الثلاثاء، 26 سبتمبر 2017

الإحسان المالي الواجب لغير القريب.

         بسم الله الرحمن الرحيم
      الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.. أما بعد:
فمن نظر في نصوص الوحي نطقت له بأعظم بيان وأجلاه على رعاية حق المسلم على أخيه وعلو شأنه وأرفعية قدره، وسيرى ناظر ذلك؛ كم كان الشرع حفيّا ببسط أسباب الإحسان منوّها بها فاتحا لذرائعها، وسيدلك على ذلك تواطؤ التصرفات الشرعية على ذكر وجوه الحقوق الأخوية والتأكيد عليها، وسيظهر لك ذلك على غايةٍ من ظهور؛ إذا رأيت التأكيدات الشرعية تبلغ إلى إيجاب حقوق في مال المسلم على أخيه بمقتضى الأخوة الدينية فحسب؛ وإن لم تجب بزكاة أو عقد أو ملك أو نفقة قرابة أو نكاح.

وهذه وجوه مسفرة عن تلك الأحكام الشرعية، وإشارات سائرة إلى هذه المسائل الدينية، دون استقصاء أو ضرورة ترجيح -فتحقيق القول في مثل هذه المسائل وتطلب المرجحات ليس مقصدا في هذه الورقة- إنما هو التنويه بحق المسلم والإشادة برفعة قدره وعلو شأنه في هذه الشريعة المطهرة:

1- الضيافة، فمن الحقوق المالية للمسلم على أخيه المسلم، ضيافته، وقد ثبت في الصحيحين عن عقبة بن عامر قال: قلنا للنبي صلى الله عليه وسلم: إنك تبعثنا، فننزل بقوم لا يقرونا، فما ترى فيه؟ فقال لنا: «إن نزلتم بقوم فأمر لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف»[1] 
وقد ذهب إلى وجوبها الليث وأحمد، خاصة عند الحاجة للقرى والاستضافة، ولاسيما في القرى والبوادي حيث يندر الاتجار بالطعام وتنعدم كراء خانات المساكن والبيوتات وهو قول ابن جرير عند الاحتياج، واختاره ابن حزم.[2]

2- استنقاذ المضطر، فإذا اضطر المسلم لبقاء مهجته إلى طعام أو شراب وعجز عن ثمنه ثم خُشي هلكه بالتراخي في بذله له وجب بذله، وهذا محل إجماع[3].

3- بذل منفعة المرافق للجار إن لم يكن على صاحب المرفق ضرر واحتاج الجار لذلك، فقد بلغ حق المسلم على أخيه مبلغا جاء فيه الأمر ببذل المسلم لأخيه المنفعة ولو كان عليه فيه شيء من ضرر يسير، ليحصل لجاره منفعة أعظم من الضرر اليسير الذي نزل به، كما في وضع الجار خشب بيته على جدار جاره إذا احتاج لذلك، وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبه في جداره»، ثم يقول أبو هريرة: «ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم».[4]
ومقتضاه وجوب بذل هذه المنفعة، وهو قول أحمد والقديم للشافعي ومذهب بعض أهل الحديث.[5]
ومن ذلك ما ثبت في الموطأ عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه؛أن الضحاك بن خليفة ساق خليجا له من العريض، فأراد أن يمر في أرض محمد بن مسلمة فأبى محمد فقال الضحاك: لم تمنعني؟ وهو لك منفعة تشرب منه أولا وآخرا، ولا يضرك!
فأبى محمد، فكلم الضحاك عمر بن الخطاب فدعا عمر محمد بن مسلمة, فأمره أن يخلي سبيله، فقال: لا، فقال عمر: لمحمد بن مسلمة لم تمنع أخاك ما ينفعه، وهو لك منفعة، تشرب به أولا وآخرا ولا يضرك؟ فقال محمد بن مسلمة: لا والله!
فقال عمر - رضي الله عنه -: والله ليمرن به، ولو على بطنك، فأمر عمر أن يمر به، ففعل الضحاك.[6].
 وإيجاب بذل المنفعة للمحتاج مذهب أحمد وغيره، واختاره ابن تيمية.[7]

4- وضع الجوائح: وهو حط ثمن المبيع من الثمر إن أصابته آفة سماوية، لحديث جابر في مسلم والسنن: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح".[8]
والقول بالوجوب مذهب المالكية والحنابلة وأهل الحديث.

6 - بذل العارية، مع غنى مالكها، واحتاج إليها أخوه المسلم ممن يؤتمن عليها، وأجمعوا على مشروعيتها، ووقع الخلاف في وجوبها، والقول بوجوبها قول في مذهب أحمد اختاره ابن تيمية.[9]
والأصل فيها قول الله جل جلاله: "ويمنعون الماعون"، قال عبد الله بن مسعود : «كنا نعد الماعون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عور الدلو والقدر»، وبوب عليه أبو داود : باب : في حقوق المال[10].
وشرعة العارية من محاسن الشريعة، وفيها يقول ابن رشد –وهو ممن يقول بسنية بذلها-:"عارة المتاع من عمل المعروف وأخلاق المؤمنين، فينبغي للناس أن يتوارثوا ذلك فيما بينهم ويتعاملوا به ولا يشحوا به ويمنعوه، ومن منع ذلك وشح به فلا إثم عليه ولا حرج؛ إلا أنه قد رغب عن مكارم الأخلاق ومحمودها، واختار لئيمها ومذمومها"[11]
ومما يحسن أن نذكر هنا أن نظر الشرع للعارية بلغ في تحقيق الإحسان بها أن جعلها زكاة مال، فإن عارية الذهب زكاته عند جمع من الصحابة والتابعين.[12]

7 - بذل السكن لمن يحتاجه، مع وجود فضل السكن للمسلم، قال ابن تيمية: "إذا قدر أن قوما اضطروا إلى سكنى بيت إنسان لم يجدوا غيره؛ فعليه أن يسكنهم".[13]

8 – منع الاحتكار، وإجباره على بيع سلعته، وهذا إرفاق بالمسلمين مع ما فيه من تقييد لاستعمال الحق، وقد ثبت في مسلم: "لا يحتكر إلا خاطئ".[14]
ونصوص الفقهاء متكاثرة في وجوب بيعه بنحو سعر مثله.[15]

9 – الشفعة للشريك، فإن للشريك حقا في انتزاع نصيب شريكه ممن انتقل إليه بعوض مالي، وقد ثبت في الصحيحين من حديث جابر :" قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم ".[16]
وهي محل إجماع عند الفقهاء[17].

10 - نزع الملكية للمصلحة العامة؛ فقد روى الأزرقي في أخبار مكة للأزرقي عن ابن جريج، قال: "كان المسجد الحرام ليس عليه جدرات محاطة، إنما كانت الدور محدقة به من كل جانب، غير أن بين الدور أبوابا يدخل منها الناس من كل نواحيه، فضاق على الناس، فاشترى عمر بن الخطاب رضي الله عنه دورا فهدمها، وهدم على من قرب من المسجد وأبى بعضهم أن يأخذ الثمن، وتمنع من البيع، فوضعت أثمانها في خزانة الكعبة حتى أخذوها بعد، ثم أحاط عليه جدارا قصيرا، وقال لهم عمر: إنما نزلتم على الكعبة فهو فناؤها، ولم تنزل الكعبة عليكم، ثم كثر الناس في زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه فوسع المسجد، واشترى من قوم، وأبى آخرون أن يبيعوا، فهدم عليهم فصيحوا به فدعاهم، فقال: «إنما جرأكم علي حلمي عنكم، فقد فعل بكم عمر هذا فلم يصح به أحد فاحتذيت على مثاله فصيحتم بي» ، ثم أمر بهم إلى الحبس حتى كلمه فيهم عبد الله بن خالد بن أسيد فتركهم"[18].

11 – إطراق الفحل ومنحة اللبن، وقد ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من صاحب إبل، ولا بقر، ولا غنم، لا يؤدي حقها، إلا أقعد لها يوم القيامة بقاع قرقر تطؤه ذات الظلف بظلفها، وتنطحه ذات القرن بقرنها، ليس فيها يومئذ جماء ولا مكسورة القرن» قلنا: يا رسول الله، وما حقها؟ قال:"إطراق فحلها، وإعارة دلوها، ومنيحتها، وحلبها على الماء، وحمل عليها في سبيل الله".[19]
وظاهر الحديث وجوب بذل فحل الأنعام لمن طلب ضرابه، ووجوب منيحتها وحلَبها لمن احتاج، وقد ذهب جمع من السلف إلى ذلك، كما هو مذهب عطاء مجاهد والشعبي والحسن وهو اختيار ابن تيمية.[20]
واللطيف في هذا الشأن أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ذلك من العبادات التي يؤمر بها من خشي أن لا يقدر على عزائم الأمر ومؤكدات الشريعة!! فقد ثبت في البخاري عن أبي سعيد، قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله عن الهجرة، فقال: «ويحك إن الهجرة شأنها شديد، فهل لك من إبل؟» قال: نعم، قال:«فتعطي صدقتها؟»، قال: نعم، قال: «فهل تمنح منها شيئا؟»، قال: نعم، قال: «فتحلبها يوم وردها؟»، قال: نعم، قال:«فاعمل من وراء البحار، فإن الله لن يترك من عملك شيئا»([21])، وهذا معنى لطيف يأخذ بيدك لتنظر إلى أي حال بلغ احتفال الشرع المطهر بالمعونة والتواسي، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أشفق على هذا الأعرابي أن لا يقوى على الهجرة، وما فيها من ضغطة مفارقة الوطن، ومع ذلك رغبه في القيام بحقوق المسلمين، وحثه على حلب إبله للمحتاجين ومنحه للمعوزين.

