الأحد، 1 يوليو 2018

دفع اختلاط مجوّز الاختلاط.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول ﷲ.
 أما بعد:
فكم أود لو أن بعض من يأبى ويصر على الحدَث في الدين والاختراع فيه؛ أن يترك الإملال! ويريحنا من السآم! بذكر شبهٍ قد لاكها قبله ألف لسان!، وسأم أهل العلم والدعوة من ردها وكرروا بيان خطئها!. فلو أن هؤلاء الطرآء إذ أبوا إلا ركوب الزيف؛ أتوا بشيء جديد يجد الإنسان في رده لذة العلم وكسر جديد الباطل!
لكنهم يصرون على مضغ مقالات قيلت، ويتسقطون لشبهٍ سلفت وماتت.

ولذا فانظر إلى بعضهم حين يرأى حديث ابن عمر: "ﻛﺎﻥ اﻟﺮﺟﺎﻝ ﻭاﻟﻨﺴﺎء ﻳﺘﻮﺿﺌﻮﻥ ﻓﻲ ﺯﻣﺎﻥ ﺭﺳﻮﻝ ﷲ ﷺ ﺟﻤﻴﻌﺎ" الذي رواه البخاري.
تطير به عصافير رأسه، ويظن أنه قد أتى بالقمر في الجؤنة!
ويفرح يأمل أن يكون فيه دليل على إباحة اجتماع الأجنبيات مع غير محارمهن.
وهذا فهمُ من لم يعرف كامل هذه المسألة!
وهذا حديث لا إشكال فيه عند فقهاء الأمة من الصحابة فمن بعدهم، فإنه حديث يُذكر في شطر مسألة معروفة عند أهل العلم موسومة (بحكم وضوء الرجل بماء توضأت به المرأة، وهي مسألة على قسمين: حكم مشاركتها، وحكم الوضوء بفضل وضوئها)
فكان ابن عمر في هذا الحديث يبين أنه لا جناح على من فعل ذلك، وأن الرجال كانوا يشاركون (النساء) في الوضوء، فهو حديث سيق لبيان حال الصحابة في عدم امتناعهم عن الوضوء مع النساء وبعدهن، ولم يسق لمسألة اختلاطهم، ولا مدخل لما انتفخ به نحْر أهل التغريب وسَحَره، فابن عمر يريد أن يبين أن الرجل من الصحابة كان يتوضأ مع زوجته وأمه وبنته ليس يتحاشى ذلك.
ولهذا بوّب البخاري في صحيحه على هذا الحديث بقوله: "باب وضوء الرجل مع امرأته، وفضل-أي بقية- وضوء المرأة" فهذا سبب ورود الحديث، وهذا فهم السلف للحديث.
ومن يعرف كامل المسألة يعرف سبب سياق مثل هذا الاستدلال، ولهذا لما ذكر عبد الرزاق حديث ابن عمر سبقه برواية ابن جريج ﻗﺎﻝ: "ﻻ ﺑﺄﺱ ﺃﻥ ﻳﺘﻮﺿﺄ اﻟﺮﺟﺎﻝ ﻭاﻟﻨﺴﺎء ﻣﻌﺎ ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻦ ﺷﻘﺎﺋﻘﻜﻢ ﻭﺃﺧﻮاﺗﻜﻢ ﻭﺑﻨﺎﺗﻜﻢ ﻭﺃﻣﻬﺎﺗﻜﻢ" مصنف عبد الرزاق.

وسيتبين لك بما سأذكر من الأدلة كيف أن الأدلة التي جاء فيها الرخصة للنساء بالخروج جاءت حياطتها بالتستر وعدم الاختلاط.

•• قال ﷻ: (وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن).
فقد جعل ﷲ الحجاب سببا لطهر قلب المرأة والرجل، وإذا كان ذلك في زوجات النبي ﷺ مثابة طهرة فكيف بغيرهن.

•• ثبت في البخاري ﺃﻥ ﺃﻡ ﺳﻠﻤﺔ ﺭﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻬﺎ، ﻗﺎﻟﺖ: «ﻛﺎﻥ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﺇﺫا ﺳﻠﻢ ﻗﺎﻡ اﻟﻨﺴﺎء ﺣﻴﻦ ﻳﻘﻀﻲ ﺗﺴﻠﻴﻤﻪ، ﻭﻣﻜﺚ ﻳﺴﻴﺮا ﻗﺒﻞ ﺃﻥ ﻳﻘﻮﻡ» ﻗﺎﻝ اﺑﻦ ﺷﻬﺎﺏ الزهري راويه: "ﻓﺄﺭﻯ ﻭاﻟﻠﻪ ﺃﻋﻠﻢ ﺃﻥ ﻣﻜﺜﻪ ﻟﻜﻲ ﻳﻨﻔﺬ اﻟﻨﺴﺎء ﻗﺒﻞ ﺃﻥ ﻳﺪﺭﻛﻬﻦ ﻣﻦ اﻧﺼﺮﻑ ﻣﻦ اﻟﻘﻮﻡ".

• وتأمل مسألة لطيفة هنا: فإنه مع إذن النبي ﷺ للنساء في حضور الجماعات والذهاب للمساجد، إلا أن خروجهن قد حيْط بحياطات تمنع الخلطة والفتنة، ومن ذلك:
• فمنه منع النساء من الجهر بالتسبيح للإمام، ولكن يصفقن، كما في الصحيحين: "فليسبّح الرجال، وليصفق النساء".
وأنت تعرف أن التصفيق ليس من شأن العبادة، بل هو إلى اللهو أقرب، لكنه مع ذلك كان بدلا لجهر المرأة بصوتها، مما يجزم فيه النلظر بعظيم تشوّف الشريعة المطهرة لصيانة المرأة عن الخلطة.

• ومن ذلك أنه جعل فضلا علقه على استئخار صفوف النساء عن الرجال، فعن ﺃﺑﻲ ﻫﺮﻳﺮﺓ، ﻗﺎﻝ: ﻗﺎﻝ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ: "ﺧﻴﺮ ﺻﻔﻮﻑ اﻟﺮﺟﺎﻝ ﺃﻭﻟﻬﺎ، ﻭﺷﺮﻫﺎ ﺁﺧﺮﻫﺎ، ﻭﺧﻴﺮ ﺻﻔﻮﻑ اﻟﻨﺴﺎء ﺁﺧﺮﻫﺎ، ﻭﺷﺮﻫﺎ ﺃﻭﻟﻬﺎ". رواه مسلم.

• ومن ذلك أنه ﷺ نبّه النساء أن يراعين عدم الاختلاط بالرجال عند الخروج للمسجد، فعن ﺃﺑﻲ ﺃﺳﻴﺪ اﻷﻧﺼﺎﺭﻱ ﺃﻧﻪ ﺳﻤﻊ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﻳﻘﻮﻝ: ﻭﻫﻮ ﺧﺎﺭﺝ ﻣﻦ اﻟﻤﺴﺠﺪ -ﻓﺎﺧﺘﻠﻂ اﻟﺮﺟﺎﻝ ﻣﻊ اﻟﻨﺴﺎء ﻓﻲ اﻟﻄﺮﻳﻖ- ﻓﻘﺎﻝ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﻟﻠﻨﺴﺎء: «اﺳﺘﺄﺧﺮﻥ، ﻓﺈﻧﻪ ﻟﻴﺲ ﻟﻜﻦّ ﺃﻥ ﺗﺤﻘُﻘْﻦ اﻟﻄﺮﻳﻖ ﻋﻠﻴﻜﻦ ﺑﺤﺎﻓﺎﺕ اﻟﻄﺮﻳﻖ»
 رواه أبو داود

• ومنها أن الشريعة جاءت بتفضيل صلاتهن في البيوت مع إذنها لهن بالخروج، فإذا استحضرت أن القاعدة الأغلبية: أن العمل الواحد إذا زادت أبعاضه كان أفضل مما هو أنقص منه، ثم رأيت هنا أن صلاة المرأة في المسجد زادت أجزاء صلاتها وأبعاضها؛ ومع ذلك نقص أجرها، بان لك وجه من تشوف الشريعة لعدم اضطراب المرأة بالخروج لأدنى داعية.
فقد روى أحمد في مسنده بسند حسن: "عن أم حميد رضي الله عنها:
أنها قالت : يا رسول الله، أني أحب الصلاة معك!
فقال ﷺ: "قد علمت أنك تحبين الصلاة معي,وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاة في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي).

• ومن ذلك أن نساء الصحابة كنّ يراعين ذلك في الطواف ودخول المسجد الحرام:
فقد روى البخاري عن عطاء أنه ذكر طواف النساء ثم نبّه على نفي الاختلاط فقال: "لم يكن يخالطن!، كانت عائشة رضي الله عنها تطوف حجرة (أي معتزلة) من الرجال لاتخالطهم، فقالت لها امرأة: انطلقي نستلم يا أم المؤمنين! قالت: انطلقي عنك، وأبت".

• ومن ذلك أنهن كن يراعين عدم الاختلاط عند دخول الكعبة، كما ذكر البخاري في الحديث الماضي، فقالت عائشة: "يخرجن متنكرات بالليل! فيطفن مع الرجال، ولكنهن كنّ إذا دخلن البيت قمن حتى يدخلن وأخرج الرجال".
فذكرت أنهن يقفن حتى يخرج الرجال ثم يدخلن.

