلا بإذن وليها، وليس من الولاية أن يمنعها مما جرى عرف مثيلاتها أنه من حق المولي، وليس من ولاية الأخ أن يطالب بما هو من حقوق الأب بما هو قدر زائد على الولاية، والتفاصيل التي تتبين ما يدخل في الولاية وما لا يدخل فيها منشور مذكور في كتب الفقه، وليس من شأن مقالة مختصرة كهذه أن تحيط بأطرافها، ولكن المقصود التنبيه أن ولاية الرجل كغيرها من الولايات لها حد وضبط، وربما بغى الولي بما لم تأذن له فيه الشريعة، فيأتي من يرى خطأه فيرد أصل الحكمالحكم، وذاك حنَف عن الطريقة وميل عن الجادة.
والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
كتبه/ أبو المثنى محمد آل رميح.
الرياض 
1437/11/17