12 - الأكل من البستان لمن دخله، ففي المسند أحمد عن أبي سعيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أتى أحدكم حائطا فأراد أن يأكل، فليناد: يا صاحب الحائط ثلاثا، فإن أجابه وإلا فليأكل، وإذا مر أحدكم بإبل فأراد أن يشرب من ألبانها، فليناد يا صاحب الإبل - أو يا راعي الإبل - فإن أجابه وإلا فليشرب.[22]
وعن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من دخل حائطا فليأكل، ولا يتخذ خبنة"[23].
وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه , فإن أذن له فليحتلب وليشرب , وإن لم يكن فيها فليصوت ثلاثا , فإن أجابه فليستأذنه , وإلا فليحتلب وليشرب ولا يحمل"[24]
وقد ذهب أحمد وإسحاق إلى جواز الأخذات من الثمر بغير إذن صاحب الشجر أو الزرع، إذا لم يكن له حائط يحوطه، سواء عليه أكان مضطرا أم لا.[25]
والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
6/ 1/ 1439
الرياض
ــــــــــــ
([1]) البخاري 2461، ومسلم 1727
([2]) البيان والتحصيل 18/146، كشاف القناع 6/202، المحلى 8/146، مختصر اختلاف العلماء 5/230.
([3]) بل ذهب إلى تضمينه المالكية والحنفية، المبسوط 24/142، حاشية الدسوقي 2/368، الحاوي 18/ 141، المغني 9/216 – 422، وثبت في البيهقي: "أن رجلا أتى أهل ماء فاستسقاهم فلم يسقوه حتى مات عطشا فأغرمهم عمر الدية " برقم 118541
([4]) البخاري 2463، ومسلم 1609
([5]) البيان في فقه الشافعي للعمراني 6/262، المغني لابن قدامة 4/376، وينظر : شرح مشكل الآثار 6/205، والاستذكار 7/191، وشرح ابن بطال للبخاري 6/587
([6]) الموطأ 2/467، والعريض بضم العين واد في المدينة، شرح الزرقاني على الموطأ 4/70
([7]) مجموع الفتاوى 28/99
([8]) رواه مسلم برقم 1554، وأبو داود 3374، والنسائي 4529،– المقدمات 2/540، بداية المجتهد 2/202، التاج والإكليل 6/460، المغني 4/80، كشاف القناع 3/284
([9])المبسوط 11/ 135، الكافي 2/808، مغني المحتاج 3/312، الفروع 7/197، الإنصاف 6/102
([10]) سنن أبي داود 1657، وينظر بحث الطحاوي للمسألة في شرح مشكل الآثار 1/267
([11]) المقدمات 2/469
([12]) زكاة الذهب عاريتُه : هو مذهب ابن عمر وجابر وسعيد بن المسيب والشعبي وغيرهم وهو رواية عن أحمد، الأموال لابن زنجويه 1795، مصنف عبد الرزاق برقم 7045، سنن البيهقي الكبرى 4/236، المغني 3/42
([13]) مجموع  الفتاوى 28/29
([14]) رواه مسلم 1605
([15]) بدائع الصنائع 5/129،المنتقى شرح الموطأ 5/17، نهاية المحتاج 3/472، شرح منتهى الإرادات 2/27
([16]) البخاري 2257، ومسلم 1608
([17]) الإقناع لابن المنذر 1/267
([18]) أخبار مكة للأزرقي 2/69
([19]) مسلم 988
([20]) التمهيد 4/212، وحمل الجمهور الحديث على الأدب والندب، شرح النووي على مسلم 7/66، وذكر العراقي في طرح التثريب أن زيادة "إطراق فحلها .." مرسلة، طرح التثريب 4/11
([21]) البخاري 2633
([22])11044
([23]) رواه الترمذي 1287
([24]) أبو داود 2619، الترمذي 1296
([25]) سنن الترمذي 2/ 581، معالم السنن 4/238، والجمهور على عدم جواز ذلك إلا بإذن صاحبه، المجموع شرح المهذب 9/54، شرح الزركشي على الخرقي 6/ 682

الأربعاء، 20 سبتمبر 2017

نزول المصائب بالصالحين ومن دونهم.. الأسباب والآثار.

     الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
     أما بعد:
   فعند نزول المصائب والبأساء والبلايا الخاصة والعامة -كالغرق والحرَق والزلازل- يختلف ميزان نظر الناس لها بحسب الاهتداء بنور الوحي ‏والرجوع للأدلة، ويدور على ألسنة الناس أسئلة عن أسبابها ونتائجها، فيكثر السؤال عن سبب المصيبة:
    هل للمعاصي أثر في ذلك؟
    هل يبتلى بالمصائب عقوبة؟ أم ربما كانت لتكفير السيئات ورفعة الدرجات؟
   وإذا كانت المعاصي سببًا للمصائب فلماذا نرى بعض الكفار في بلنهية من العيش وخفض وسعة؟
     وهنا ذكر لأصول شرعية يجب رعيها وتفهمها عند الحديث عن أسباب المصائب والبلايا وآثارها:

     • الأصل الأول: أنه ما من مصيبة تنزل بالعباد إلا بذنوبهم، كما قال ﷻ: (وَمَاۤ أَصَـٰبَكُم مِّن مُّصِیبَةࣲ فَبِمَا كَسَبَتۡ أَیۡدِیكُمۡ وَیَعۡفُوا۟ عَن كَثِیرࣲ).
     وكما قال ﷻ: (وما أصابك من سيئة فمن نفسك)، وقد روى ابن جرير عن ابن عباس: "السيئة ما أصاب يوم أحد".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في تفسير هذه الآية: "ﻭﻣﺎ ﻳﺼﻴﺒﻪ ﻣﻦ اﻟﺸﺮ ﻓﺒﺬﻧﻮﺑﻪ ﻭﻣﻌﺎﺻﻴﻪ ﻛﻤﺎ ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ: {ﻭﻣﺎ ﺃصابكم ﻣﻦ ﻣﺼﻴﺒﺔ ﻓﺒﻤﺎ ﻛﺴﺒﺖ ﺃﻳﺪﻳﻜﻢ} (مجموع الفتاوى ٨/ ٦٨)
     وقال: (ﻭﻗﻮﻟﻪ {ﻭﻣﺎ ﺃﺻﺎﺑﻚ} ﺇﻣﺎ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﻛﺎﻑ اﻟﺨﻄﺎﺏ ﻟﻪ ﷺ - كما ﻗﺎﻝ اﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ ﻭﻏﻴﺮﻩ - ﻭﻫﻮ اﻷﻇﻬﺮ، ﻟﻘﻮﻟﻪ ﺑﻌﺪ ﺫﻟﻚ، {ﻭﺃﺭﺳﻠﻨﺎﻙ ﻟﻠﻨﺎﺱ ﺭﺳﻮﻻ}، ﻭﺇﻣﺎ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﻟﻜﻞ ﻭاﺣﺪ ﻣﻦ اﻵﺩﻣﻴﻴﻦ، ﻛﻘﻮﻟﻪ {ﻳﺎ ﺃﻳﻬﺎ اﻹﻧﺴﺎﻥ ﻣﺎ ﻏﺮﻙ ﺑﺮﺑﻚ اﻟﻜﺮﻳﻢ}، ﻟﻜﻦ ﻫﺬا ﺿﻌﻴﻒ، ﻓﺈﻧﻪ ﻟﻢ ﻳﺘﻘﺪﻡ ﻫﻨﺎ ﺫﻛﺮ اﻹﻧﺴﺎﻥ ﻭﻻ ﻣﻜﺎﻧﻪ. ﻭﺇنما ﺗﻘﺪﻡ ﺫﻛﺮ ﻃﺎﺋﻔﺔ ﻗﺎﻟﻮا ﻣﺎ ﻗﺎﻟﻮﻩ، ﻓﻠﻮ ﺃﺭﻳﺪ ﺫﻛﺮﻫﻢ: ﻟﻘﻴﻞ ﻣﺎ ﺃﺻﺎﺑﻬﻢ ﻣﻦ ﺣﺴﻨﺔ ﻓﻤﻦ اﻟﻠﻪ ﻭﻣﺎ ﺃﺻﺎﺑﻬﻢ ﻣﻦ ﺳﻴﺌﺔ، ﻟﻜﻦ ﺧﻮﻃﺐ اﻟﺮﺳﻮﻝ ﺑﻬﺬا، ﻷﻧﻪ ﺳﻴﺪ ﻭﻟﺪ ﺁﺩﻡ، ﻭﺇﺫا ﻛﺎﻥ ﻫﺬا ﺣﻜﻤﻪ: ﻛﺎﻥ ﻫﺬا ﺣﻜﻢ ﻏﻴﺮﻩ ﺑﻄﺮﻳﻖ اﻷﻭﻟﻰ ﻭاﻷﺣﺮﻯ).
     وقد تعجب الصحابة من وقوع مصيبة الهزيمة والقتل في أحد، فأنزل ﷲ: "أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا، قل هو من عند أنفسكم".
‏     وعتب ﷲ على الصحابة بعد هزيمة أحد فقال: "إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا".