• ومن ذلك أن الشريعة حثتهن للخروج لصلاة العيد، ولكن حاطتهن بما يجنبهن الخلطة بالرجال، كما في البخاري عن ابن عباس قيل له: أشهدت العيد مع النبي ﷺ؟ قال: نعم، ولولا مكاني من الصغر ما شهدته، صلى النبي ﷺ ثم خطب، ثم أتى النساء ومعه بلال، فوعظهن وذكرهن وأمرهن بالصدقة).
ففيه أن النساء كن مجانبات لرجال غير مختلطات بهم، ولذا احتجن أن يأتيهن ﷺ.
• وهذا الأمر كان أمرا معروفا عند الصحابيات، ولهذا ثبت في البخاري أنهن قلن للنبي ﷺ: "غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يوما من نفسك، فوعدهن يوما لقيهن فيه فوعظهن وأمرهن".
فدل على تمايزهن وعدم خلطتهن.

• ولما وقع في عهد عمر -رضي الله عنه- شيء من اختلاط الرجال بالنساء في الطواف نهى أن يطوف الرجال مع النساء، فرأى رجلاً معهن فضربه بالدرة". كما رواه الفاكهي في أخبار مكة.

• وهذا الشأن مستقر في تصاريف الأدلة تجده يد كل لامس للأدلة ناظر فيها غير متبع لهواه، فاسمع لعائشة كما في البخاري حين استأذنت عائشة رسول الله ﷺ في الجهاد، فقال: "جهادكن الحج".
فقد تاقت نفسها للعمل الصالح في الجهاد، فأراد النبي ﷺ أن يبين أنه ليس من شأن النساء، ولهذا فإنما كن يخرجن أحيانا مع النبي ﷺ للحاجة للسقي والمداواة، عند قلة عدد الرجال المقاتلين.

والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول ﷲ.


الجمعة، 16 مارس 2018

مسألة: (الترحم على المشركين)

     الحمد لله والصلاة والسلام على رسول ﷲ وعلى آله وصحبه:
أما بعد:
فمن الناس من هو مولع بكل غريبة، يلذّ له مخالفة المؤمنين، ويطرب لسلوكه غير سبيلهم، ويتمايل لبخبخة العلمانيين والليبراليين.
ففي حينٍ ترى المسلمين من أتباع الوحي على شأن مجتمع في مسألة قد استقروا عليها في دينهم، تراه يتقافز يتشعب بهم فيها بتمويه ودلَسات كما سأذكر هنا بإذن ﷲ.
وقد جاء اليوم من يجوّز الترحم على الكافر بعد موته! ولكنه رأى أن أدلة المنع من الاستغفار لا يقدر على ردّها لقطعيتها أخذ يفرّق بين الاستغفار والترحم بغير حجة، وجاء يستدل على ذلك بما لا تقوم به حجة، ثم زاد فزعم عدم ثبوت دليل في منع الترحم على الكفار وهكذا في هوَر الاحتجاجات ووهائها.

•• فأما المنع من الترحم على الكفار فقد دل على ذلك حجج من وجوه:
• الوجه الأول: أنه قد صح امتناع النبي ﷺ عن ذلك للكفار الأحياء فضلا عن الأموات، كما ثبت في المسند والترمذي عن حكيم بن ديلم عن أبي بردة عن أبي موسى قال: "ﻛﺎﻧﺖ اليهود ﻳﺘﻌﺎﻃﺴﻮﻥ ﻋﻨﺪ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ ﺭﺟﺎء ﺃﻥ ﻳﻘﻮﻝ ﻟﻬﻢ: ﻳﺮﺣﻤﻜﻢ اﻟﻠﻪ! ﻓﻜﺎﻥ ﻳﻘﻮﻝ ﻟﻬﻢ: "ﻳﻬﺪﻳﻜﻢ اﻟﻠﻪ ﻭﻳﺼﻠﺢ ﺑﺎﻟﻜﻢ"، وقال الترمذي: (حسن صحيح) ورجاله أئمة كبار غير حكيم بن ديلم وهو ثقة مأمون كما قال الثوري وغيره.
والترك هنا ليس تركا مجردا، بل ترك على خلاف أصل التشميت، فينحل إلى النهي، وبابه التحريم لا مطلق المنع.

• الوجه الثاني: أن ﷲ قد أخبر بحجب رحمته عن الكفار في الآخرة وآيسهم من رحمته، كما قال تعالى: "والذين كفروا بآيات ﷲ ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي".

• الوجه الثالث: أن ﷲ قد حرّمها عليهم، فقال: "ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون".
وقد تقرر أن من الاعتداء في الدعاء؛ الدعاء بالممنوع شرعا وكونا.

• الوجه الرابع: أن الرحمة أعظم من المغفرة، فإذا جاء القطع بمنع الدعاء بالمغفرة فالمنع من الدعاء بالرحمة أولى، ولو جاز ما قاله: من أن الدعاء بالرحمة لتخفيف بعض العذاب، لصح أن يقال: ويجوز أن يدعى بمغفرة الذنب دون الشرك ليخفف عنه العذاب، كما قد قاله بعضهم.

• الوجه الخامس: أن المخالف حين يريد نفي الإجماع في المسألة ينتقل إلى مسألة أخرى، وهي مسألة: اختلاف السلف في تخفيف العذاب على الكافر في النار، وتلك دلسة من الدلسات، فالحديث عن الدعاء للكافر بالرحمة، وليس في وقوع الخلاف في حقيقة التخفيف على بعضهم في النار، فهي خلافية بلا إشكال، وأما الأولى فالخلاف فيها من الشذوذ لمخالفته النص والإجماع المتقدم.

• الوجه السادس: أن المخالف يرد في مسألة خارجة عن نزاع المسلمين المتبعين للسنة مع المترحمين على الكفرة، فإن المترحم على الكافر يجوّز دخول الكافر الجنة وقد ظهر ذلك في ردوده وتعليقاته، فتطوّع المخالفون للاستدلال في مسألة لم يقصدها الطرفان، وذاك فضول استدعاه حب المخالفة والتشغيب.

• الوجه السابع: يردد المخالفون في مثل هذه المسائل الحديث عن الخلاف كلما نوقشوا وأبلسوا من الأدلة ويتكئ عليه كأنه حجة مستقلة في المسائل، وهنا إجماع لا يوجد خلاف معتبر، وإنما جاء الخلاف في تكفير من استغفر للمشركين، والرحمة أعظم فهي أولى بالتكفير، فهل سيراعون الخلاف هنا؟

• الوجه الثامن: أن الأصل المنع من الدعاء لأموات الكفار لقوله تعالى: "ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره".
والقيام على القبر كما قال ابن الجوزي: "قال المفسرون: ﻛﺎﻥ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﺇﺫا ﺩﻓﻦ اﻟﻤﻴﺖ ﻭﻗﻒ ﻋﻠﻰ ﻗﺒﺮﻩ ﻭﺩﻋﺎ ﻟﻪ ﻓﻨﻬﻲ ﻋﻦ ﺫﻟﻚ ﻓﻲ ﺣﻖ اﻟﻤﻨﺎﻓﻘﻴﻦ".
والدعاء عبادة، والأصل فيها التوقيف فالمطالب بالدليل هو المخترع المبتدع لهذا التفريق، الذي كان يميل بعنقه كلما ناقشه أحد يقول برزانة سوداء: هاتوا الدليل على التحريم! مع أنه هو المطالب بالدليل والحجة الخاصة على جواز ذلك. 

وبقي هناك وجوه من وجوه الاستدلال والرد تركتها اكتفاء بما مضى، فإن صاحب الاتباع يكفيه حرف واحد من الكتاب والسنة ليسلم، وصاحب الباطل لو أتيته بكل آية لوّاها عن وجهها وقعد يفتل الأغلوطات على الأدلة والله المستعان.

السبت، 10 مارس 2018

طبائع الفتن



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.. أما بعد:
• فمن حكمة الله تعالى ابتلاء المؤمنين بتعاقب الفتن وتتابعها، وقد جاءت أدلة تبين وجوها من ذلك:
فانظر قول ﷲ ﷻ عن كلام هاروت وماروت: "إنما نحن فتنة"، فإنه دال على أن من قضاء ﷲ الكوني ترتيب الفتن في الأرض، اختبارا لإيمان العباد وتمييزا للصف وامتحانا لهم، ولذلك نظائر دلت عليها الأدلة.

وإن من استحكام الغفلة على القلب؛ الأمن من مواقعة الفتنة وعدم محاذرة آثارها، وقد ثبت في الصحيحين أن عمر كان يسأل الصحابة:
‏"أيكم يحفظ حديث النبي ﷺ في الفتنة؟
‏فأجابه حذيفة:
‏أنا
-ثم قال بعدُ- : "إن بينك وبينها باباً مغلقاً".
فهذا عمر يخشى الفتنة ويحذرها ويتطلب علمها ويستعلم صفاتها، وهو عمر ومن يأمن الفتنة بعد عمر؟!
وقد دل الدليل على أن قبول الفتنة يظلم القلب كما ثبت في مسلم أن النبي ﷺ قال عن أثر الفتن وعاقبة قبول القلب لها: "وأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء".