     فإن قال قائل: أليس قد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "يبتلى المرء على حسب دينه"؟
قيل: نعم، قد صح ذلك عنه عند أهل السنن من حديث سعد بن أبي وقاص، ولو أكمل الحديث لبان لك صدره وانكشف لك فجره!
     فقد ثبت عن سعد أنه قال: ﻗﻠﺖ: ﻳﺎ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ، ﺃﻱ اﻟﻨﺎﺱ ﺃﺷﺪ ﺑﻼء؟ ﻗﺎﻝ: "اﻷﻧﺒﻴﺎء ﺛﻢ اﻷﻣﺜﻞ فاﻷﻣﺜﻞ، ﻓﻴﺒﺘﻠﻰ اﻟﺮﺟﻞ ﻋﻠﻰ ﺣﺴﺐ ﺩﻳﻨﻪ، ﻓﺈﻥ ﻛﺎﻥ ﺩﻳﻨﻪ ﺻﻠﺒﺎ اﺷﺘﺪ ﺑﻼﺅﻩ، ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻥ ﻓﻲ ﺩﻳﻨﻪ ﺭﻗﺔ اﺑﺘﻠﻲ ﻋﻠﻰ ﺣﺴﺐ ﺩﻳﻨﻪ، ﻓﻤﺎ ﻳﺒﺮﺡ اﻟﺒﻼء ﺑﺎﻟﻌﺒﺪ ﺣﺘﻰ ﻳﺘﺮﻛﻪ ﻳﻤﺸﻲ ﻋﻠﻰ اﻷﺭﺽ ﻣﺎ ﻋﻠﻴﻪ ﺧﻄﻴﺌﺔ".
     فتأمل كيف ذكر أن عاقبة ذلك أنه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة.
    ولهذا حين بوّب البخاري في صحيحه (ﺑﺎﺏ: ﺃﺷﺪ اﻟﻨﺎﺱ ﺑﻼء اﻷﻧﺒﻴﺎء، ﺛﻢ اﻷﻣﺜﻞ فاﻷﻣﺜﻞ) أورد تحته حديث ابن مسعود ﻗﺎﻝ: ﺩﺧﻠﺖ ﻋﻠﻰ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﻭﻫﻮ ﻳﻮﻋﻚ، ﻓﻘﻠﺖ: ﻳﺎ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ، ﺇﻧﻚ ﻟﺘﻮﻋﻚ ﻭﻋﻜﺎ ﺷﺪﻳﺪا؟
ﻗﺎﻝ: «ﺃﺟﻞ، ﺇﻧﻲ ﺃﻭﻋﻚ ﻛﻤﺎ ﻳﻮﻋﻚ ﺭﺟﻼﻥ ﻣﻨﻜﻢ»
ﻗﻠﺖ: ﺫﻟﻚ ﺃﻥ ﻟﻚ ﺃﺟﺮﻳﻦ؟
ﻗﺎﻝ: «ﺃﺟﻞ ﺫﻟﻚ ﻛﺬﻟﻚ، ﻣﺎ ﻣﻦ ﻣﺴﻠﻢ ﻳﺼﻴﺒﻪ ﺃﺫﻯ، ﺷﻮﻛﺔ ﻓﻤﺎ ﻓﻮﻗﻬﺎ، ﺇﻻ ﻛﻔﺮ اﻟﻠﻪ ﺑﻬﺎ ﺳﻴﺌﺎﺗﻪ، ﻛﻤﺎ ﺗﺤﻂ اﻟﺸﺠﺮﺓ ﻭﺭﻗﻬﺎ».
      فتأمل آخرة الحديث، مع أنه قد ذكر فيه رفع الدرجات ثم بيّن النبي ﷺ أن ذلك مع تكفير السيئات.
     ويعضده ما ثبت في الترمذي ﻋﻦ ﺃﺑﻲ ﻫﺮﻳﺮﺓ، ﻗﺎﻝ: ﻗﺎﻝ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ: "ﻣﺎ ﻳﺰاﻝ اﻟﺒﻼء ﺑﺎﻟﻤﺆﻣﻦ ﻭاﻟﻤﺆﻣﻨﺔ ﻓﻲ ﻧﻔﺴﻪ ﻭﻭﻟﺪﻩ ﻭﻣﺎﻟﻪ ﺣﺘﻰ ﻳﻠﻘﻰ اﻟﻠﻪ ﻭﻣﺎ ﻋﻠﻴﻪ ﺧﻄﻴﺌﺔ".
وقال الترمذي: ﻫﺬا ﺣﺪﻳﺚ ﺣﺴﻦ ﺻﺤﻴﺢ.
     فتشديد البلاء على الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ليس لكثرة ذنوبهم، ولكن ليعظم تكفير الذنوب، فيكثر بلاؤهم ليكثر تكفير ذنوبهم، وإلا فذنوبهم أقلّ من ذنوب غيرهم، ثم لا تستوحش من هذا، فتقول: وهل للأنبياء ذنوب؟! فإن الأدلة دالة على تجويز الصغائر على الأنبياء دون أن يقرّوا عليها، وعلى هذا عامة السلف، والقول بعصمتهم من الصغائر قول حادث، قال ﷻ: (وعصى آدم ربه فغوى)، وقال: (فاعلم أنه لا إله إلا ﷲ واستغفر لذنبك).

     • الأصل الثاني: إذا تقرر أن كل بلاء وعقوبة فبذنب؛ فليس يلزم أن يعاقب العبد بكل ذنب، بل إن كثيرًا من الذنوب لا يؤاخذ ﷲ بها العباد، كما قال سبحانه: "وما أصابكم ‏من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير".
وهذه الآية اجتمع فيها أصلان:
- أن المصائب من الذنوب.
- ولكن لا يلزم العقوبة على كل ذنب.

     وإنك واجد عند وقوع المصيبة تسلطًا وسخرية من تسبيب العقوبات بالذنوب؛ وربما يقول قائلهم: انظر إلى الكفار يأتون أعظم الذنوب ولم ينزل بهم ما نزل ببعض المسلمين!، وإن نزل بالكفار مصيبة قال: لا تقل إن ذلك بذنبهم، فقد نزل بالمسلمين مثلما نزل بهم.

     وهذه غفلة عظيمة عن أصل في ‏الباب، فإن الأدلة جاءت بأن البلاء قد ينزل ببعض المؤمنين تكفيرًا لذنبه، وقد يترك بعض الكفار استدراجًا له، قال ﷺ: "لا يصيب المؤمن من مصيبة ‏حتى الشوكة إلا قص الله بها من خطاياه أو كفر بها من خطاياه" رواه مسلم.
     بل إنه يشدّد على المؤمنين كما سبق، كما قال ﷺ: "إن الصالحين يشدد عليهم، وأنه ‏لا يصيب مؤمناً نكبة من شوكة فما فوق ذلك إلا حطت به عنه خطيئة، ورفع له بها درجة" رواه أحمد.
وفيه قال ﷺ: "إﻥ ﻣﻦ ﺃﺷﺪ اﻟﻨﺎﺱ ﺑﻼء اﻷﻧﺒﻴﺎء، ﺛﻢ ‏ﺛﻢ اﻟﺬﻳﻦ ﻳﻠﻮﻧﻬﻢ، ﺛﻢ اﻟﺬﻳﻦ ﻳﻠﻮﻧﻬﻢ".
     وأما الكافر فقد يستدرجه ﷲ كما قال ﷻ: "والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم".

     • الأصل الثالث: أنّ من أصيب بمصيبة وبلاء من أهل الإيمان فلا يجوز تعييره والسخرية بمصابه.
وإن من شؤم السخرية بمن نزل به البلاء من المؤمنين أن تجد من احتملته غضبته حتى أنكر أثر الذنب في المصيبة، انتصارًا للذي عيّر أهل البلاء حين نزلت بهم مصيبة.