وقد دلت الأدلة على تنوع الفتن وكثرتها، وأن منها أنواعا لا يسلم منه أحد، كما ثبت في الصحيحين لما سأل عمر الصحابة عن الفتن، فقال حذيفة: "فتنة اﻟﺮﺟﻞ ﻓﻲ ﺃﻫﻠﻪ ﻭﻭﻟﺪﻩ ﻭﺟﺎﺭﻩ ﺗﻜﻔﺮﻫﺎ اﻟﺼﻼﺓ، ﻭاﻟﺼﺪﻗﺔ ﻭاﻟﻤﻌﺮﻭﻑ" (البخاري ١٤٣٥، ومسلم ١٤٤).
فهي فتن منوعة ذات تلاوين واختلاف، ‏كفتنة الولد وفتنة الدنيا وفتنة العلم، وفتنة الاضطهاد وفتن سلطان الجمهور وفتن زلة العالم، وهلم هلم من أنواعها.

وقد جاء ذكر تفاوتها كما في مسلم، قال ﷺ في وصف الفتن: "ﻭﻣﻨﻬﻦ ﻓﺘﻦ ﻛﺮﻳﺎﺡ اﻟﺼﻴﻒ ﻣﻨﻬﺎ ﺻﻐﺎﺭ ﻭﻣﻨﻬﺎ ﻛﺒﺎﺭ" (٢٨٩١).

والفتن في ذاتهما نوعان:
فتن شهوات وفتن شبهات، وقد جمعهما الله في قوله تعالى: (كالذي من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالاً وأولاداً فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا ).
وفتن الشهوات تدفع بالصبر، وفتن الشبهات تدفع باليقين، ولذلك جمع الله بين الصبر واليقين في قوله تعالى (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون).
- ومن أنواع الفتن: الفتن العلمية!
- وقد كان لمتقدمي هذه الأمة من الفحص عن دقيق علم الفتن! ما يتعجب منه أمثالنا.
ومن ذلك ما جاء عن سحنون وكانت تأتيه المسائل المشهورة فيأبى الجواب فيها، فسئل عن ذلك فقال:
‏سرعة الجواب بالصواب أشد فتنة من فتنة المال".
‏ترتيب المدارك ١/ ٣٥٧
وقد دلت الأدلة أيضا أن العلماء الصالحين مغاليق للفتن في كل زمان، فقد روى البزار في مسنده أن أبا ذر كان يقول لعمر رضي الله عنهما: "يامغلاق الفتنة"، وإنما ذلك -والعلم عند الله- لما يعلمون من الكمالات التي وهبها ﷲ عمر، في العلم والعمل، وهو إذن لكل من نال نصيبا من العلم والعمل.

ومن الفتن العلمية: الفتنة بكلمة الضلالة، يقوم ناشرا للعلم يبثه ويتقفره ثم يميل بكلمة ضلالة يتبعه عليها خلائق، وقد ‏روى الدارمي عن ﺯﻳﺎﺩ ﺑﻦ ﺣﺪﻳﺮ ﻗﺎﻝ ﻟﻲ ﻋﻤﺮ: "ﻫﻞ ﺗﻌﺮﻑ ﻣﺎ ﻳﻬﺪﻡ اﻹﺳﻼﻡ؟
‏ﻗﻠﺖ: ﻻ!
‏ﻗﺎﻝ: ﻳﻬﺪﻣﻪ ﺯﻟﺔ اﻟﻌﺎﻟﻢ، ﻭﺟﺪاﻝ اﻟﻤﻨﺎﻓﻖ ﺑﺎﻟﻜﺘﺎﺏ ﻭﺣﻜﻢ اﻷﺋﻤﺔ اﻟﻤﻀﻠﻴﻦ".
الدارمي (٢٢٠).
وسواء عليها أكانت زلة فرَطَت منه وندرت بغير قصد، أو كانت أحموقة ركبها بإصرار وعلم، فهي فتنة للخلق.
وزلة العالم فتنة لطائفتين:
‏- طائفة تقلده دينها فتشرب زلَلَه.
‏- وطائفة تجعل من زلَلِه مثابة تشنيع على أهل العلم، وترك بياض الحق لديه لسواد الزلة.
ولهذا كان العلماء يعلمون المبوأ الذي نزلوه، فيتحصنون غاية التحصّن أن يغدو أحدهم بابا لضلالة، ولما امتحن أحمد قال:
‏"رأيت العلماء ممن كان معي يميلون!
‏قلت:
‏من أنا؟
‏وما أقول لربي غداً إذا وقفت بين يديه فقال:
‏بعت دينك كما باعه غيرك!".
‏المقصد الأرشد ١/٣٢٨
ومن الفتن العلمية العظيمة: فتنة طلب الممادح، وحب الشرف، ولقد كان يشتهر في مدح العلماء الصادقين أنهم قد استوى مادحهم وذامهم في ذات الله، كما جاء في ترجمة ابن تيمية : "وكان مادحه وذامه في الحق عنده سواء".
الرد الوافر ٦٦، الشهادة الزكية ٣٣.
وهذه تراجمهم وتواريخهم ملئت بأخبار تجردهم من حب المدح وخلوصهم من تأثير المدح والجرح على أقوالهم.

• ومن أعظم ما ينبغي أن يتنبه له السائر إلى الله في أنواع الفتن؛ أن يتنبه إلى أن الفتن والابتلاء على نوعين:
الابتلاء الشرعي، والابتلاء الكوني القدري.
فمن الابتلاء الشرعي ما يكون من حكمة تشريع بعض العبادات والشرائع، ألم ترَ إلى قوله تعالى عن تحويل القبلة: "وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه"!
فمن أعظم مقاصد تغيير القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ليعلم الله من يتوجه إلى الكعبة ممن ينكص على عقبيه ويشك في دينه ويقول أي دينٍ هذا الذي تحولنا فيه من قبلةٍ إلى قبلة!

وأبلغ من ذلك أن الله جعل في القرآن من الآيات فتنة لمن قلبه زيغ،  كما قال تعالى: "فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله"!

وأما الابتلاء الكوني فكما جاء في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيءٍ من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب )!
فانظر كيف تعرض الفتنة على العبد وهو في حال التنسك والحج، وليس في حال إدبار وإعراض!
لكن صاحب الزيغ ومن في قلبه مرض تسرع إليه الفتنة لما في قلبه من قابلية للزيغ، وتشرّب لهذه الفتنة، فمن كان في قلبه زيغٌ ومرض أسرعت إليه الفتنة أكثر من غيره كما  قال تعالى (يانساء النبيّ لستنّ كأحدٍ من النساء إن اتقيتنّ فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض)، فمن كان كذلك كان عنده الاستعداد لأن تخمشه الفتنة بخمشاتها!
هذا في الشهوات.
وأيضاً يقال ذلك في الشبهات:
قال تعالى: (ليجعل مايلقي الشيطانُ فتنةً للذين في قلوبهم مرضٌ والقاسية قلوبهم).

وهنا مأخذ عظيم:
فقد يقول قائل: كيف يكون في القرآن العظيم والنور المبين سبب واصل للضلالة؟!
قال تعالى: "وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا.."، ثم قال: "وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم"
وقال: " ولا يزيد الظالمين إلا خسارا".

وللفتن طبائع، ولها صفات وصبغة، لا يسلم للعبد تعبد حتى ينال حظا من علم ذلك.
فمن طبائع الفتن: أن أسرع من تنصبّ إليه الفتن من ابتلي بقسوة القلب، يقول ﷲ: "ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم ".

ومن طبائع الفتن: إنها تؤثر في القلوب حتى لو زالت ودفعت، لا تعود كل القلوب كما كانت عليه!
 بل إن هناك من القلوب مايبقى فيها أثرٌ من الفتنة!، وقد دل على ذلك ماثبت في مسند الإمام أحمد من حديث حذيفة وهو يسأل النبي ﷺ  وهل بعد هذا الخير من شرّ؟
قال: "نعم، صلح على دخن وجماعةٌ على أقذاء"، قلت يارسول الله ومادخنه؟ قال: "لا ترجع كثيرٌ من القلوب إلى ماكانت عليه".
فتضعف القلوب عن العبادة وتضعف عن التسليم، وتتربى شكوك، وتغذو معارضات القطعيات.
حتى لو أنه قام قائم العلم والدعوة والجهاد فقمع البدعة ودمغها فزالت ستبقى هناك من القلوب يفوح فيها دخَنٌ من تلك الفتنة!

ومن طبائعها: أنها ربما أزاغت القلب في أعظم أمرٍ وفي أقصر مدة!
كما في مسلم: "يمسي مؤمناً ويصبح كافرا، ويصبح مؤمناً ويمسي كافراً".

ومن طبائع الفتن أنها إذا حضرت عزبت النصوص عن كثير من الناس، حتى لربما عزبت عن فضلاء من فضلاء القوم كما ثبت في البخاري من حديث عائشة في وفاة النبي ﷺ، حين أنكر ذلك من أنكره من الصحابة.

ومن طبائع الفتن عظم إحاطتها بالقلب، وقد جاءت الأدلة أيضا بذكر إحاطتها للقلب، كما في سياق مسلم ‏قال ﷺ: "تُعْرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا " (١٤٧).
وفيه أنها تعرض على القلوب كنسج الحصير، فإن الناسج ينسجها بالعود بعد العود يتابع فيه نسجا بعد نسج.

وفي قول النبي ﷺ: "فأيما قلبٍ أنكرها نُكتت فيه نكتة بيضاء" دلالة على أن قلب المؤمن إذا قوي على دفع الفتنة الأولى، قوي قلبه على رد مابعدها، ثم لا يزال يرد الفتن حتى يقوى قلبه على رد كل الفتن.