     • ومن الأصول المهمة: أن يُعلم أن نزول البلاء قد يكون خيرًا للعبد، فإنه قد يكون سببًا في رجوعه إلى ﷲ، كما قال ﷻ: "ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب  الأكبر ‏لعلهم يرجعون".
     وكثير من الناس ينسى النعم وتعظُم لديه المصيبة، قال ﷲ: "إن الإنسان لربه لكنود" قال الحسن: "يعد المصائب وينسى النعم".

     • ومن الأصول في هذا الباب: أن البلاء قد ينزل فيعم الصالح والفاسد، ففي الصحيحين قال ﷺ: "ﺇﺫا ﺃﻧﺰﻝ اﻟﻠﻪ ﺑﻘﻮﻡ ﻋﺬاﺑﺎ ﺃﺻﺎﺏ اﻟﻌﺬاﺏ ﻣﻦ ﻛﺎﻥ ﻓﻴﻬﻢ، ﺛﻢ ﺑﻌﺜﻮا ﻋﻠﻰ ﺃﻋﻤﺎﻟﻬﻢ".

     • من الأصول العظيمة أيضا: أن النعمة قد تكون بلاء، يبتلي ﷲ العبد بالنعم فيقسو قلبه ويغفل عن ذنبه ولو عوقب لربما رجع، فيمكر به ويزداد في الغيّ.

     • أخيرا: فليس الحديث عن أثر الذنب تزكية للنفس بل كلنا أهل ذنب وتقصير، وما أصبنا من مصائب فبذنوبنا وسيئاتنا، وﷲ يتجاوز ويغفر ولا يؤاخذنا.
والحمد لله والصلاة والسلام على رسول ﷲ.

الأربعاء، 30 أغسطس 2017

(رد مختصر على من ضعف حديث فضيلة صيام يوم عرفة وعاشوراء).

بسم الله الرحمن الرحيم
     الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فمن عجب أن ترى بعضهم مهموما بتعبد الناس! مغتما بازديادهم في الطاعة، وأمارة ذلك: أنك لا تراه يرفع رأسه بقول بعض نقّاد الحديث إلا في تضعيف حديث من أحاديث القربات، ونص من نصوص التعبدات، ومن ذلك ضيق نفوس بعضهم من أحاديث صيام يوم عرفة، فتراه يسعى قد شمر ثوبه نكيرا على من صامه كأنه أتى بابًا من المناكر، ثم تراه بعد ذلك فاتر الهمة، بارد المشاعر إذا انتهكت حرمات ﷲ! فسبحان الله.
وقد ثبت في صحيح مسلم عن ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﻣﻌﺒﺪ اﻟﺰﻣﺎﻧﻲ ﻋﻦ ﺃﺑﻲ ﻗﺘﺎﺩﺓ اﻷﻧﺼﺎﺭﻱ ﺃﻥ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ قال: "ﺻﻴﺎﻡ ﻳﻮﻡ عرفة ﺃﺣﺘﺴﺐ ﻋﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﺃﻥ ﻳﻜﻔﺮ اﻟﺴﻨﺔ اﻟﺘﻲ ﻗﺒﻠﻪ ﻭاﻟﺴﻨﺔ اﻟﺘﻲ ﺑﻌﺪﻩ، ﻭﺻﻴﺎﻡ ﻳﻮﻡ عاشوراء ﺃﺣﺘﺴﺐ ﻋﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﺃﻥ ﻳﻜﻔﺮ اﻟﺴﻨﺔ اﻟﺘﻲ ﻗﺒﻠﻪ".

• وقد زهّد بعضهم في فضيلة صيام هذه الأيام بما جاء عن الإمام البخاري قال: "لا يعرف للزماني سماع عن أبي قتادة" ونسب القول بتضعيفه للدارقطني أيضا.

وهنا إشارات في الرد على دعواه والله المستعان:
• لئن سلمنا أن الحديث قد ضعفه البخاري؛ فقد صححه أئمة كبار: كالإمام مسلم والنسائي وابن خزيمة وابن جرير وابن حبان والطحاوي والحاكم وابن عبدالبر وابن حزم والبغوي والنووي وابن تيمية وابن القيم والذهبي وابن حجر.
وهذا ترجيح منهم لقول مسلم باتصال الحديث، بل إن السيوطي جعله من الأحاديث المتواترة وذلك لكثرة شواهده التي يقوي مجموعها حديث أبي قتادة.
- وقد قال النسائي : "هذا أجود حديث عندي في هذا الباب".
- وقال الإمام الطبري:"هذا خبر عندنا صحيح سنده، لا علة فيه توهنه، ولا سبب يضعفه، لعدالة من بيننا وبين رسول الله ﷺ من نقلته".
- وقال ابن تيمية: "صح عنه ﷺ أنه قال: "صيام يوم عرفة يكفر سنتين وصيام يوم عاشوراء يكفر سنة ".

• وليس من الطريقة الحديثية أن يعمد أحدهم إلى مقالة ناقد من نقاد الحديث أثبت شيئا أو نفاه وخالفه غيره فيقدم قوله دون أن يسوق المرجح لتقديم قول أحدهم، لاسيما مع مخالفة كثير من الأئمة لأحد القولين، فمن رد حديثا أو أثبته بمجرد ذلك فقد استدل بموضع الخلاف وهذا ليس من العلم في شيء.

• ثم قصارى ما جاء عن البخاري نفي ثبوت سماع الزماني من أبي قتادة، وهذا نفي للعلم وليس علما بالنفي، وللعلماء مسالك في منهج البخاري وشرطه بثبوت السماع وعدم الاكتفاء بالمعاصرة وإمكان اللقاء، فإذا تخلف شرطه هذا هل يقضي ذلك بالتضعيف أم أنه إنما ينفي الأصحية؟
ومما لا شك فيه أن اليقين هو الحكم بتوقفه، وما فوق ذلك فمحل تردد، ولذا ذهب أئمة كأبي الحسن القطان إلى أنه من جنس التوقف وليس حكما بالتضعيف، بل ذهب آخرون إلى أن ذلك شرط عال له في صحيحه، وتخلفه لا يدل على الضعف، بل ربما صح عنده ولكنه على غير شرط كتابه كما نصره البلقيني وغيره.

• يرجح السماع أن راويه عن غيلان بن جرير عن الزماني هو شعبة، وكان لا يروي إلا ما ثبت فيه السماع، ما لم يأت عنه النفي ولن يأت عنه نفي ذلك.

• ثم قال المضعف لحديث أبي قتادة أن الدارقطني قال ذلك! وهذا زيف وباطل من القول، فإن الدارقطني ذكر الحديث وساق طرقه ثم لم يحكم بتضعيف الحديث، وكأن هذا المضعف لطراة عهده بكتب العلل حين رأى الدارقطني قد جاء على طرق الحديث يبين الاختلاف على بعض الرواة، ظن ذلك تضعيفا للحديث.
أو ربما حين رآه ذكر طريق حرملة الشيباني عن أبي قتادة ثم قال: "هو مضطرب لا أحكم فيه بشيء"، ظن أنه تضعيف لكل طرق الحديث، وليس كذلك فإنما أراد الدارقطني بذلك طريق حرملة، دون غيره، وهو مع هذا لم يقض فيه بشيء بل توقف وتلبث، فجاء هذا فضعف الحديث ثم لم يكتف حتى ألقى جريرته على الدارقطني وقوّله ذلك.

• فأما صيام عرفة لغير الحاج فقد دل عليه ما ثبت في الصحيحين ﻋﻦ أم الفضل ﻗﺎﻟﺖ: "ﺷﻚ اﻟﻨﺎﺱ ﻓﻲ ﺻﻴﺎﻡ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ يوم عرفة، ﻓﺄﺭﺳﻠﺖ ﺇﻟﻴﻪ ﺑﺈﻧﺎء ﻓﻴﻪ لبن ﻓﺸﺮﺏ".
فلولا أنهم قد اعتادوا صيامه في مثل هذا اليوم في غير سفر لما تنازعوا وشكوا في ذلك.

• وقد كان الصحابة والتابعون يصومون هذا اليوم، ويتحرونه بذلك؛ كما ثبت عن عائشة والزبير بن العوام وابنه عبد الله وعثمان ابن أبي العاص وإبراهيم النخعي وغيرهم.

• وهو مذهب مشهور عند السلف -في غير السفر- حتى قال الترمذي بعد أن روى حديث أبي قتادة السابق: "وقد استحب أهل العلم صيام يوم عرفة إلا بعرفة".

• وقال الطبري في صوم يوم عرفة: "وقد اختار صومه على إفطاره جماعة من الصحابة والتابعين، حتى لقد صامه جماعة منهم بعرفة، وبوّب: (باب ذكر من كان يؤثر صوم يوم عرفة على الإفطار فيه ومن كان يأمر بذلك من الصحابة والتابعين)
ثم روى ذلك بأسانيده عن عائشة والزبير بن العوام وعثمان بن أبي العاص والحسن وسعيد بن جبير".

• والقول بصومه مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، كما حكاه عنهم ابن هبيرة قال: "واتفقوا على أن صوم يوم عرفة مستحب لمن لم يكن بعرفة".

وأما صيام عاشوراء فقد صح عن النبي ﷺ من حديث جمع من الصحابة كابن عباس وابن عمر وعائشة ومعاوية وسلمة بن الأكوع وجابر بن سمرة والربيع بنت معوذ وغيرهم وأحاديثهم في البخاري ومسلم والسنن.
وهو مذهب عامة السلف.


والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

السبت، 5 أغسطس 2017

أوراق فقهية -١٣- : "اختلاف الاصطلاح الفقهي بين المتقدمين والمتأخرين"

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فهنا أمثلة يسيرة على تحول الاصطلاح الفقهي في ألسنة الفقهاء، ذكرت فيه بعض ما في الباب، نفع الله به.
https://goo.gl/DBjVFF

الاثنين، 10 يوليو 2017

(بين الليث الحرب: ابن العربي؛ ومنجنيق الغرب: ابن حزم )


    الحمد لله..
وبعد:
     فقد عض ابن حزم مخالفيه بنابه، ولم يزل يشنع عليهم بمخالفة النص، والأخذ بالرأي وتوليد العلل وبناء الأقيسة عليها، والتقط ما رواه ابن أبي شيبة والدارمي وغيرهما عن الحسن وابن سيرين : "أول من قاس إبليس" (المصنف ٣٥٨٠٦)
فلوح به في وجوه خصومه، وفراهم بلسان فري الأديم، ولقي بحرُه سواقيَ قوم لم تقم له!.
وكان من أكثر أهل العلم حطّا عليه ووضعا منه؛ ابن تلميذه وصاحبه :(ابن العربي المالكي)، فنافر أقواله واعترضها وهوش عليها .
ومن لطيف ما أراد به مناقضة ابن حزم في مقالة:(أول من قاس إبليس)
أنه جعل الأخذ بالظاهر أول المعاصي التي عصى بها آدم!
فقال في قصة أكل آدم من الشجرة من كتاب أحكام القرآن :"ﺃﻧﻪ ﺃﻛﻞ ﻣﻦ ﺟﻨﺲ اﻟﺸﺠﺮﺓ ﻻ ﻣﻦ ﻋﻴﻨﻬﺎ، ﻛﺄﻥ ﺇﺑﻠﻴﺲ ﻏﺮﻩ ﺑﺎﻷﺧﺬ باﻟﻈﺎﻫﺮ، ﻭﻫﻲ ﺃﻭﻝ ﻣﻌﺼﻴﺔ ﻋﺼﻰ اﻟﻠﻪ ﺑﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﻫﺬا اﻟﻘﻮﻝ ﻓﺎﺟﺘﻨﺒﻮﻩ؛ ﻓﺈﻥ ﻓﻲ اﺗﺒﺎﻉ اﻟﻈﺎﻫﺮ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻬﻪ ﻫﺪﻡ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ .. " (أحكام القرآن ١ / ٢٩ )

الأحد، 26 مارس 2017

• (طليعة: الألفاظ الأعجمية في لسان الفقهاء).

           بسم الله الرحمن الرحيم

     الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فهذه طليعة (بحث: الألفاظ الأعجمية في لسان الفقهاء)، أتيت فيه بمقيدات وفوائد في التعريب وأقسامه وأسبابه وأمثلته؛ كنت قد كتبتها لنفسي وقيدتها لأستفيد منها في خاصة أمري، وضعتها عفو القلم، لم أقصد بها استقصاء ولا تحريرا وإنما وقعت لي شيئا بعد شيء، فانتظمت على هذا الترتيب الذي ستراه، وأنت فستجد في قراءتك لها، أنها على نحو التذكرة والتعليقة التي قد يستفيد منها غير المتخصص ويستغني عنها المتخصص، فأحببت أن يشركني أمثالي من أخواني بما لعله لا يخلو من فائدة.

لقد استعملت العرب للدلالة على الألفاظ الأعجمية كلمات ومصطلحات عدة، ومنها:
- المعرّب بتشديد الراء، ويقولون المعرَب بالتسهيل، ولم يستعمل سيبويه إلا التسهيل ولكن استقر الأمر في كتب اللغة على التشديد.
والمعرّب: هو الكلمة الأعجمية التي أخضعتها العرب لقواعد العربية، وقيل بل المعرب ما عربته العرب في عصر الاستشهاد، وقالوا: فأما ما عرب بعد ذلك فهو المولد .

- والدخيل: قيل هو مرادف للمعرب، ولهذا سمى الخفاجي كتابه :" شفاء الغليل فيما في كلام العرب من الدخيل "، إلا أنه ربما أطلق على ما هو أعم من المعرب، فهو كل ما دخل اللغة وإن كان بعد عصر الاستشهاد.
- والأعجمي: يطلق على الكلمات الأعجمية التي لم يخضعها العرب لقواعد اللغة مثل تلفزيون.
- والمولد: هي الكلمات التي استعملها المولدون ، وقيل المولد هو: كل ما تكلم به المولدون سواء بتعريب أو اشتقاق من كلمة عربية أو ارتجال.

• ومنهم من قسّم تقسيما قريبا من ذلك:
١ - المعرّب: وهو ما أخضعته العربية لقواعدها وقبلته في عصور الاحتجاج .

٢ - الدخيل: هو ما لم تخضعه العربية لقواعدها ، وإنما نقلته في عصور الاحتجاج.

٣ - المولّد: ما نُقل بعد عصور الاحتجاج، ويشمل كل تغيير جَدّ في العربية كالتعريب والنحت والاشتقاق.


• كيفية معرفة الأعجمي من الكلمات:
١ - النص على ذلك في الكتب:
فقد درج بعض العلماء على النصّ في كتبهم أن الكلمة غير عربية، كما نرى بعض المفسرين ينص على أن هذه الكلمة موجودة في لغات أخرى ، بالإضافة إلى أن هناك كتباً أُلّفت في حصر الكلمات المعربة أو عقدت فيها فصول لبيان ذلك مثل:
* عقد سيبويه في كتابه بابا بعنوان (هذا باب ما أعرب من الأعجمية)، وكذا عقد أبو عبيد القاسم في كتابه الغريب، وابن قتيبة والثعالبي وغيرهم كثير.
* كتاب المعرّب للجواليقي.
* حاشية ابن بري.
* المهذب للسيوطي.
* قصد السبيل للمحبي.
* شفاء الغليل للخفاجي وغيرها.


٢ - التتبّع التاريخي:
عند تتبع تاريخ الكلمة ومقارنتها باللغات الأخرى يتضح مدى أصالة الكلمة أو استعارتها من لغة أخرى أقدم من اللغة المدروسة.

٣ - النظام الصوتي:
وذلك لأن لكل لغة نظاماً صوتياً تتميز به :
أ - إمّا في نوع الأصوات، فإن هناك حروفا في العربية يقلّ وجودها في غيرها كمثل: (ح ، غ ، ض ، ء ، هـ).

كما أن هناك أحرفاً لا توجد في اللغة العربية مثل:
- الگاف الفارسية، التي يسميها سيبويه: الحرف بين الكاف والجيم مثل: ( لگام عربت بلجام)، ( گورب عربت بجورب)، - ومثل الباء المثقلة پ، ( P )، ويسميها سيبويه: الحرف بين الباء والفاء، مثل: (فالوذج أصلها پالوده).

- ومثل حرف الجيم الفارسية چ في مثل: (چك عربته العرب صك).

- ومثل الفاء المثقلة، ڤ ( V ).

- مع أنهم قد يبدلون الحرف بغيره مع وجوده في لسانهم، كما في (تازه عربتها العرب بطازج) و (كنده عربوها بخندق) و (لشكر عربوه بعسكر).
وقد نصّ القلقشندي في "صبح الأعشى" على أن حروف العربية الفصيحة ثمانية وعشرين (٢٨) حرفًا، وإنها مع غير الفصيحة ثمانية وأربعين (٤٨) حرفًا.

ب - وإما بطريقة تأليف الأصوات فيها:
قال الخليل: "أي كلمة رباعية أو خماسية ليس فيها حرف من أحرف الذلاقة - وهي المجموعة في قوله (مر بنفل) - فليست عربية، على أنه استثنى في معجم (العين) بعض الألفاظ، مثل: عسجد.
 -  قال الجواليقي: لا يجتمع في العربية قاف وجيم ( جلّق، منجنيق)، ولا صاد وجيم (صولجان، جصّ) ، ولا طاء وجيم (طاجم) ، ولا قاف وكاف (قراتكيني).
- ليس في العربية كلمة مبدوءة بنون وَراء أصليتين مثل (نرجس) ، فهذه كلمة أعجمية.
-  لا يجتمع في كلمة السين والذال.
- لا يجتمع الطاء والجيم في كلمة.
- ليس في العربية كلمة مختومة بدال فزاي ، مثل (مهندز): (تعريبها مهندس).
- ليس في جذر عربي نون بعده راء (نرجس).