وفي قوله ﷺ: "حتى تكون القلوب على قلبين: أبيض كالصفا لاتضره فتنة مادامت السماوات والأرض"، وصف لقلب المؤمن الذي جمع بين الطهارة و الصلابة في الحق، جزاء رده للفتن، فينجو من كل مدلهمة، ويسلم من كل فتنة، سواء كانت من فتن الدنيا أو فتن القبر أو فتن الآخرة.
بخلاف القلب الثاني فهو: "أسود مربادًّا كالكوز مجخياًّ لا يعرفُ معروفاً ولا يُنكر منكراً"
أسود: ظلماتٌ بعضها فوق بعض.
مرباد: كما قال القاسم بن سلام: بين السواد والغُبرة.
مُجخياً: أي مقلوباً لا ينفذ فيه الماء ولا يدخله.
كذلك ذلك القلب حين قَبِل الفتنة بعد الفتنة بعد الفتنة، أصبح قلبه لا يقبل الحق! ولا يعرف معروفاً، ولا يرى نوره، وكذلك لا ينكر منكراً، ولا يرى ظلام المنكر!.

ألم ترهم؟! في هذه الأيام -وقبل ذلك وبعد ذلك- يردون القطعيات من الشريعة!
تتعجب كيف تنكر قلوبهم واضحات المعاني في كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ، لكنهم أذنوا للفتنة أن تلج قلوبهم! ثم لا تزال قلوبهم تضعف وتسوَدّ حتى غدت بذلك النحو.

• ولكن من رحمة ﷲ تقدير العواصم التي تعصم المكلف من آثار الفتن وتحفظه من شينها، ومن تلك العواصم:
- الفقه في الدين:
‏ولذا أخبر النبي ﷺ أن الجهالة قد تكون سببا للتشديد القدري والشرعي، وفي سنن أبي داود عن أنس عن النبي ﷺ قال: "لا تشددوا على أنفسكم فيشدد ﷲ عليكم".
 فالعلم بالكتاب والسنة، فإن العلم حصن حصينٌ من الفتن، وقد جاء عن حذيفة في حديث عند أبي شيبة قال: "لا تضرك  الفتنة ماعلمت دينك، إنما إذا التبس عليك الحق والباطل".
وإنما نعني به العلم النافع، الذي يعود على القلب بالتقوى، وأما العلوم التي لا نفع فيها في دنيا وآخرة، فقال فيها الشاطبي: "ﻋﺎﻣﺔ المشتغلين ﺑﺎﻟﻌﻠﻮﻡ اﻟﺘﻲ ﻻ ﺗﺘﻌﻠﻖ ﺑﻬﺎ ﺛﻤﺮﺓ ﺗﻜﻠﻴﻔﻴﺔ؛ ﺗﺪﺧﻞ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻓﻴﻬﺎ اﻟﻔﺘﻨﺔ ﻭاﻟﺨﺮﻭﺝ ﻋﻦ اﻟﺼﺮاﻁ اﻟﻤﺴﺘﻘﻴﻢ ﻭﻳﺜﻮﺭ ﺑﻴﻨﻬﻢ اﻟﺨﻼﻑ " الموافقات ١ / ٥٣

- ومن العواصم: العمل الصالح، ولهذا قرن النبي ﷺ بينهما اقتران السبب بالمسبب، فجاء في مسلم من حديث أبي هريرة: "بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل".
فالمبادرة إلى الطاعة وليس الطاعة المجردة!
فلا يدري المؤمن في تأجيله ما يعرض له من إضعاف للقلب، إذا راث عنه المدد الرباني.

- ومن عواصم الفتن: الصبر: فقد ثبت في السنن أن النبي ﷺ  قال: (إن السعيد لمن جُنّب الفتن ولمن ابتلي فصبر فواهاً) فمن عُرّض للفتن فصبر فواهاً لعلو منزلته وعلو رتبته وشريف مقامه.

- ومن العواصم التي بيّن ﷺ عصمتها للأمة عن الفتن: الجهاد، وقد بوّب أبو داود في سننه: "باب ارتفاع الفتنة عند الملاحم"، وأسند فيه حديث عوف بن مالك قال النبي ﷺ: "لايجمع الله على أمتي سيفين، سيفا منها وسيفا من عدوها".

- ومن العواصم من الفتن كثرة الإنابة إلى ﷲ بالتوبة، فقد ‏ذكر الله في سورة ص قصص ابتلاء أنبيائه، ثم ذكر سبب الخلوص من الفتنة، فوصف كل واحد بوصف الإنابة والتوبة، فقال: "نعم العبد إنه أواب".

أسأله ﷻ أن يعصمنا من الفتن، وأن يرحم حالنا وضعفنا وقلة حيلتنا، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

السبت، 30 ديسمبر 2017

أوراق فقهية (١٤): (حكم مصافحة الأجنبية)

     الحمد لله والصلاة والسلام على رسول اللّه أما بعد:
فإن عامة الصحابة فمن بعدهم، على القول بتحريم مصافحة الأجنية الشابة لا يعرف مخالف من الأمة في هذه المسألة إلا في قول شاذ في هذا العصر
⁦⁩للنبهاني ومن تبعه من أتباع حزب التحرير مما لا يبلع على آرائهم الريق، وكفى ضلالة بقول لم يعرفه الصحابة فمن بعدهم حتى قال به هؤلاء.
وفي حديث عائشة قالت: "لا والله ما مست يد رسول ﷲ يد امرأة قط" البخاري ومسلم
وهذا الحديث دليل على تحريم مصافحة الأجنبية، فإن الأصل سنية جنس المصافحة، فلما جاء الترك النبوي لبعض أنواعه دل ذلك على تحريم هذا النوع المتروك، فإن السنة لا تترك لمعارضة المشروعية المطلقة.
ووجه آخر: أنه ثبت في مسلم عن جرير قال: "سألت النبي ﷺ عن نظر الفجأة فأمرني أن أصرف بصري".
⁦فهل تأتي الشريعة بالنهي عن النظر للأجنبية ثم تبيح المس؟ وبهذا استدل غير واحد من أهل العلم على منع المصافحة.
ثم على هذا الشأن مضى أهل الإسلام وفقاؤه:
- فمن الحنفية (الهداية ٨/ ٤٦٠)
- ومن المالكية (ابن العربي في عارضة الأحوذي ٧/ ٩٥).
⁦⁩- ومن الشافعية: (النووي في الأذكار ٢٢٨
وابن حجر فتح الباري ١٦/ ٣٣٠)
- ومن الحنابلة: (ابن مفلح الحنبلي الآداب الشرعية ٢/ ٢٥٧).
• على أن بعض المشوشين ربما أتى باستدلالات لا يُفرح بها في الباب، ذلك إن ثبوت الأحكام الشرعية لا يكون إلا بأمرين:
- صحة الدليل
- وصحة الاستدلال.
فمما يشبّه به أهل الانحراف: حديث أنس: "أن الأمة من إماء المدينة كانت تأخذ بيد النبي ﷺ فتنطلق به حيث شاءت" وهو مخرج في الصحيح.
ولكن الأمة قد تطلق في لسان العرب ويقصد به الفتاة الصغيرة، والمستدل لابد أن يجمع بين قول النبي ﷺ: "إني لا أصافح النساء" وبين هذا الحديث، والنفي صريح فلابد أن يحمل قول أنس
⁦⁩على وجه لا يعارض به النفي، ثم إن النص جاء للدلالة على تواضع النبي ﷺ والعرب تستعمل مثل ذلك لوصف الطواعية ولا تعني حقيقة المساس، وإذا تعارضت الحقيقة مع ما هو محتمل للمجاز قدم ما يدل على الحقيقة.
ومما استدلوا به حديث أم حرام حين كانت تفلي شعر النبي ﷺ، وهو مخرج أيضا في الصحيح، ولكنه من حوادث الأعيان التي يرد عليها الاحتمال
⁦⁩ما لا يرد على الأحاديث الدالة على المنع، وهذه جادة مطردة في الاستدلال، فإن الأصول والنصوص التأسيسية لا تعارض بحوادث الأعيان، وأم حرام قد جزم جمع من السلف أنها من خالات النبي ﷺ.
وهكذا ما يذكر هؤلاء من حديث أبي موسى مع امرأة من قومه في الحج، فإن السياق لم ينفِ أنها من محارمه، فكيف يستدل به على
⁦⁩هذه المسألة.
وهذه كتب الإسلام ودواوين العلم هاتوا لنا من قال بقولكم من سلف الأمة المباركة، ثم لو سلم لهم بظاهر ما موهوا به هل يجوز هؤلاء مطلق المسيس والترجيل والمشط وغير ذلك مما لا شك أنه من المحرمات، فإن أقروا به خُصِموا، وإن منعوا منه بوجه من التأويل قيل: لست ما منعتم منه بأولى من الذي جوزتموه، والله المستعان.

السبت، 18 نوفمبر 2017

الوعظ وظيفة الأنبياء.

     الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
ف‏من أفاعيل المنحرفين توهين الوعظ ولصق النقيصة بالواعظين، تراهم يغمزون أهل العلم والدعوة والتضحية (بالوعّاظ) تنقّصا ولمزا، وما درى المسيكين أن الوعظ وظيفة الأنبياء وأتباعهم، يقول الله لنبيه: "قل إنما أعظكم بواحدة..".
ومن شريف مقام الوعظ أن الله سمى كتابه موعظة، فقال: "قد جاءتكم موعظة من ربكم"، بل إن الله وعظ عباده! فقال في عتابه لنوح: "إني أعظك أن تكون من الجاهلين " .
ومن أهل الانحراف من يحول ويصول لذم الشرع ولا يطيق جهرا بذلك ويجبن عن الصدع به، ثم لا يجد إلا أن يخرج ذمه في ألوان من الألفاظ، فيذم الوعظ حينا والصحوة تارة والتشدد تارات .
ثم إن الوعظ لا يقتصر على تزكية القلوب وتطهيرها والتذكير بالتعبدات والنوافل والتحذير من غضب الجبار ونحوه، بل إن القرآن والسنة والشريعة كلها موعظة للمؤمنين، هذا وإن الوعظ بالتذكير وتزكية القلوب من أعظم ما تحتاجه النفوس، وليس من أحد في غنى عن الوعظ والتذكير بطهرة القلب وحياة الأفئدة، ومهما نال المكلف من العلم وبلغ من الاجتهاد في النسك فإنه مفتقر إلى من يذكره ويعظه، وهذا أمر أجمع عليه أرباب السلوك والتنسك والكلام يأخذ بأعناق بعضه، فما دام أني ذكرت الوعظ والموعظة فيحسن أن أذكر أن الوعظ لا يقتصر على درس يلقى أو كلمة تقال، بل إن المؤمن ينوّع على قلبه أنواع المواعظ، وأحب أن أختم بذكر مواعظ وعظني بها مستفتون، لم يخطر ببالهم أن يعظوا، ولكن كان في أسئلتهم أعظم الوعظ وأزكاه.
فمن ذلك أن مستفتيا فاضلا -لا أعرفه- راسلني يسأل يقول: إني أدهن رجل أمي بما يدهن به (فازلين)، وأجد في نفسي حرجا أن أغسله من يدي!
أن لا يكون تقذرا! فيكون من الجفاء للوالدة!.
غفر الله له ولوالدته.
- وآخر اتصل يسأل يقول: ما حكم الزواج من امرأة (ليست تدرك كامل الإدراك)، ولمّا آنس مني تعجبا من سؤاله قال: أما إني متزوج وذو مال وشباب وخير، ولكن هذه فتاة ليس لها عائل يقوم عليها إلا أم تهوّر بها العمر وكبرت وأود أن لو رزقها الله مني بولد أو بنت تقوم عليها وتؤنس وحشتها إن فقدت يوما من يقوم عليها!.
وإذ قد بدأت بذكر الجفاة قذى العيون، فقد ختمت بذكر أحوال من أحوال أناس من عرض هذه الأمة المباركة، أخبارهم تروى فتخشع لها القلوب ، والحمد لله رب العالمين. 

الأحد، 29 أكتوبر 2017

الخلاف الفقهي: الدرس والحجية.


      الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فمن تنغيص طعمة العلم على صاحبه ولطخ حلاوته على حامله؛ أن يكون مخاصما في عماية، لا يزن خصومته بعدل، ولا يجلل كلامه بنصفة.
وقد رأيت مقطعا في تويتر من مقابلة لداعية في قناة فضائية، رأيته أنغض فيه برأسه على مخالفيه، ولم يغشِّ حديثه بحلل من رعي الخلاف!!
رأيته ينعى على مخالفيه خلو ساحة العلم والدعوة من رعي خلاف المخالفين! وعوزها لبسط الإعذار وجدبها من توسعة النظر الخلافي الفقهي!
فزعم أن التدريس الشرعي والدعوة والفتيا في بلادنا كانت مقتصرة على مدرسة فقهية واحدة، لا تعطف رأسها على غير أقوال مشيختها، ولا تلين كتفها لغير علمائها، وأن ذلك من أسباب التشدد والعنت!
هكذا زعم وادعى.
ولئن وجدت عذرا لمن لم يدرج على عش العلم ولم يتقفر منازله، فكيف أجد العذر لمن هو منتسب للعلم، راح فيه وغدا، وحفي فيه واحتذى!
وعندي أن ذلك أحد رجلين: إما رجل أراد رمي خصمه بسهام راشها من خياله، فنسج لهم تهما وصنع خطاياها من صناعة عقله، ليسقط خصمه ويذرع لنفسه.
وإما رجل لم يعرف معاهد العلم ولم يأنس بنورها ولم يحكحك قرنه بجذلها!
وإلا فما من أحد تعاهد مجالس العلم في بلادنا واغتذى من لبانها إلا ويعلم عظيم عنايتهم بفقه الخلاف، وواسع إعذارهم للمخالفين بالعلم من أهل التقوى والديانة، دون المتفلتين عن الشرائع، المتخذي خلاف العلماء جُنّة لترك الأدلة.

- وأنا فأحدثك عن نفسي ومثلي في ذلك مثل الآلاف من شداة العلم، الذين أعنقوا للعلم أعناقهم وساروا فيه عنَقَهم، ووقفوا على الطريقة العلمية التي كانت في بلدهم، فأذكر ما كانت عليه طرق التعليم وسبله، من غير تصويب لها بالضرورة أو تخطئة، وإنما شأني أن أحكي حكاية رأيتها وسرت في أهلها، أذكرها عافية من الاستدلال لها، خالية عن تقرير الطريقة الفضلى في الدرس والتعليم.

لقد كان أدنى نظر لدروس العلم وحلقه في بلادنا سيبدي لصاحبه كبير العناية بفقه المدارس الأخرى، ودرس آداب الخلاف، وتعظيم علماء المذاهب، مقرونا برديفه، ونعم الرديف، تعظيم الدليل، والوقوف عند حدود الشريعة، وترتيب اختلاف المختلفين وتنزيلها منازلها.

وذلك أني حين كنت في مبادي سنوات الدراسة المتوسطة كنت أحضر دروسا في الفقه في قريتي بمنطقة الفرعين من ضواحي خميس مشيط، للشيخ: وحيد بن عبد السلام بالي، وكان درسا مأموما، يقصده كثير من طلاب العلم من الخميس وأبها، وكانت تزدحم بهم ممرات القرية، فكان الشيخ يطيل الحديث في الخلاف وتصوير المسائل وسرد الأدلة ونصب الاعتراضات والتعقبات.

ثم مد الله في العمر وواصلت حضور دروس أهل العلم في الخميس وأبها، فكانت الصبغة العامة التي تصطبغ بها دروسهم هو العناية بذكر الخلاف الفقهي في مسائل الفروع، وإقامة المباحثة الفقهية على هذا الشأن، حتى ندر أن تقام دروس الفقه مقتصرة على قول المذهب، غير معتنية بفقه الخلاف وأدلة كل قول والرد عليه.

وكنت أرى ذلك على هذا النحو عند كل من قابلت من طلاب العلم، ولما تحولت للدراسة الجامعية في كلية الشريعة، كان عُظم من درسنا من أساتذتنا معتنيا بذكر الخلاف العالي ثم خلاف المذاهب، وأدلة المذاهب.

ومن شجن ذكرياتي في هذا الباب أن بعض شيوخنا في دروس المساجد كان يعقد حلق المناظرة في مسائل الخلاف.

ومنها ما عقده لنا شيخنا د/ سعيد الحماد، في درس تدريب فقهي على المناظرة، فينتصب كل طالب لقول من الأقوال يجمع أدلته ويناظر عن قولهم، ومن المسائل التي عقد فيها النظر والمباحثة مسألة (كشف الوجه للمرأة) وأوكل لي الشيخ: قول المجوزين، وقال: استقصِ أدلتهم وناظِر عن قولهم.

ولست أنسى لذاذة تلك الليلة الماتعة، وجميل ذكراها، وعائدة معرفة أدلة المخالف، وأن المخالف حين يخالف فربما كان له من الأدلة والحجاج ما هو أولى بالإصابة والحق، كان هذا من نحو ثلاث وعشرين سنة.

ثم مضى الأمر على ذلك، ولما درست عند شيخنا ابن عثيمين رحمه الله رأيته كان لا يتقيد بمذهب، ووجدته يخالف إخوانه من مشايخنا الآخرين، وكان يفتي بما ترجح له من الأقوال بدليلها، وكان يذكر الأقوال ويقرر الاعتراضات في دروسه، ولربما رأيته إذا استفتاه مستفتٍ عابر أجابه بقوله وتفصيل أدلة ما ترجح له.

ومضى الأمر على ذلك ولما درسنا في مرحلة الماجستير كانت الخطة العلمية تلزم بذكر الأقوال في كل مسألة معزوة لكتب أصحابها ومذاهبها وذكر الأدلة والأقوال.
 ولا زال الأمر على ذلك في كل كليات الشريعة والفقه، ولما انتقلت لمرحلة الدكتوراه كان الإلزام بذلك من بدهي الدراسة وكتابة الأبحاث والرسائل، حتى إنها لا تقبل رسالة لم يسلك فيها هذا المسلك.
‏وإذا أردت أن تعلم أن هذه الطريقة نضج مبكر في التعليم، فلتكن قصة الشيخ العلامة المفسر محمد الأمين الشنقيطي منك على بال، فإنه رحمه ﷲ لما جاء لبلادنا تعجب من عدم اقتصار الفتوى على قول واحد، وقال : "أتيت من موريتانيا وإنما ندرس ونفتي على مذهب مالك، فلما أتيت هنا وجدت كل المذاهب تدرس ويعتنى بها، فعكفت على دراستهادراستها".
فهذا فيما يتعلق بواقع الدراسة والتعليم.