٤ - النظام المقطعي، فهناك مقاطع لا توجد في العربية، مثل المقطع التالي:
مهراجا: مه را جا
ص + ح + ص ص + ح ح ص + ح ح
فتجده هنا: (مغلق مفتوح طويل مفتوح طويل)
فتوالي المقاطع بهذه الصورة يدل على أن هذه الكلمة ليست عربية، فهي هندية بمعنى الرئيس.

٥ - النظام التصريفي:
- إذا لم يعرف للكلمة أصل اشتقاقي فهي أعجمية مثل:
( تَنّور ): نصّ عليها الجوهري: لأن مادة (تنر) مهملة، ويرى العلامة أحمد شاكر أنها عربية لورودها في القرآن، وقد أوضح ذلك في تتبعه للجواليقي، وقد ورد في المعجمات مشتقات لهذه الكلمة، ومنها : اصطبل - منجنيق .

- كما أن مجيء الكلمة على وزن غير مستعمل في العربية يحكم بعدم عربيتها، مثل: إبريسم، خراسان، إسماعيل، إزميل.

٦ - النظام النحوي: لكل لغة نظام نحوي تتميز به، ومما تتميز به العربية:
- أن الكلمات الأعجمية تمنع من الصرف للعلمية و العجمة، مثل إبراهيم، إسماعيل.
- أن الكلمات الأعجمية لا تدخلها الألف و اللام ،كما زعم بعض العلماء، فأي كلمة لا تدخلها "ال" فهي أعجمية ، نص على ذلك ابن جني في المحتسب.


• • وانتقال المفردات من لغة إلى أخرى ضرورة لغوية اجتماعية، فإن تجاور اللغات وتداخل الأمم والفتوح والهجرات وتنوع المنتج العلمي والطبي والتقني يقتضي دخول الكلمات من لغة إلى أخرى، ولأن اللغة العربية لغة اشتقاقية فقد تنوع تعامل العرب مع الدخيل من الكلمات أو المعاني ( فإن اللغات أنواع:
(اشتقاقية - وجامدة - ولاصقة)، ومن وسائل التوسع اللغوي تلك الطرق التي يسلكها اللغويون في التعريب بأنواعه.


• والتعريب ينقسم إلى:
١ - المعرّب الصوتي: وهو الكلمات الأعجمية التي أخضعتها العربية لقواعدها نحو: تلفاز .
٢ - المعرب المعنوي: وهو الكلمات التي نقلت معانيها إلى العربية بإيجاد بديل عربي (ترجمة الكلمة).
• فمن القسم الأول (المعرب الصوتي):
١ - قسم عربته العرب مما هو على أبنيتها، ولهذا فهو يعامل معاملة الكلمات العربية مثل:
- دينار، درهم، ولهذا قيل: فلان مُدَرهم ( كثير الدراهم )، دَرْهَم فلان.
- بهرج (زائف)، يقال بَهْرَجَ فلان، ودرهم مُبَهْرَج.
- ومنه سرداب، فالآب الماء، وسرد بارد.
- وميزاب "فالآب" الماء، و "ميز" مسيل، فتعريبه ليس يحتاج إلى تغيير، وهذا القسم قليل في كلامهم.
• ويستدلّ أبو حيان في الارتشاف، لذلك بما روي عن الخليل أنه قال: "الباشق فارسية معربة تعني الأجدل الصغير ( طائر )، ويجوز لك أن تقول : بَشَقَ".
فقد أجاز الخليل الاشتقاق من الكلمات الأعجمية وأبى ذلك آخرون كما يقول: ابن السراج ، ويزعم بأن من يجيزه كمن زعم أن الطير ولد الحوت!
وفي ذلك يقول ابن فارس: "والأصل في هذه الأبواب - يعني الرباعي المنحوت - أن كل ما لم يصح وجهُه من الاشتقاق الذي نذكره فمنظور فيه، إلاّ ما رواه الأكابر الثقات " (مقاييس اللغة ٢ / ١٤٨)
* وهذا يدل على عدم لزوم تغيير بنية الكلمة في التعريب، بل لا يشترط أن يغيّروا كل ما ليس على أبنية كلامهم، ولذا قال سيبويه: ( وربما تركوا الاسم على حاله، إذا كانت حروفه من حروفهم كان على بناء كلامهم أو لم يكن)، وكذا قال إمام العربية ابن فارس.
وقد خالفهم غيرهم من علماء اللغة، كما قال الجوهري : (وتعريب الاسم الأعجمي أن تتفوه به العرب على منهاجها)، ونُسب ذلك إلى ابن جني، وممن تشدد في ذلك الحريري ولذا تجدهم يوجبون: ( كسر أول سرداب ليلحق بشمراخ، وضم أول دستور ليلحق ببهلول)، وقد تعقبه الخفاجي فقال: "وزعم أن المعرّب لابد أن يرد إلى نظائره من أوزان العربية، والذي صرح به النحويون خلافه .. وذكر كلام سيبويه السابق" .

٢ - قسم غيّرته العرب لكنها لم تلحقه بأبنيتها، وكثيرا ما يغيرون فيه ما يجعله على قانون مجانس لكلامهم إما:
أ - بنقص بعض حروفه ( نشاسته = نشا ) ( بُريده دم = بريد).
ب - زيادة حروف (جوكان = صولجان ).
ج - إبدال حروفه ( براذه = فرزدق ) ( طازه = طازج ) وتعني الطيب الخالص، و ( برنامه = برنامج) و ( كوسه = كوسج ) و ( بنفسه = بنفسج) و ( شكر = سكر) و ( فُندق = وهو مفتوح القاف في لغته الأصلية، أبدل بضم القاف )، ( ساده = ساذج، وهو الأبله المجنون ، أو طيب القلب ) ( استبره = استبرق ).

د - التغيير مع مراعاة تصريف الكلمة في لغة العرب، ومنها: (مقاليد فإن مفرده إقليد، وهو معرب كليد)، فأبدلت الهمزة ميما في حال الجمع رعاية لاسم الآلة فإنه يأتي بالميم في كلامهم.
٣ - قسم لم تغيّره العرب وإنما نقلته على صورته:
مثل : تنّور ، كُرْكُم ، زنجبيل ، خراسان.

• ومن القسم الثاني ( التعريب المعنوي):
١ - التعريب بالاشتقاق: ومن أمثلته :( ناسوخ للفاكس، وقابس للفيش، ودراجة، وسيارة، وهاتف، ومذياع، وسجاد للموكيت، وآلة للماكينة، ومرآب للكراج، ورائي للتلفزيون، وشيفرة للكود).
وربما كان الاشتقاق من حروف مقاربة للفظ الأعجمي: (كتعريبهم للراد = راديو ) - ( المكنة = ماكينة) .

٢ - التعريب بالنحت ( ويدخله بعضهم في الاشتقاق وسماه ابن جني : الاشتقاق الكبّار) ويحتاج إليه في الألفاظ الأعجمية المركبة: البرمائي - اللاإرادي - الفوطبيعي
٣ - محاكاة الصوت:
صاروخ - هدير الطائرة - أزيز الرصاص.
•• خـاتمة:
• فائدة:
 قد يوافق بناء الدخيل بناء من أبنية الجمع في العربية، فيظن أنه جمع ويشتق منه مفرد، وتصبح لدينا كلمة جديدة مفردة ليست من أصل كلام العرب، ولا في لغتها الأصلية مثل:
- (قروش) فإنها تركية وهي مفرد في لغتهم، ولما كانت توافق بناء (فعول) وهو من أبنية الجمع أجريت على منوال الجمع، فجعلوا مفرده (قرش).
• فائدة أخرى:
قد تعرّب بعض الكلمات فتصبح لفظا مشتركا:
- شهر للقدر من الأيام عند العرب، وهو لفظ مشترك معناه (المدينة ).
- قط وهو السنور وهو عربي، وفي لفظ معرب: الحظ والنصيب.
- حُب وهو الوداد، وفي لفظ معرب : الجرة الكبيرة.
- مرج وهو الاضطراب، وفي لفظ معرب الأرض المتربة المعشاب.
•• ما سبق ذكره فهو في المفردات اللفظية، فأما التراكيب المترجمة، فربما كان البلاء بها أعظم والنكأة في الجرح اللغوي أطم ولعله يظهر لك شيء من ذلك بالنظر في بعض هذه التراكيب المترجمة:
١ - مثل قولهم : (أكثر وضوحاً و أكثر دقَّة  و أكثر اتِّساعا) بدلاً من (أوضح و أدقّ و أوسع).
٢ - مثل استعمالهم: (ندوة توعوية و مباراة كروية و الطريقة السلطوية) بدلاً من ( ندوة توعية ومباراة في كرة القدم وطريقة السلطة).

٣ - ومنه قولهم: ( الواقعية كمفهوم أدبي، أو البرلمان كسلطة تشريعية )، وهي التي يسميها الداعية الكبير تقي الدين الهلالي باستعلاء المؤمن: الكاف الاستعمارية، وهي ترجمة لكلمة as باللغة الإنكليزية، وهي طريقة أعجمية ليست من مستعملات العرب.
٤ - وكذلك أخذت (صيغة الظرف الإنكليزية ) تطرد ( المفعول المطلق من اللغة العربية) وتُحِلُّ محلَّه عباراتٍ من مثل: (بصورة كبيرة، أو بشكل عشوائي) وهي مقابل تعبيرَيْ largel، فاللغة العربية لا تذكر الفاعل عند البناء للمجهول بل تذكر نائب الفاعل .
أما اللغة الإنكليزية فقد تذكر الفاعل لأن الوظيفة البلاغية للمبني للمجهول فيها تختلف عن وظيفة هذه الصيغة في اللغة العربية، فهي تتخفف من استعمال المفعول المطلق، فتجد في الترجمة منها: (بصورة – بشكل – لدرجة – على نحو)
كقولهم: ( مشيت بصورة جيدة) ، و ( سار بشكل حسن ) ، و ( إن قامته طويلة لدرجة أنها تسد الباب)، و (ظهر على نحو واضح).
وهذه كلها استعمالات نائية عن العربية، والأصح منها أن يقال: (مشيت مشيا جيدا)، و (سار سيرا حسنا)،  و ( إن قامته طويلة طولا يسد الباب) ، و ( ظهر ظهورا واضحا)، أي أن الأصح استعمال المفعول المطلق فيه.
٥ - ومنها قولهم : ( أرسلت الرسالة من قِبَل فلان)، فإنها ترجمة لعبارة من نوع ( by sent was letter The).
٦ - ومنها قولهم : (ولكن الزوجة ما إن سمعت زوجها يصرخ بها على هذا النحو، وعلى الرغم من أنها قد أصابها الفزع لأول وهلة، سرعان ما فكَّرت!)، فإن من اعتاد على طريقة القرآن والتراكيب النبوية وارتاض لسانه بالقراءة في كتب المتقدمين؛وجد نفارا من هذا التركيب، وذلك لأن بنية هذه الجملة على غير طريقتهم، فإنها بنية انكليزية، فإن من شأن البنية العربية
المستقيمة أن تعيد الصياغة بحيث تضع المتعلِّقات في مكانها الصحيح ولا  تكثر جمل الاعتراض، فلو قيل: (ولكن ما إن سمعت الزوجة زوجها يصرخ بها على هذا النحو؛ حتى فكَّرت في حيلة خادعة رغم الفزع الذي أصابها لأول وهلة) لكان أقرب لمستعملات لغة العرب.
٧ - ومنها الاختصارات الحرفية:
فإنه لم يشع استخدام الاختصارات في اللغة العربية إلا على نحو محدود مقارنة باللغات الأجنبية.
فإنك لا تكاد تجد لها أثراً في كتاباتنا القديمة، باستثناء مختصرات قليلة العدد في كتابة بعض علوم الشريعة:  مثل علامات الوقف في القرآن الكريم، و "نا " اختصاراً لكلمة " حدَّثَنا" في كتب الحديث، والباب هنا واسع.
وأما في اللغات الحديثة - ولا سيما الإنكليزية - فإن هذه الاختصارات تصل آلافا، وفي كل مجال من مجالات الكتابة، بل تراها في حديثهم السائر ومخاطباتهم.
٨ - إضافة أكثر من مضاف إلى مضاف إليه واحد كقولهم : (احتدام واشتداد القتال)، والصواب في لسان العرب أن يقال: (احتدام القتال واشتداده) ، فلا يضيف إلا مضافا واحدا إلى المضاف إليه، ثم يضيف المضاف الآخر إلى ضمير يعود على المضاف إليه الأول.
٩ - تأخير الفاعل وتقديم ضميره عليه، كقولهم: (في تصريح له عن الأحوال العسكرية، قال وزير الدفاع ..)، والأصوب أن يقال: (قال وزير الدفاع في تصريح له عن الأحوال العسكرية..).
١٠ - جمع عدد من الأسماء المعطوفة في جملة واحدة، وذلك دون أن يتبع كلا منها بحرف العطف " و "، كالقول: ( ذهب أحمد إلى المكتبة واشترى كتبا، أقلاما، صورا، دفاتر! )، وهذا أسلوب فيه فجاجة وعجمة، وإن أخذت به لغة أخرى كالإنجليزية.
والصواب أن نقول : (ذهب أحمد إلى المكتبة، واشترى كتبا وأقلاما وصورا ودفاتر ).
١١ - أثر الترجمة الحرفية:
( أ ) فمثلا يستعمل بعضهم كلمة " ضد " وهي ترجمة حرفية لكلمة ( against ) في اللغة الإنجليزية، فيقال : " حارب ضد الاستعمار"، و " ينبغي أن يسعى الآباء لتلقيح أبنائهم ضد الجدري "، و " صدر حكم ضد فلان "، وغير ذلك.
وينصب الاعتراض على أن الأسلوب الذي يلجئ إلى استعمال هذه الكلمة، أسلوب يخالف طرق تعبير العرب.
فقولهم : ( فلان يحارب ضد الاستعمار ) يُفهم منه أن هذا المحارب مخالف للاستعمار، أي أنه يحارب في جبهة أخرى غير الجبهة المعادية للاستعمار. والصواب في ذلك القول: ( شن حربا على الاستعمار .
و ( يجب تلقيح الأطفال من الجدري )، و ( صدر حكم بحق فلان أو عليه ) .

ب - ومن الكلمات التي يساء استخدام ترجمتها، كلمة ( reach ) بمعنى يصل.
فإذا ذكر وصول أحد يقول : ( وصل فلان مصر ) .
وهذا استعمال خاطئ، فإن الفعل " وصل " في الإنجليزية فعل متعدٍ .
 ولكنه في العربية لازم لا يتعدى، فليس يحتاج إلى مفعول، ولكنه يتعدى بحرف الجر " إلى ".
فنقول : ( وصل إلى مصر مساء ) .

ج - ومنها أيضا كلمة ( طبقا ) المترجمة عن كلمة ( according ) فهي ترد في أمثلة كثيرة.
فمن ذلك قولهم : " سيتم وصول فلان يوم الأحد طبقا لوكالات الأنباء ".
وفي لغة العرب لا يأتي ذلك على طريقتهم في مثل هذا الموضع .
وكذا ( وفقا ) أو ( وفاقا ) أو ( على وفق ) .
ومنه محاكاة كلمة ( cancel ) بكلمة ( لاغيا ) .
كقولهم : ( يعد الاتفاق لاغيا منذ مساء اليوم ) .
وينصب الاعتراض على كلمة " لاغيا "، لأنها على وزن اسم الفاعل من الفعل " لغا – يلغو "، أي كثر كلامه.
ولكن السياق الذي تُذكر فيه كلمة " لاغيا " لا شأن له بكثرة الكلام أو قلته، بل يعنون به إبطال الاتفاق  .
وكان الواجب استعمال كلمة ( ملغي ) ، وهي اسم المفعول من الفعل ( ألغى – يلغي ) .
فالصحيح إذن أن يقال : ( يعد الاتفاق ملغيا منذ مساء اليوم ) .

د - والبعض يترجم كلمة ( still ) بكلمة
( لا زال ) ، فيقول:  (لا زالت الاجتماعات منعقدة ) .
ويقول : ( لازالت الجهود تبذل لإصلاح الوضع )، وهذا استعمال خاطئ لكلمة ( لا زال ) ، فهي تفيد الدعاء لا الاستمرار، ويصح أن يقال : ( لا زالت الديار قوية عزيزة بأهلها )، فهو دعاء للديار بدوام القوم والعز، وأما ما يفيد الاستمرار فهو ( ما زال ) ، كأن نقول : ( ما زالت الاجتماعات مستمرة ) ، و ( ما زالت الجهود مبذولة ) .

هـ - ومن ذلك كلمة ( by ) التي يترجمها بعضهم ( مِن قِبَل ) ، ويدخلونها في الجمل، فيقولون : ( دُونت الملاحظات مِن قِبَلْ اللجنة ) .
ولكن ليس في استعمال ( مِن قِبَلْ ) فائدة، فإنه يمكن أن يقال : ( دونت اللجنة الملاحظات ) .

و - وهناك كلمة شاع استعمالها شيوعا خاطئا، فلا تكاد تخلو منها جملة، وهي كلمة ( بالنسبة ) ، التي يمكن التخلي عنها دون حدوث أي إخلال في الجملة، فضلا عن أن استعمالها يخالف الاستعمال العربي المستقيم .
فتراهم يقولون : " انخفضت أسعار العملات، وبالنسبة للمارك الألماني فقد انخفض مقابل الدولار ".
وهذا تركيب غير صحيح للجملة، فإن ( النسبة ) هي القرابة أو ما تعلق بها.
والصواب أن يقال : ( انخفضت أسعار العملات، أما المارك الألماني فقد انخفض مقابل الدولار ) .