‏- فإذا كان الأمر هذا في شأن الدراسة والبحث فلماذا لم يسمع بعضهم إلا قولا واحدا في المسائل الخلافية؟
‏ومثل هذه شكاة ظاهر عن أهل العلم عارها!
فإن العلم مبذول لم تغلق حلق المساجد في وجهأ حد، ومن أراد العلم والدرس والتعلم والخلاف والأدلة والنظر والبحث فمن يحجبه عنه؟

- فإن قيل: ولكن لماذا لا تذكر الأقوال كلها في الفتوى والخطبة واللقاء الدعوي والموعظة؟
و‏لماذا لا تنشر الأقوال وتتركون الناس تأخذ ما تشاء؟
فيقال:‏ ومن الذي قال: أن كل خلاف في كل مسألة لابد أن يذكر؟
‏- فأما من جاء يستفتي فقد جاء يسأل من يفتيه ليخبره باجتهاده ورأيه الذي يدين ﷲفيه، ولم يسأله عن جميع ما قيل في المسألة، فإن المستفتي إذا جاء وقد وثق في علم وعدالة من يفتيه فهو طالب لبراءة ذمته أمام ﷲ في المسألة، وهذا بخلاف ما لو جاء طالبا للعلم يسأل عن كل ما قيل في المسألة وأدلتها فهذا سبق الحديث فيه.

- ‏فإن قيل: لكنكم كنتم تنكرون على المخالف لكم في المسائل الخلافية!
‏قيل: ومن الذي قال: إن كل مسألة خلافية فهي بسبيل أن لا تنكر على صاحبها وأن لا يناقش معتنقها؟ فإن مسائل الخلاف فليست على وزان واحد في مآخذها وأدلتها واعتبار خلاف المخالف.
وأنا أضرب لك مثالا من خلاف أهل العلم، لست ترضى أن ينشر أو يؤخذ به أو ينتحل، ‏أرأيت لو جاءنا الآن من يقول: قد اختلف أهل العلم في قتل الداعي إلى الضلالة واستباحة دمه، وأنا أرى ذلك الشيخ ممن يضل الناس وما دام أن المسألة خلافية، فسأستبيح دمه وأقتله ولا يحق لك أن تنكر علي مادام أن في المسألة خلافا!
‏ولاشك أن بعض هؤلاء سيقول: لكن هذا فيه ضرر على الآخرين، فلا اعتبار بالخلاف‏ ولا شك أن جنس المسائل التي يترتب عليها تلف ليست كغيرها، ولكن ليس هذا هو المعيار الوحيد الذي يرجع إليه في اعتبار الخلاف، فكما أن الخلافا لذي يترتب على اعتباره ضرر بمعصوم ليس كغيره، ولذلك لم يكن صحابة النبي ﷺ إذا اختلفوا في مسألة يرجعون للخلاف -لوحده- في ترجيحهم ونظرهم، بل كانوا ينظرون في الأدلة ويجتهدون في تفهم نصوص الوحي، وكان إذا أتاهم سائل يسأل أجابوه بمقتضى الأدلة، ولا يردونه لخلاف فقهاء الصحابة.

ولقد يخرج الحديث إلى عجيبة من العجائب أحدثك بها متفكها بهؤلاء الذين ملؤوا الأرض حديثا عن الخلاف وجعلوا منه جُنّة يستجن به عند ذكر الأدلة والاستدلالات، فإنك تراهم في ذات الحال لا يرفعون رأسرأسا بشأن أهل العلم ولا بفضلهم إلا إذا جاء ذكر الخلاف!
وهنا مسألة لا يحسن أن أختم دون أن آتي على طرف منها، فإن وجود الخلاف شأن ‏يعظم معه الواجب ويغلظ أكثر منه في مسائل الوفاق، فإن المؤمن يظل فيها يطلب ما ينجيه أمام ﷲ ويبذل وسعه ليصل إلى ما يريده الله منه، فإن اجتهد وبذل وتحرى وراعى الله ولم تحذبه جذبات الهوى فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر.
‏والحمد لله.
كتبه: أبو المثنى محمد آل رميح
الرياض.

الأربعاء، 11 أكتوبر 2017

استبدال المبدلين.

بسم الله الرحمن الرحيـــم     
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فمن المعاني الشريفة التي دلت عليها أدلة:
• أن هذه الأمة قد فضّلت بوراثتها للأمم وحملها العزائم من الشرائع التي تولت عنها الأمم السالفة.

• فتأمل ما ثبت في البخاري ومسلم عن أبي ﻫﺮﻳﺮﺓ ﻋﻦ النبي ﷺ ﻗﺎﻝ: "ﻧﺤﻦ اﻵﺧﺮﻭﻥ اﻟﺴﺎﺑﻘﻮﻥ ﻳﻮﻡ اﻟﻘﻴﺎﻣﺔ، ﺑﻴْﺪ ﺃﻧﻬﻢ ﺃﻭﺗﻮا اﻟﻜﺘﺎﺏ ﻣﻦ ﻗﺒﻠﻨﺎ ﻭﺃﻭﺗﻴﻨﺎﻩ ﻣﻦ ﺑﻌﺪﻫﻢ، ﻭﻫﺬا ﻳﻮﻣﻬﻢ اﻟﺬﻱ ﻓﺮﺽ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻓﺎﺧﺘﻠﻔﻮا ﻓﻴﻪ، ﻓﻬﺪاﻧﺎ اﻟﻠﻪ ﻟﻪ، ﻓﻬﻢ ﻟﻨﺎ ﻓﻴﻪ ﺗﺒﻊ، ﻓﺎﻟﻴﻬﻮﺩ ﻏﺪا، ﻭاﻟﻨﺼﺎﺭﻯ ﺑﻌﺪ ﻏﺪ".
(البخاري ٨٧٦، ومسلم ٨٥٥)

• ﻭﻗﺪ ﺭﻭﻯ اﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﺣﺎﺗﻢ ﻋﻦ اﻟﺴﺪﻱ: "ﺇﻥ اﻟﻠﻪ ﻓﺮﺽ ﻋﻠﻰ اﻟﻴﻬﻮﺩ اﻟﺠﻤﻌﺔ، ﻓﺄﺑﻮا ﻭﻗﺎﻟﻮا ﻳﺎ ﻣﻮﺳﻰ ﺇﻥ اﻟﻠﻪ ﻟﻢ ﻳﺨﻠﻖ ﻳﻮﻡ اﻟﺴﺒﺖ ﺷﻴﺌﺎ ﻓﺎﺟﻌﻠﻪ ﻟﻨﺎ ﻓﺠﻌﻞ ﻋﻠﻴﻬﻢ".
(ابن أبي حاتم ٧/ ٣٢٠٧ )

• قال ابن رجب: "ﻭﺇﻧﻤﺎ ﺿﻠﺖ اﻟﻄﺎﺋﻔﺘﺎﻥ ﻗﺒﻠﻨﺎ ﻟﺘﻘﺪﻳﻤﻬﻢ ﺭﺃﻳﻬﻢ ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﺟﺎءﺕ ﺑﻪ ﺭﺳﻠﻬﻢ ﻭأنبياؤﻫﻢ، ﻭاﻫﺘﺪﺕ ﻫﺬﻩ اﻷﻣﺔ ﺑﺎﺗﺒﺎﻋﻬﻢ ﻣﺎ ﺟﺎءﻫﻢ ﺑﻪ ﺭﺳﻠﻬﻢ ﻋﻦ ﺭﺑﻬﻢ، ﻣﻦ ﻏﻴﺮ ﺗﻐﻴﻴﺮ ﻟﻪ ﻭﻻ ﺗﺒﺪﻳﻞ".
(فتح الباري له ٨/ ٧٢)

• وقال ابن حجر: "ﻭﻟﻴﺲ ﺫﻟﻚ ﺑﻌﺠﻴﺐ ﻣﻦ ﻣﺨﺎﻟﻔﺘﻬﻢ، ﻛﻤﺎ ﻭﻗﻊ ﻟﻬﻢ ﻓﻲ ﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ: " اﺩﺧﻠﻮا اﻟﺒﺎﺏ ﺳﺠﺪا ﻭﻗﻮﻟﻮا ﺣﻄﺔ" ﻭﻏﻴﺮ ﺫﻟﻚ، ﻭﻛﻴﻒ ﻻ ﻭﻫﻢ اﻟﻘﺎﺋﻠﻮﻥ ﺳﻤﻌﻨﺎ ﻭﻋﺼﻴﻨﺎ".
(فتح الباري ٢/ ٣٥٥ )

• فانظر كيف أورث ﷲ هذه الأمة فضيلة هذا اليوم حين تولت عن حمله وأخذه بحقه الأمم السابقة.

• ودل الحديث على أن هناك من الشرائع ما فرض على الأمم السالفة فاختلفوا فيه ثم فرض على هذه الأمة فكان لها فضيلة الاصطفاء بالتشريع، ثم فضيلة القيام به.

• وقد دل عليه أيضا ما ثبت في مسلم ﻋﻦ ﺃﺑﻲ ﺑﺼﺮﺓ اﻟﻐﻔﺎﺭﻱ ﻗﺎﻝ: ﺻﻠﻰ ﺑﻨﺎ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ اﻟﻌﺼﺮ بالمخمص، ﻓﻘﺎﻝ: "ﺇﻥ ﻫﺬﻩ اﻟﺼﻼﺓ ﻋﺮﺿﺖ ﻋﻠﻰ ﻣﻦ ﻛﺎﻥ ﻗﺒﻠﻜﻢ ﻓﻀﻴﻌﻮﻫﺎ! ﻓﻤﻦ ﺣﺎﻓﻆ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻛﺎﻥ ﻟﻪ ﺃﺟﺮﻩ ﻣﺮﺗﻴﻦ، ﻭﻻ ﺻﻼﺓ ﺑﻌﺪﻫﺎ ﺣﺘﻰ ﻳﻄﻠﻊ اﻟﺸﺎﻫﺪ".
(مسلم ٨٣٠)

• وهذا الحديث العظيم فيه دلالة على فضيلة القيام بالحق حين يتخلف عنه من أوتيه.
• وأن ذلك من أسباب مضاعفة الأجر.

• ويؤخذ منه أن من يسّرت له سبل طاعة وفضل، فلم يرعها وتولى؛ فربما سلبها واستبدل به غيره.

• وقد دلّ على فضيلة مضاعفة الأجر لهذه الأمة مع قليل العمل في مقابل الأمم السالفة؛ ما ثبت في البخاري ﻋﻦ ﺃﺑﻲ ﻣﻮﺳﻰ قال ﷺ: "ﻣﺜﻞ اﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ ﻭاﻟﻴﻬﻮﺩ ﻭاﻟﻨﺼﺎﺭﻯ كمثل ﺭﺟﻞ اﺳﺘﺄﺟﺮ ﻗﻮﻣﺎ ﻳﻌﻤﻠﻮﻥ ﻟﻪ ﻋﻤﻼ ﻳﻮﻣﺎ ﺇﻟﻰ اﻟﻠﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﺃﺟﺮ ﻣﻌﻠﻮﻡ، ﻓﻌﻤﻠﻮا ﻟﻪ ﺇﻟﻰ ﻧﺼﻒ اﻟﻨﻬﺎﺭ، ﻓﻘﺎﻟﻮا: ﻻ ﺣﺎﺟﺔ ﻟﻨﺎ ﺇﻟﻰ ﺃﺟﺮﻙ اﻟﺬﻱ ﺷﺮﻃﺖ ﻟﻨﺎ ﻭﻣﺎ ﻋﻤﻠﻨﺎ ﺑﺎﻃﻞ!
ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻬﻢ: ﻻ ﺗﻔﻌﻠﻮا، ﺃﻛﻤﻠﻮا ﺑﻘﻴﺔ ﻋﻤﻠﻜﻢ، ﻭﺧﺬﻭا ﺃﺟﺮﻛﻢ ﻛﺎﻣﻼ ﻓﺄﺑﻮا ﻭﺗﺮﻛﻮا!
ﻭاﺳﺘﺄﺟﺮ ﺃﺟﻴﺮﻳﻦ ﺑﻌﺪﻫﻢ، ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻬﻤﺎ: ﺃﻛﻤﻼ ﺑﻘﻴﺔ ﻳﻮﻣﻜﻤﺎ ﻫﺬا ﻭﻟﻜﻤﺎ اﻟﺬي ﺷﺮﻃﺖ ﻟﻬﻢ ﻣﻦ اﻷﺟﺮ، ﻓﻌﻤﻠﻮا ﺣﺘﻰ ﺇﺫا ﻛﺎﻥ ﺣﻴﻦ ﺻﻼﺓ اﻟﻌﺼﺮ ﻗﺎﻻ: ﻟﻚ ﻣﺎ ﻋﻤﻠﻨﺎ ﺑﺎﻃﻞ، ﻭﻟﻚ اﻷﺟﺮ اﻟﺬﻱ ﺟﻌﻠﺖ ﻟﻨﺎ ﻓﻴﻪ!
ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻬﻤﺎ: ﺃﻛﻤﻼ ﺑﻘﻴﺔ ﻋﻤﻠﻜﻤﺎ ﻣﺎ ﺑﻘﻲ ﻣﻦ اﻟﻨﻬﺎﺭ ﺷﻲء ﻳﺴﻴﺮ ﻓﺄﺑﻴﺎ!
ﻭاﺳﺘﺄﺟﺮ ﻗﻮﻣﺎ ﺃﻥ ﻳﻌﻤﻠﻮا ﻟﻪ ﺑﻘﻴﺔ ﻳﻮﻣﻬﻢ، ﻓﻌﻤﻠﻮا ﺑﻘﻴﺔ ﻳﻮﻣﻬﻢ ﺣﺘﻰ ﻏﺎﺑﺖ اﻟﺸﻤﺲ، ﻭاﺳﺘﻜﻤﻠﻮا ﺃﺟﺮ اﻟﻔﺮﻳﻘﻴﻦ ﻛﻠﻴﻬﻤﺎ، ﻓﺬﻟﻚ مثلهم ﻭﻣﺜﻞ ﻣﺎ ﻗﺒﻠﻮا ﻣﻦ ﻫﺬا اﻟﻨﻮﺭ ".
(البخاري ٥٥٨).

والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
٢١/ ١ / ١٤٣٩ هـ

الثلاثاء، 26 سبتمبر 2017

الإحسان المالي الواجب لغير القريب.

         بسم الله الرحمن الرحيم
      الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.. أما بعد:
فمن نظر في نصوص الوحي نطقت له بأعظم بيان وأجلاه على رعاية حق المسلم على أخيه وعلو شأنه وأرفعية قدره، وسيرى ناظر ذلك؛ كم كان الشرع حفيّا ببسط أسباب الإحسان منوّها بها فاتحا لذرائعها، وسيدلك على ذلك تواطؤ التصرفات الشرعية على ذكر وجوه الحقوق الأخوية والتأكيد عليها، وسيظهر لك ذلك على غايةٍ من ظهور؛ إذا رأيت التأكيدات الشرعية تبلغ إلى إيجاب حقوق في مال المسلم على أخيه بمقتضى الأخوة الدينية فحسب؛ وإن لم تجب بزكاة أو عقد أو ملك أو نفقة قرابة أو نكاح.

وهذه وجوه مسفرة عن تلك الأحكام الشرعية، وإشارات سائرة إلى هذه المسائل الدينية، دون استقصاء أو ضرورة ترجيح -فتحقيق القول في مثل هذه المسائل وتطلب المرجحات ليس مقصدا في هذه الورقة- إنما هو التنويه بحق المسلم والإشادة برفعة قدره وعلو شأنه في هذه الشريعة المطهرة:

1- الضيافة، فمن الحقوق المالية للمسلم على أخيه المسلم، ضيافته، وقد ثبت في الصحيحين عن عقبة بن عامر قال: قلنا للنبي صلى الله عليه وسلم: إنك تبعثنا، فننزل بقوم لا يقرونا، فما ترى فيه؟ فقال لنا: «إن نزلتم بقوم فأمر لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف»[1] 
وقد ذهب إلى وجوبها الليث وأحمد، خاصة عند الحاجة للقرى والاستضافة، ولاسيما في القرى والبوادي حيث يندر الاتجار بالطعام وتنعدم كراء خانات المساكن والبيوتات وهو قول ابن جرير عند الاحتياج، واختاره ابن حزم.[2]

2- استنقاذ المضطر، فإذا اضطر المسلم لبقاء مهجته إلى طعام أو شراب وعجز عن ثمنه ثم خُشي هلكه بالتراخي في بذله له وجب بذله، وهذا محل إجماع[3].

3- بذل منفعة المرافق للجار إن لم يكن على صاحب المرفق ضرر واحتاج الجار لذلك، فقد بلغ حق المسلم على أخيه مبلغا جاء فيه الأمر ببذل المسلم لأخيه المنفعة ولو كان عليه فيه شيء من ضرر يسير، ليحصل لجاره منفعة أعظم من الضرر اليسير الذي نزل به، كما في وضع الجار خشب بيته على جدار جاره إذا احتاج لذلك، وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبه في جداره»، ثم يقول أبو هريرة: «ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم».[4]
ومقتضاه وجوب بذل هذه المنفعة، وهو قول أحمد والقديم للشافعي ومذهب بعض أهل الحديث.[5]
ومن ذلك ما ثبت في الموطأ عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه؛أن الضحاك بن خليفة ساق خليجا له من العريض، فأراد أن يمر في أرض محمد بن مسلمة فأبى محمد فقال الضحاك: لم تمنعني؟ وهو لك منفعة تشرب منه أولا وآخرا، ولا يضرك!
فأبى محمد، فكلم الضحاك عمر بن الخطاب فدعا عمر محمد بن مسلمة, فأمره أن يخلي سبيله، فقال: لا، فقال عمر: لمحمد بن مسلمة لم تمنع أخاك ما ينفعه، وهو لك منفعة، تشرب به أولا وآخرا ولا يضرك؟ فقال محمد بن مسلمة: لا والله!
فقال عمر - رضي الله عنه -: والله ليمرن به، ولو على بطنك، فأمر عمر أن يمر به، ففعل الضحاك.[6].
 وإيجاب بذل المنفعة للمحتاج مذهب أحمد وغيره، واختاره ابن تيمية.[7]

4- وضع الجوائح: وهو حط ثمن المبيع من الثمر إن أصابته آفة سماوية، لحديث جابر في مسلم والسنن: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح".[8]
والقول بالوجوب مذهب المالكية والحنابلة وأهل الحديث.