ز - ترجمة بعض كلمات الإنجليزية بكلمة واحدة مقابلة في اللغة العربية، مثل كلمة ( privatization )، والتي وضعت لها ترجمات عدة، مثل: ( الخصخصة ) أو ( التخصيص ) أو ( التخصيصية ) .
وهذه كلها ترجمات غير دقيقة للكلمة، فإن اللغة الإنجليزية تميل دائما لاستخدام الزوائد ( affixes ) سواء كانت بادئة أم لاحقة إلى الكلمة الأصلية .
ولذلك فهذا الاستعمال أكثر من كلمة واحدة، وإن كانت في ظاهرها كلمة واحدة.
فالترجمة الدقيقة أن يقال : " التحول للقطاع الخاص " .
والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* أمثلة للكلمات الفارسية المستعملة في لغة العرب في أزمنة :
 فرمان: دستور.
بيمارستان: مشفى.
ديوان: دفتر.
ديباجة: أصلها دي وان‌چه/دي بان‌چه أي الدفتر الصغير.
بنفسج : بنفشه.
طازج : تازه.
برنامج : برنامه.
ساذج : ساده.
خنجر: خونگر.
** الأمثلة الأخيرة مستفادة من مقال : الأستاذ محمد بن حسن بن يوسف : ( أخطاء شائعة في الترجمة ) منشور على الشبكة . 

الأحد، 19 مارس 2017

من فقه الأثر : ( فقه حديث عقبة في المعوذتين )

                  بسم الله الرحمن الرحيم
     الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
أما بعد :
•• روى النسائي من طرق عن ﻋﻘﺒﺔ ﺑﻦ ﻋﺎﻣﺮ ﻗﺎﻝ: ﺃﺗﻴﺖ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ  ﷺ ﻭﻫﻮ ﺭاﻛﺐ ﻓﻮﺿﻌﺖ ﻳﺪﻱ ﻋﻠﻰ ﻗﺪﻣﻪ ﻓﻘﻠﺖ: ﺃﻗﺮﺋﻨﻲ ﺳﻮﺭﺓ ﻫﻮﺩ ﺃﻗﺮﺋﻨﻲ ﺳﻮﺭﺓ ﻳﻮﺳﻒ، ﻓﻘﺎﻝ ﷺ : "ﻟﻦ ﺗﻘﺮﺃ ﺷﻴﺌﺎ ﺃﺑﻠﻎ ﻋﻨﺪ اﻟﻠﻪ ﻋﺰ ﻭﺟﻞ ﻣﻦ ﻗﻞ ﺃﻋﻮﺫ ﺑﺮﺏ اﻟﻔﻠﻖ"
وفي لفظ له : " ﻳﺎ ﻋﻘﺒﺔ ﺃﻻ ﺃﻋﻠﻤﻚ ﺧﻴﺮ ﺳﻮﺭﺗﻴﻦ ﻗﺮﺋﺘﺎ ؟ "
ﻓﻌﻠﻤﻨﻲ ﻗﻞ ﺃﻋﻮﺫ ﺑﺮﺏ اﻟﻔﻠﻖ، ﻭﻗﻞ ﺃﻋﻮﺫ ﺑﺮﺏ اﻟﻨﺎﺱ، ﻓﻠﻢ ﻳﺮﻧﻲ ﺳﺮﺭﺕ ﺑﻬﻤﺎ ﺟﺪا !
ﻓﻠﻤﺎ ﻧﺰﻝ ﻟﺼﻼﺓ اﻟﺼﺒﺢ ﺻﻠﻰ ﺑﻬﻤﺎ ﺻﻼﺓ اﻟﺼﺒﺢ ﻟﻠﻨﺎﺱ !
ﻓﻠﻤﺎ ﻓﺮﻍ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﻣﻦ اﻟﺼﻼﺓ، اﻟﺘﻔﺖ ﺇﻟﻲ ﻓﻘﺎﻝ: " ﻳﺎ ﻋﻘﺒﺔ، ﻛﻴﻒ ﺭﺃﻳﺖ ؟ ".
وفي لفظ له : " ﻛﻨﺖ ﺃﻗﻮﺩ ﺑﺮﺳﻮﻝ الله ﷺ ﻓﻲ اﻟﺴﻔﺮ ".
وفي لفظ له : " كنت أقود به ﻓﻲ ﻧﻘﺐ ﻣﻦ ﺗﻠﻚ اﻟﻨﻘﺎﺏ ﺇﺫ ﻗﺎﻝ:"ﺃﻻ ﺗﺮﻛﺐ ﻳﺎ ﻋﻘﺒﺔ ؟ "
ﻓﺄﺟﻠﻠﺖ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﺃﻥ ﺃﺭﻛﺐ ﻣﺮﻛﺐ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﺛﻢ ﻗﺎﻝ : " ﺃﻻ ﺗﺮﻛﺐ ﻳﺎ ﻋﻘﺒﺔ ؟ " .
ﻓﺄﺷﻔﻘﺖ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﻌﺼﻴﺔ ﻓﻨﺰﻝ ﻭﺭﻛﺒﺖ ﻫﻨﻴﻬﺔ، ﻭﻧﺰﻟﺖ، ﻭﺭﻛﺐ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ".
وفي لفظ له : " ﻟﻌﻠﻚ ﺗﻬﺎﻭﻧﺖ ﺑﻬﺎ ؟ ﻓﻤﺎ ﻗﻤﺖ بمثلها! ".
وفي لفظ لأبي داود : " ﺑﻴﻨﺎ ﺃﻧﺎ ﺃﺳﻴﺮ ﻣﻊ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﺑﻴﻦ اﻟﺠﺤﻔﺔ ﻭاﻷﺑﻮاء، ﺇﺫ ﻏﺸﻴﺘﻨﺎ ﺭﻳﺢ ﻭﻇﻠﻤﺔ ﺷﺪﻳﺪﺓ، ﻓﺠﻌﻞ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ  ﻳﺘﻌﻮﺫ ﺑﺄﻋﻮﺫ ﺑﺮﺏ اﻟﻔﻠﻖ ﻭﺃﻋﻮﺫ ﺑﺮﺏ اﻟﻨﺎﺱ " .
وفي لفظ لأبي داود:" اﻗﺮﺃ ﺑﻬﻤﺎ ﻛﻠﻤﺎ ﻧﻤﺖ ﻭﻗﻤﺖ".

•• في هذا الحديث مسائل كثيرة أشير إلى أطراف منها:

١ ) تفاضل سور القرآن، وهو الذي تدل عليه أحاديث تفضيل سورة الفاتحة وآية الكرسي ونحوها، وجعل ابن تيمية هذا القول هو القول المعروف عن السلف، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن سور القرآن لا تفاضل بينها إذ صفات الله على السواء من الأكملية والأعظمية، وقال به أئمة كابن حبان وابن عبد البر، وهو قول طوائف من المخالفين كالأشاعرة، والمسألة طويلة المدارك، وقد استوفى دلائلها شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالة مفردة .

٢ ) استحباب القراءة بهاتين السورتين في الصلاة، وقد ثبت في مسلم أنه صلى بهما الفجر، وليس ذلك مأخوذ من الفعل النبوي المجرد، فإن استحباب القراءة بسورة معينة لا تثبت بمجرد الفعل مرة إذ لابد من قراءة شيء من القرآن، ولكن يثبت ذلك بالمداومة أو التأكيد القولي، وقد كره مالك وغيره تخصيص صلاة بسورة، والمسألة مبسوطة في موضعها .

٣ ) القبض على قدم النبي ﷺ ومن يُجَل كالوالد والوالدة؛ ليس مما ينافي العزة الإيمانية.

٤ ) استحباب التعوذ بهاتين السورتين عند الريح والغبار.

٥ ) مشروعية القراءة في الصلاة بالأمر الذي وعظ فيه قبل الصلاة، فإن النبي ﷺ وعظ بفضيلة هاتين السورتين ثم صلى بهما.

٦ ) كذلك مشروعية الموعظة عقب الصلاة بما صلى به الإمام، فإن النبي ﷺ التفت إلى عقبة فقال له ﷺ : " كيف رأيت " .

٧ ) خوف الصحابة من مخالفة النبي ﷺ حتى مع المقصد الحسن، فإن مقصد عقبة إجلال النبي ﷺ بترك الرجوب في مركبه، ولكنه قدم امتثال الأمر على مطلق التوقير، وهي المسألة التي تعرّض لها بعض المتأخرين ووسموها ب : إذا تعارض امتثال الأمر مع التوقير.

٨ ) ستحباب تكرار هاتين السورتين في أحوال المسلم عند منامه وقيامه.

• أبو المثنى محمد آل رميح .