6 - بذل العارية، مع غنى مالكها، واحتاج إليها أخوه المسلم ممن يؤتمن عليها، وأجمعوا على مشروعيتها، ووقع الخلاف في وجوبها، والقول بوجوبها قول في مذهب أحمد اختاره ابن تيمية.[9]
والأصل فيها قول الله جل جلاله: "ويمنعون الماعون"، قال عبد الله بن مسعود : «كنا نعد الماعون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عور الدلو والقدر»، وبوب عليه أبو داود : باب : في حقوق المال[10].
وشرعة العارية من محاسن الشريعة، وفيها يقول ابن رشد –وهو ممن يقول بسنية بذلها-:"عارة المتاع من عمل المعروف وأخلاق المؤمنين، فينبغي للناس أن يتوارثوا ذلك فيما بينهم ويتعاملوا به ولا يشحوا به ويمنعوه، ومن منع ذلك وشح به فلا إثم عليه ولا حرج؛ إلا أنه قد رغب عن مكارم الأخلاق ومحمودها، واختار لئيمها ومذمومها"[11]
ومما يحسن أن نذكر هنا أن نظر الشرع للعارية بلغ في تحقيق الإحسان بها أن جعلها زكاة مال، فإن عارية الذهب زكاته عند جمع من الصحابة والتابعين.[12]

7 - بذل السكن لمن يحتاجه، مع وجود فضل السكن للمسلم، قال ابن تيمية: "إذا قدر أن قوما اضطروا إلى سكنى بيت إنسان لم يجدوا غيره؛ فعليه أن يسكنهم".[13]

8 – منع الاحتكار، وإجباره على بيع سلعته، وهذا إرفاق بالمسلمين مع ما فيه من تقييد لاستعمال الحق، وقد ثبت في مسلم: "لا يحتكر إلا خاطئ".[14]
ونصوص الفقهاء متكاثرة في وجوب بيعه بنحو سعر مثله.[15]

9 – الشفعة للشريك، فإن للشريك حقا في انتزاع نصيب شريكه ممن انتقل إليه بعوض مالي، وقد ثبت في الصحيحين من حديث جابر :" قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم ".[16]
وهي محل إجماع عند الفقهاء[17].

10 - نزع الملكية للمصلحة العامة؛ فقد روى الأزرقي في أخبار مكة للأزرقي عن ابن جريج، قال: "كان المسجد الحرام ليس عليه جدرات محاطة، إنما كانت الدور محدقة به من كل جانب، غير أن بين الدور أبوابا يدخل منها الناس من كل نواحيه، فضاق على الناس، فاشترى عمر بن الخطاب رضي الله عنه دورا فهدمها، وهدم على من قرب من المسجد وأبى بعضهم أن يأخذ الثمن، وتمنع من البيع، فوضعت أثمانها في خزانة الكعبة حتى أخذوها بعد، ثم أحاط عليه جدارا قصيرا، وقال لهم عمر: إنما نزلتم على الكعبة فهو فناؤها، ولم تنزل الكعبة عليكم، ثم كثر الناس في زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه فوسع المسجد، واشترى من قوم، وأبى آخرون أن يبيعوا، فهدم عليهم فصيحوا به فدعاهم، فقال: «إنما جرأكم علي حلمي عنكم، فقد فعل بكم عمر هذا فلم يصح به أحد فاحتذيت على مثاله فصيحتم بي» ، ثم أمر بهم إلى الحبس حتى كلمه فيهم عبد الله بن خالد بن أسيد فتركهم"[18].

11 – إطراق الفحل ومنحة اللبن، وقد ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من صاحب إبل، ولا بقر، ولا غنم، لا يؤدي حقها، إلا أقعد لها يوم القيامة بقاع قرقر تطؤه ذات الظلف بظلفها، وتنطحه ذات القرن بقرنها، ليس فيها يومئذ جماء ولا مكسورة القرن» قلنا: يا رسول الله، وما حقها؟ قال:"إطراق فحلها، وإعارة دلوها، ومنيحتها، وحلبها على الماء، وحمل عليها في سبيل الله".[19]
وظاهر الحديث وجوب بذل فحل الأنعام لمن طلب ضرابه، ووجوب منيحتها وحلَبها لمن احتاج، وقد ذهب جمع من السلف إلى ذلك، كما هو مذهب عطاء مجاهد والشعبي والحسن وهو اختيار ابن تيمية.[20]
واللطيف في هذا الشأن أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ذلك من العبادات التي يؤمر بها من خشي أن لا يقدر على عزائم الأمر ومؤكدات الشريعة!! فقد ثبت في البخاري عن أبي سعيد، قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله عن الهجرة، فقال: «ويحك إن الهجرة شأنها شديد، فهل لك من إبل؟» قال: نعم، قال:«فتعطي صدقتها؟»، قال: نعم، قال: «فهل تمنح منها شيئا؟»، قال: نعم، قال: «فتحلبها يوم وردها؟»، قال: نعم، قال:«فاعمل من وراء البحار، فإن الله لن يترك من عملك شيئا»([21])، وهذا معنى لطيف يأخذ بيدك لتنظر إلى أي حال بلغ احتفال الشرع المطهر بالمعونة والتواسي، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أشفق على هذا الأعرابي أن لا يقوى على الهجرة، وما فيها من ضغطة مفارقة الوطن، ومع ذلك رغبه في القيام بحقوق المسلمين، وحثه على حلب إبله للمحتاجين ومنحه للمعوزين.

12 - الأكل من البستان لمن دخله، ففي المسند أحمد عن أبي سعيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أتى أحدكم حائطا فأراد أن يأكل، فليناد: يا صاحب الحائط ثلاثا، فإن أجابه وإلا فليأكل، وإذا مر أحدكم بإبل فأراد أن يشرب من ألبانها، فليناد يا صاحب الإبل - أو يا راعي الإبل - فإن أجابه وإلا فليشرب.[22]
وعن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من دخل حائطا فليأكل، ولا يتخذ خبنة"[23].
وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه , فإن أذن له فليحتلب وليشرب , وإن لم يكن فيها فليصوت ثلاثا , فإن أجابه فليستأذنه , وإلا فليحتلب وليشرب ولا يحمل"[24]
وقد ذهب أحمد وإسحاق إلى جواز الأخذات من الثمر بغير إذن صاحب الشجر أو الزرع، إذا لم يكن له حائط يحوطه، سواء عليه أكان مضطرا أم لا.[25]
والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
6/ 1/ 1439
الرياض
ــــــــــــ
([1]) البخاري 2461، ومسلم 1727
([2]) البيان والتحصيل 18/146، كشاف القناع 6/202، المحلى 8/146، مختصر اختلاف العلماء 5/230.
([3]) بل ذهب إلى تضمينه المالكية والحنفية، المبسوط 24/142، حاشية الدسوقي 2/368، الحاوي 18/ 141، المغني 9/216 – 422، وثبت في البيهقي: "أن رجلا أتى أهل ماء فاستسقاهم فلم يسقوه حتى مات عطشا فأغرمهم عمر الدية " برقم 118541
([4]) البخاري 2463، ومسلم 1609
([5]) البيان في فقه الشافعي للعمراني 6/262، المغني لابن قدامة 4/376، وينظر : شرح مشكل الآثار 6/205، والاستذكار 7/191، وشرح ابن بطال للبخاري 6/587
([6]) الموطأ 2/467، والعريض بضم العين واد في المدينة، شرح الزرقاني على الموطأ 4/70
([7]) مجموع الفتاوى 28/99
([8]) رواه مسلم برقم 1554، وأبو داود 3374، والنسائي 4529،– المقدمات 2/540، بداية المجتهد 2/202، التاج والإكليل 6/460، المغني 4/80، كشاف القناع 3/284
([9])المبسوط 11/ 135، الكافي 2/808، مغني المحتاج 3/312، الفروع 7/197، الإنصاف 6/102
([10]) سنن أبي داود 1657، وينظر بحث الطحاوي للمسألة في شرح مشكل الآثار 1/267
([11]) المقدمات 2/469
([12]) زكاة الذهب عاريتُه : هو مذهب ابن عمر وجابر وسعيد بن المسيب والشعبي وغيرهم وهو رواية عن أحمد، الأموال لابن زنجويه 1795، مصنف عبد الرزاق برقم 7045، سنن البيهقي الكبرى 4/236، المغني 3/42
([13]) مجموع  الفتاوى 28/29
([14]) رواه مسلم 1605
([15]) بدائع الصنائع 5/129،المنتقى شرح الموطأ 5/17، نهاية المحتاج 3/472، شرح منتهى الإرادات 2/27
([16]) البخاري 2257، ومسلم 1608
([17]) الإقناع لابن المنذر 1/267
([18]) أخبار مكة للأزرقي 2/69
([19]) مسلم 988
([20]) التمهيد 4/212، وحمل الجمهور الحديث على الأدب والندب، شرح النووي على مسلم 7/66، وذكر العراقي في طرح التثريب أن زيادة "إطراق فحلها .." مرسلة، طرح التثريب 4/11
([21]) البخاري 2633
([22])11044
([23]) رواه الترمذي 1287
([24]) أبو داود 2619، الترمذي 1296
([25]) سنن الترمذي 2/ 581، معالم السنن 4/238، والجمهور على عدم جواز ذلك إلا بإذن صاحبه، المجموع شرح المهذب 9/54، شرح الزركشي على الخرقي 6/ 682